أصول الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى
يتناول الدرس أهمية الدعوة إلى الله وفضلها وحكمها مع تفصيل أدلة ذلك، وبيان أهداف ومقاصد الدعوة إلى الله، ونماذج من سير الأنبياء، وتناول أركان الدعوة إلى الله، وكيفية الدعوة بين المسلمين ووسائلها وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
المقدمة : الحمد لله نـور السماوات ، والأرض الذي أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ، ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيداً. والصلاة والسلام على البشير النذير ، والسراج المنير؛ الذي بعثه الله بالحق إلى قيام الساعة ، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.. وبعد،،،
فلما كانت الدعوة إلى الله هي المهمة التي كلف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم قـال تعالى : [ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ 1 ] قُمْ فَأَنذِرْ [ 2 ] ] سورة المدثر . وكلف الله بها هذه الأمة كما قال تعالى [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [110 ]] سورة آل عمران .
فإنني أحببت أن أجمع رسالة قصيرة ، توضح لكل مسلم مكلف بالدعوة أصول هذه الدعوة ، كيف يدعو إلى الله ؛ وذلك حتى تكون دعوته على بصيرة كما قال تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 108 ] ] سورة يوسف .
وإني لأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الرسالة ، ويكتب لها القبول ، وأن يقوم المسلمون جميعاً بواجب الدعوة إلى الله على بصيرة ؛ ليشرق نور الله في الأرض كلها ؛ ويعلو دين الله على كل الأديان ، إنه هو السميع البصير والعلي العظيم..
وكتبه/ عبدالرحمن بن عبدالخالق ، الكويت في 27 من ذي الحجة 1416هـ
أولا: حكم الدعوة إلى الله :
الدعـوة إلى الله واجب كفائي على الأمة الإسلامية جميعها لقوله تعالى : [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [110 ]] سورة آل عمران .
وقوله تعالى: [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ [125] ] سورة النحل . وقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ 77 ] وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ 77 ] ] سورة الحج .
ويتعين الوجوب على الإمام ؛ لقوله تعالى : [ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [ 41 ] ] سورة الحج .
فجعل سبحانه وتعالى شرط التمكين : إقامتهم للصلاة ، وأداءهم للزكاة ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر . ولقوله صلى الله عليه وسلم : [ فالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ] رواه البخاري ، و مسلم ، و الترمذي ، و أبو داود ، و أحمد .
والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله أولى واجباته ، ثم أولى العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم ، وعدم كتمانه كما قال تعالى : [ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ [ 187] ] سورة آل عمران.
وهذا تحذير من الله لهذه الأمة... وقال تعالى : [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [ 159 ] إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ 160 ] ] سورة البقرة .
وقـال تعالى: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ 174 ] ] سورة البقرة .
و قـال صلى الله عليه وسلم : [ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه أبو داود ، و الترمذي ، وأحمد ، و ابن ماجه عن أبي هريرة وصححه الألباني في صحيح الجامع 6284.
ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله : ' أما بالنسبة لولاة الأمور، و من لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر ، و عليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار ' [ الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص 17] . ويقول أيضاً : ' ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة ، و إلى الإلحاد ، وإنكار رب العباد ، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة ، وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان ، و غير ذلك من الدعوات المضللة ، نظراً إلى هذا ؛ فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضاً عاماً , و واجباً على جميع العلماء ، و على جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام ، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله ' [ الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص17 ].
ثانيا: فضل الدعوة إلى الله
والدعوة إلى الله فضلها عظيم ؛ فهي مهمة الرسل ، الأنبياء ، وهم أشرف الخلق ، وأكرمهم على الله ، و هم الذين اختارهم الله لهداية البشر … والعلماء هم ورثة الأنبياء ، و قيامهم بالدعوة أعظم تشريف لهم ? قال تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 108 ] ] سورة يوسف .
ومن فضل الدعوة إلى الله أن : [ مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ] رواه مسلم ، و أبو داود ، و الترمذي ، و ابن ماجه ، و الدارمي ،و أحمد.
و الدعوة إلى الله هي التي من أجلها شرّف الله بها أمة الإسلام جميعاً ، فجعلها بذلك خير أمة أخرجت للناس، لأنها حملت رسالة الله إلى العالمين ، و جاهدت بها كل الأمم فهم ، خير الناس للناس.
ثالثا: أهداف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى :
* الأهداف العامة :
إرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم ، و دينه القويم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، و من الشرك إلى التوحيد، ومن الجور، والظلم إلى العدل، والرحمة والإحسان ، والأدلة على هذا كثيرة جداً منها : قوله تعالى : [ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [ 104 ] ] سورة آل عمرا .
وقوله تعالى :[ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ 73 ] ] سورة المؤمنون .
وقوله تعالى : [ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ 52 ] صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ 53 ] ] سورة الشورى .وقوله تعالى : [ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ [ 67 ] ] سورة الحج . و قال تعالى : [ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو [ 36 ] ] سورة الرعد . و قوله تعالى : [ الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ 1 ] ] سورة إبراهيم .
وأمة الإسلام التي هي خير الأمم قد أخرجها الله لهذه الغاية ، فقال سبحانه و تعالى : [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [110 ] ] سورة آل عمران .
ولم يشرع الجهاد بالكلمة ، و المال ، و السيف إلا لتحقيق هذه الغايات . وقد أجمل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام في الجهاد ، فقال _ عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس ، فقال له رستم : لماذا جئتم ، فقال _ : إن الله ابتعثنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . [ البداية والنهاية 7/ 39] .
أما المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود ، و الهدف الأعظم من الدعـوة هو: إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، و إرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به ، و ينجوا من النـار ، و ينجوا من غضب الله ، و إخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور و الهدى ، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا : [ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [ 257 ] ] سورة البقرة .
فالرسل بعثوا ؛ ليخرجوا من شاء الله من الظلمات إلى النور ، و دعاة الحـق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها ؛ لإخراج من شاء الله من الظلمات إلى النور ، و من العذاب إلى المغفرة و الجنة، و من طاعة الشيطان ، و الهوى إلى طاعة الله ، و رسوله.
الأهداف التفصيلية:
1] إيجاد الأمة الصالحة ، الداعية إلى الله المجاهدة ، في سبيله :
من أول أهداف الدعوة : العمل لإخراج الأمة الصالحة التي تعبد الله سبحانه ? تعالى . قال سبحانه ? تعالى : [ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [ 2 ] ] سورة الجمعة . وقال تعالى : [ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [ 164 ] ] سورة آل عمران . وقال تعالى : [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [ 28 ] ] سورة الفتح.
والأمة الصالحة: هي مجموع الأفراد الصالحين المجتمعين على الهدى والصراط المستقيم.
2] إيجاد المؤمن الصالح :
وذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : [ … لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ] رواه البخاري ، و مسلم ، و أبو داود ، و أحمد .
وقوله صلى الله عليه وسلم : [ يَجِيءُ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ ، وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ،وَأَقَلُّ ... ] رواه أحمد ، و ابن ماجه ، و صححه الألباني في صحيح الجامع 8033 .
فهداية مؤمن ـ ولو واحد ـ تحقيق لهدف عظيم من أهداف الرسالات.
3] إقامة الحجة لله على الجاحدين والكافرين :
والدليل على ذلك قوله تعالى : [ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [ 163 ] وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [ 164 ] رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ 165 ] ] سورة النساء .
4] النهي عن الفساد في الأرض :
وذلك لقوله تعالى : [ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [ 116 ] ] سورة هود .
و النهي عن الفساد في الأرض عصمة للجميع من عقوبة الله العاجلة في الدنيا كما قال تعالى : [ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ 59 ] ] سورة القصص .
وكل ما نهى الله عنه فهو من الفساد في الأرض ، قال تعالى : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ 90 ] ] سورة النحل . وكل الرسل الذين أرسلهم الله نهوا أقوامهم عن الفساد ، و الطغيان بعد أمرهم إياهم بتوحيد الله ، وعبادته ، وطاعته.
فنوح عليه السلام
نهى قومه عن الشرك بالله ، و عبادة الصالحين ، و هو أعظم الفساد ، و الشر ،و نهاهم عن صد المؤمنين عن سبيل الله ، واحتقارهم ، و ازدرائهم .
و هود عليه السلام
نهى قومه عن الطغيان ? ? العتو في الأرض بإهدار الأموال في العبث ? ? الضياع ? كما قال تعالى : [ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [ 128 ] وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [ 129 ] وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ 130 ] فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ] سورة الشعراء .
و صالح عليه السلام
أمر قومه بعبادة الله وحده لا شريك له ،و نبذ ما يعبد من دون الله ، ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض بالصد عن سبيل الله ، و إيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، فقال لهم : [ فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ 74 ] ] سورة الأعراف . و قـال لهم : [ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ [ 146 ] فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ 147 ] وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [ 148 ] وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [ 149 ] فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ 150 ] وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [ 151 ] الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [ 152 ] ] سورة الشعراء .
و شعيب عليه السلام
نهى قومه بعد الشرك بالله قائلاً : [ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [ 85 ] وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا [ 86 ] ] سورة الأعراف.
و لذلك : فإن سبب ما يحصل لأهل الأرض من فساد أحوالهم ، ودنياهم هو المعاصي ؛ ولذا كان من أعظم أهداف الدعوة إزالة هذا السبب .
و رسالة رسولنا الخاتمة
جاءت بالأمر بكل معروف ، و النهي عن كل منكر ، و البعد عن كل فساد في الأرض، حتى لو كان عدواناً على حرث ، أو زرع ، كما قال تعالى : [ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [ 204 ] وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [ 205 ] ] سورة البقرة .
5] عمارة الأرض بالخير والعمل الصالح :
من أهداف الدعوة إلى الله : عمارة الأرض بالخير، والعمل الصالح ، قال تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ 77 ] ] سورة الحج .
و قال تعالى : [ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [ 104 ] ] سورة آل عمران .
والخير : اسم جامع لكل نفع ، فالخلق الحسن خير ، والبر ، والصلة ، والإحسان خير ، وإعمار الأرض بالزرع النافع خير ،كما قال صلى الله عليه وسلم : [ إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ] رواه أحمد ، والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه الألباني في الجامع 1424.
و لا شك أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد استفاد منها كل العالمين ، حتى الذين لم يؤمنوا بالإسـلام كما قال سبحانه وتعالى : [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [ 107 ] ] سورة الأنبياء . فإن تعاليم الإسلام التي جاءت بالفضيلة ، و الإحسان ، و نبذ الظلم ، و إقامة العدل قد استفاد منها كثير من الأمم ، و الشعوب ، و إن لم تدخل في الإسلام ، و قد أخذت كثير من دول العالم نظام الإسلام في المعاملات ؛ فاستفادت بذلك فائدة دنيوية .
وقد جاء الإسلام برفع الظلم عن النساء ، و العبيد ، و الضعفاء ؛ فاستفاد الناس من ذلك ، و جعل الإسلام حقوقاً للأسرى ، و نظاماً في الحروب استفاد منه الكفار أيضاً .
فقد جاء الإسلام في وقت عم فيه الجهل ، و الظلم ، فغير نظرة الناس عمومهم نحو المرأة والعبد ؛ فأزال الفروق الجاهلية التي كان الناس يتفاضلون بها ، و يقتتلون عليها كاللون ، و الوطن ، و الأصل وأعلن في الناس جميعاً أنهم لآدم و آدم من تراب ، قـال تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ 13 ] ] سورة الحجرات .وقد استفاد الناس من هذا التعاليم ، و لو بعد حين .
رابعا : أركان الدعوة إلى الله
أركان الدعوة إلى الله ثلاثة هي:
1] المدعو إليه: و هو دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه ، و هو سبيل الله ، و صراطه المستقيم.
2] الداعي: هو القائم بأمر دعوة الناس .
3] المدعو: و هو من يراد دعوته ، و هم الناس جميعاً بوجه عام ، و أهل الإسلام بوجه خاص .
الركن الأول: المدعو إليه:
الأصول العامة للركن الأول :
1] لا يدعي إلا إلى الإسلام :
الركن الأول في الدعوة إلى الله هو: دين الإسلام الذي يراد دعوة الناس إليه ، وحملهم عليه ، و دين الإسلام هو: سبيل الله ، وصراطه المستقيم ? قال تعالى : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ [ 125 ] ] سورة النحل . ? قال : [ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ [ 6 ] صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [ 7 ] ] سورة الفاتحة. و قال تعالى: [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [ 108 ] ] سورة يوسف . و قال تعالى : [ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 87 ] ] سورة القصص . و قال : [ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ 52 ] صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ 53 ] ] سورة الشورى .
فالدعوة إلى الله هي: الدعوة إلى توحيده ، و الإيمان به ، و الدخول في دينه ، و صراطه المستقيم ، وشرعه القويم ، و هو دين الإسلام الذي بعث به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم.قال شيخ الإسلام رحمه الله : ' الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به ، و ما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به ، و طاعتهم فيما أمروا ' مجموع الفتاوى 15/157 .
2] الإسلام هو كتاب الله وسنة رسوله ، وما أجمعت عليه الأمة:
و الإسلام هو ما يتضمنه كتاب الله ، و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي وردتنا بطريق صحيح ، فهذا هو الحق الذي لا شائبة فيه ، و لا يتطرق إليه خلل ، ثم ما أجمعت عليه الأمة كلها ؛ لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : [ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ] رواه ابن ماجه .
وما سوى ذلك من رأي ، و اجتهاد ، فإنه يصيب ، و يخطئ ، ولا يجوز حمل الناس على قول أحد إلا ما وافق كتاب الله ، و سنة رسوله.
و قال شيخنا ، و أستاذنا الشيخ عبدالعزيز بن باز -حفظه الله- : ' أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم ، و هو الإسلام ، وهو دين الله الحق ، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ [ 125 ] ] سورة النحل . فسبيل الله جل وعلا هو الإسـلام وهو الصراط المستقيم ، و هو دين الله الذي بعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم . هذا هو الذي تجب الدعوة إليه لا إلى مذهب فلان ، و لا إلى رأي فلان ، و لكن إلى دين الله ، و إلى صراط الله المستقيم الذي بعث الله به نبيه ، و خليله ، و هو ما دل عليه القرآن العظيم ، و السنة المطهرة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم]' الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/26 .
3] حقيقة الإسلام:
وحقيقة هذا الدين ، و هدفه : هو عبادة الله وحده لا شريك له ، ونبذ ما يعبد من دون الله ، والاستسلام ، و الخضوع لأوامره . قال تعالى: [ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ [ 19 ]] سورة آل عمران. وقال تعالى : [ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ 85 ] ] سورة آل عمران . وقال تعالى: [ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [ 36 ] ] سورة النحل . و قال تعالى : [ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [ 110 ] ] سورة الكهف . و قال تعالى : [ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [162 ] لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ 163 ] ] سورة الأنعام.
والخلق جميعاً _ ومنهم الإنس والجن _ قد خلقوا لهذه الغاية، قال تعالى : [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ 56 ] مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [ 57 ] إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ 58 ] ] سورة الذاريات .
4] الإسلام نظام شامل لكل أعمال الإنسان :
والإسلام نظام شامل ، كامل لتنظيم أعمال الإنسان جميعها على هذه الأرض ، فهو أولاً : يحدد عقيدة الإنسان ، و عمله تجاه إلهه ، و خالقه سبحانه و تعالى .
ثم : عقيدته ، و عمله نحو أهل الإيمان ممن دخلوا في هذا الدين ، ثم عقيدته ، و عمله نحو كل مخلوقات الله التي تحيط بالإنسان في السموات والأرض..
وفي كل هذه الأمور تأتي الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة : الوجوب ، و الندب ، و الإباحة ، والتحريم ، و الكراهة .
فلا يوجد عمل ، و لا اعتقاد إلا وفيه حكم من هذه الأحكام ، قال تعالى : [ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ 89 ] ] سورة النحل . وقال تعالى : [ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ 3 ] ] سورة المائدة .
وقد بين سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز _ حفظه الله _ الكليات العامة للإسلام الذي تجب الدعوة إليه ، فقال : ' و على رأس الدعوة إلى الإسلام : الدعوة إلى العقيدة الصحيحة ، إلى الإخلاص لله ، و توحيده بالعبادة ، و الإيمان به ، و برسله ، و الإيمان باليوم الآخر ، و بكل ما أخبر الله به ، و رسوله ، هذا هو الأساس ، الصراط المستقيم ، و هو : الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، و معنى ذلك : الدعوة إلى توحيد الله ، و الإخلاص له ، و الإيمان به ، و برسله عليهم الصلاة و السلام .
و يدخل في ذلك: الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ، و رسله مما كان ، و ما يكون من أمر الآخرة ، و أمر آخر الزمان ، و غير ذلك.
ويدخل في ذلك أيضاً: الدعـوة إلى ما أوجب الله : من إقامة الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صوم رمضان ، و حج البيت إلى غير ذلك .
و يدخل أيضاً في ذلك : الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ، و الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و الأخذ بما شرع الله في الطهارة ، و الصلاة ، و المعاملات ، و النكاح ، و الطلاق ، و الجنايات ، و النفقات ، و الحرب ، و السلم ، و في كل شيء ؛ لأن دين الله عز وجل دين شامل ، يشمل مصالح العباد في المعاش ، و المعاد . ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ، و دنياهم ، و يدعو إلى مكارم الأخلاق ، و محاسن الأعمال ، و ينهى عن سفاسف الأخلاق ، و عن سيء الأعمال .
فهو عبادة ، و قيادة : يكون عابداً ، و يكون قائداً للجيش .
عبادة ، و حكم : ويكون عابداً مصلياً صائماً، ويكون حاكماً بشرع الله منفذاً لأحكامه عز وجل. عبادة ، و جهاد : و يدعو إلى الله ، و يجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.
مصحف ، و سيف : يتأمل القرآن ، و يتدبره ، و ينفذ أحكامه بالقوة ، و لو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه .
سياسة ، و اجتماع : فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة ، و الأخوة الإيمانية ، و الجمع بين المسلمين
والتأليف بينهم _ كما قـال جل و علا : [ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [ 103 ] ] سورة آل عمران . فدين الله يدعو إلى الاجتماع ، و إلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع الأخوة الإسلامية ، و التعاون على البر ، و التقوى ، و النصح لله ، و لعباده .
وهو أيضاً : يدعو إلى أداء الأمانة ? والحكم بالشريعة ? ? ترك الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل كما قال سبحانه : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ [ 58 ] ] سورة النساء .
وهو أيضاً : سياسة ، و اقتصاد ، كما أنه : سياسة ، و عبادة ، و جهاد ، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسماليا ، و لا شيوعيا : تكسب المال ، و تطلبه بالطرق الشرعية ، و أنت أولى بمالك ، و بكسبك بالطريقة التي شرعها الله ، و أباحها جل وعلا.
والإسلام أيضاً يدعو إلي : الأخوة الإيمانية، وإلى النصح لله ، ولعباده ، وإلى احترام المسلم لأخيه المسلم: لا غل ، ولا حسد ، ولا غش ، ولا خيانة ، ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة كما قال جل وعلا : [ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [ 71 ] ] سورة التوبة ، و قال جل وعلا : [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ 10 ] ] سورة الحجرات .
و قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ،وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ ] رواه البخاري ، و مسلم ، و أحمد .
فالمسلم أخـو المسلم يجب عليه احترامه ، و عدم احتقاره ، و يجب عليه إنصافه ، و إعطاؤه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله عز وجل ، و قال صلى الله عليه وسلم : [ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ] رواه البخاري ، و مسلم ، و الترمذي ، و النسائي ، و أحمد .
و قال صلى الله عليه وسلم : [ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ] رواه أبو داود ، و الترمذي ، و الطبراني في الأوسط ، و صححه الألباني في الجامع 6655 .
فأنت يا أخي ... مرآة أخيك ، و أنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية ، فاتق الله في حق أخيك ، و اعرف حقه ، وعامله بالحق ، و النصح ، و الصدق. و عليك أن تأخذ الإسلام كله ، و لا تأخذ جانباً دون جانب :
لا تأخذ العقيدة ، و تدع الأحكام و الأعمال ... و لا تأخذ الأعمال والأحكام ، و تدع العقيدة ... بل خذ الإسلام كله ... خذه عقيدة ، و عملاً ، و جهاداً ، و سياسة ، و اقتصاداً ،
و غير ذلك ... خذ من كل الوجوه كما قال سبحانه : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [ 208 ] ] سورة البقرة .
قـال جماعة من السلف : معنى ذلك : ادخلوا في السلم جميعه ، يعني : في الإسلام .
يقال للإسلام : سلم ؛ لأنه طريق السلامة ، و طريق النجاة في الدنيا ، و الآخرة ؛ فهو سلم ، و إسلام ؛ فالإسلام يدعو إلى السلم ، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود ، و القصاص ، و الجهاد الشرعي الصادق .
فهو سلم ، و إسلام ، و أمن ، و إيمان ؛ و لهذا قال جل وعلا: [ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ] أي : ادخلوا في جميع شعب الإيمان … لا تأخذوا بعضاً ، و تدعوا بعضاً … عليكم أن تأخذوا بالإسـلام كله . [ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [ 208 ] ] سورة البقرة . يعني : المعاصي التي حرمها الله عز وجل ، فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي ، و إلى ترك دين الله كله ، فهو أعدى عدو.
و لهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله ، و أن يدين بالإسلام كله ، و أن يعتصم بحبل الله عز وجل ، و أن يحذر أسباب الفرقة ، و الاختلاف في جميع الأحوال .
فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات ، و في المعاملات ، و في النكاح ، و الطلاق ، و في النفقات ، و في الرضاع ، و في السلم ، و الحرب ، و مع العدو ، و الصديق ، و في الجنايات ، و في كل شيء ... دين الله يجب أن يحكم في كل شيء .
و إياك أن توالي أخاك ؛ لأنه وافقك في كذا ، و تعادي الآخر ؛ لأنه خالفك في رأي ، أو في مسألة ، فليس هذا من الإنصاف ، فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل ، و مع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم ، و الموالاة ، و المحبة رضي الله عنهم ، و أرضاهم.
فالمؤمن يعمل بشرع الله ، و يدين بالحق ، و يقدمه على كل أحد بالدليل ، و لكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه ، و عدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفي دليلها ، و هكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها ، فإنه قد يعذر ، فعليك أن تنصح له ، وأن تحب له الخير ، و لا يحملك ذلك على العداء ، والانشقاق ، و تمكين العدو منك ، و من أخيك ، ولا حو ل و لا قوة إلا بالله.
الإسلام دين العدالة ... و دين الحكم بالحق والإحسان ... و دين المساواة إلا فيما استثنى الله عز وجل ... ففيه الدعوة إلى كل خير ? ? فيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ? ? محاسن الأعمال ? ? الإنصاف ? ? العدالة ? ? البعد عن كل خلق ذميم . قال تعالى : [ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ 90 ] ] سورة النحل . و قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ 13 ]] سورة الحجرات.
والخلاصة : إن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله ، و لا يفرق بين الناس ، و أن لا يكون متعصباً لمذهب دون مذهب ، أو لقبيلة دون قبيلة ، أو لشيخه ، أو رئيسه ، أو غير ذلك ، بل الواجب أن يكون هدفه : إثبات الحق وإيضاحه ، و استقامة الناس عليه _ و إن خالف رأي فلان أو فلان _ .
و لما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ، و يقول : إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان ، جاءت الفرقة ، و الاختلاف ، حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى أن لا يصلي مع من هو على غير مذهبه ، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي ، و لا الحنفي خلف المالكي ، و لا خلف الحنبلي ، و كذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين ، و هذا من البلاء و من اتباع خطوات الشيطان.
فالأئمة أئمة هدى ، الشافعي ، ومالك، وأحمد ، وأبو حنيفة والأوزاعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأشباههم كلهم أئمة هدى ، و دعاة حق ، دعوا الناس إلى دين الله ، و أرشدوهم إلى الحق ، و وقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها ؛لخفاء الدليل على بعضهم فهم بين مجتهد مصيب له أجران ، وبين مجتهـد أخطأ الحق ، فله أجر واحد ، فعليك أن تعرف لهم قدرهم ، وفضلهم ، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ، ودعاة الهدى ، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب ، والتقليد الأعمى ، فتقـول : مذهب فلان أولى بالحق بكل حال ، أو مذهب فلان أولى بالحق بكل حال ؛ لأنه لا يخطئ ، لا هذا غلط .
عليك أن تأخذ بالحق ، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ، ولو خالف فلاناً ، أو فلاناً ، وعليك ألا تتعصب ، وتقلد تقليداً أعمى ، بل تعرف للأئمة فضلهم ، وقدرهم ، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك ، فتأخذ بالحق ، وترضى به ، وترشد إليه إذا طلب منك ، وتخاف الله ، وتراقبه جل وعلا وتنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد ، وأن المجتهدين إن أصابوا ، فلهم أجران ، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد –أعني : مجتهدي أهل السنة ، أهل العلم ، والإيمان ، والهدى- كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ' أ.هـ الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص/27-35.
الركن الثاني : الداعي إلى الله
الركن الثاني من أركان الدعوة هو : الداعي إلى الله ، والمراد به كل مسلم حمل أمانة الدعوة ، ودخل في قوله تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 108 ] ] سورة يوسف .
والواجبات التي يجب توفرها في الداعي إلى الله هي :
1] العلم بما يدعو إليه :
الواجب الأول الذي يجب توفره في الداعي إلى الله : أن يكون عالماً بما يدعو إليه ، موقناً أن الذي يدعو إليه هو الإسلام . ولأن الإسلام دين متين يشمل جميع عمل الإنسان ، وعلاقاته بربه ، ثم بجميع المخلوقات ، والعالم من حوله ، والعلوم التي جاء بها الدين واسعة جداً ، فالغيب الذي أخبرنا الله به يبدأ من بدايات الخـلق إلى نهاية الدنيا ، مروراً بكل الرسالات والنبوات، و وصولاً إلى أحوال المعـاد ، و الجنة ، والنار… ثم إن الشريعة التي فرضها الله علينا تنتظم جميع أعمال المكلفين وتصرفاتهم على الأرض ، وحلاً لجميع مشكلاتهم ، وقضاءً لجميع أقضياتهم . ولأن هذا العلم من الاتساع ، والشمول ، والعمق مما لا يحيط به إلا الأفذاذ من الرجال ، ولا يجمعه إلا الفحول من العلماء ، ولا يفقهه حق الفقه إلا الأفراد من الراسخين في العلم ؛ كان لا بد للداعي إلى الله أن لا يهجم على أمر من أمور الدين إلا بعد العلم به ، ولا يفتي في مسألة إلا بعد فقه أبعادها ، ولا يدعو الناس إلا بعد العلم أن ما يدعو إليه هو ما أمر به الله ، ورسوله ، ولا ينهى عن شيء إلا بعد العلم أن ما ينهى عنه هو مما نهى الله ، ورسوله عنه.
ولا يجوز أن تجعل الأمور الاجتهادية، وما لا نص فيه في منزلة الأمور المنصوص عليها المقطـوع بها.. ويجب على الداعي أن يضع كل أمر في نصابه، ودليل هذا كله قوله تعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ 108 ] ] سورة يوسف . فالبصيرة : العلـم، وكذلك قوله : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ 125 ] ] سورة النحل.
فما لم يكن من سبيل الله لا يجوز الدعوة إليه ، وما لم يعلم أنه من سبيل الله لا يجوز أن يدعى إليه . والدعوة على جهل تؤدي إلى فساد الدين، فكثيرون دعوا على جهل؛ فضلوا، وأضلوا.
و سبيل العلم هو : المربي ، والكتاب ، والمنهج ، وقد سئل شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله عن الكتب التي يجب على الداعي إلى الله أن يتعلمها فقال:' أعظم كتاب ، وأشرف كتاب أنصح به هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، فأنصح كل داع إلى الله ، وكل آمر بالمعروف ، وناه عن المنكر ، ومعلم ، ومدرس، ومرشد ، ذكراً كان ، أو أنثى ، أن يعتني بكتاب الله ، ويتدبره ، ويكثر من قراءته، فهو أصل كل خير ، وهو المعلم ، وهو الهادي إلى الخير ، كما قال عز وجل: [ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ 9 ] ] سورة الإسراء . وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم ، إلى سبيل الرشاد ، فالواجب على الدعاة ، والآمرين بالمعروف ، والمعلمين ، أن يجتهدوا في قراءته ، وتدبر معانيه ؛ فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة ، ويتأهلون بذلك للدعوة ، والتعليم بتوفيق الله عز وجل.
ثم أنصح بالسنة ، وما جاء فيها من العلم والهدى ، وأن يراجع الداعي إلى الله ، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، والمدرس ذكوراً ، وإناثاً كتب الحديث ، وما ألفه الناس من هذا ، حتى يستفيد من ذلك ، وأهم كتب الحديث وأصحها : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما، ومن بقية كتب الحديث كالسنن الأربع، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي ، وغيرها من كتب الحديث المعروفة كما أوصي بمراجعة كتب أهل العلم المفيدة، مثل : المنتقى للمجد ابن تيمية، ورياض الصالحين، وبلوغ المرام، وعمدة الحديث، وجامع العلم ، وفضله لابن عبدالبر، وجامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب، وزاد المعاد في هدي خير العبـاد للعلامة ابن القيم، وأعلام الموقعين، وطريق الهجرتين، والطرق الحكمية كلها له أيضاً..
وكذلك ما كتبه أبو العباس شيخ الإسـلام ابن تيمية في السياسة الشرعية، والحسبة في الفتاوى، ومنهـاج السنة، فهو من الأئمة العظماء الذين جربوا هذا الأمر، وبرزوا فيه، ونفع الله به الأمة ونصر به الحق، وأذل به البدع وأهلها فجزاه الله وإخوانه العلماء عن صبرهم ، وجهادهم أفضل ما جزي به المحسنين إنه جواد كريم ، فأنا أنصح كل مسلم، وكل معلم، وكل مرشد أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم '.
2] العمل بما يدعو إليه:
الواجب الثاني الذي يجب للداعي : أن يكون عامـلاً بما يدعو الناس إليه، فإذا دعا غيره إلى خير كان أسبق الناس إليه، وإذا نهاهـم عن شر كان أبعد الناس منه، ودليل هذا قوله تعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [ 2 ] كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [ 3 ] ] سورة الصف . وقوله تعالى : [ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ 44 ] ] سورة البقرة . وقوله تعالى عن شعيب : [ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [ 88 ] ] سورة هود .
وفي الحديث الصحيح : [ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ ،فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلَانُ : مَا شَأْنُكَ ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَر، ِ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ] رواه البخاري ، و مسلم ، و أحمد .
قال شيخنا عبدالعزيز بن باز حفظه الله : ' ومن الأخلاق ، والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية : العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ،ثم يتركه، أو ينهى عن شيء ، ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون ، فهم دعاة الحق يعملون به ، وينشطون فيه ، ويسارعون إليه ، ويبتعدون عما ينهون عنه قـال الله جل وعلا : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [ 2 ] كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [ 3 ] ] سورة الصف .هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً، ولهذا قال بعده : [ وَعَمِلَ صَالِحًا [ 33 ] ] سورة فصلت . فهو داعية إلى الله باللسان، وداعية بالعمل ولا أحسن قولاً من هذا الصنف من الناس: هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، و هم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم ، وأعمالهم ، وسيرتهم.
وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة... وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيماً العـامة ، وأرباب العلوم القاصرة ، فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالـح، وذا خلق فاضل حتى يقتدي بفعاله وأقواله ' من أقوال الشيخ بن باز ص/65-66.
3] احتساب أجر الدعوة إلى الله :
يجب على الداعي إلى الله أن يكون محتسباً لا يطلب على دعوته أجراً . قال تعالى : [ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ 86 ] ] سورة ص . وحتى لا يتهم في دعوته، وأنه لم يدع إلا للدنيا، ولذلك أمر الله جميع رسله أن يقولوا : [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [ 109 ] ] سورة الشعراء .
وأتباع الرسل ، والأنبياء يجب أن يأتسوا بهم في دعوتهم إلى الله ، فتكون دعوتهم إلى الله من أجل دينه، واحتساباً لله ؛ وبهذا تجد دعوتهم القبول، وتنتفي عنهم الظنة، ويكونون بعيدين عن الشبهة.
قال شيخنا عبدالعزيز بن عبدالله بن باز حفظه الله : ' أما أخلاق الدعاة، وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها، فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة في أماكن متعددة من كتابه الكريم، منها:
الإخلاص : فيجب على الداعية أن يكون مخلصاً لله عز وجل، لا يريد رياء ? ولا سمعة،[ ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى : [ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ [ 108 ] ] سورة يوسف … وقال عز وجل : [ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ [ 33 ] ] سورة فصلت . فعليك أن تخلص لله عز وجل، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصفات : أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة ' الدعوة وأخلاق الدعاة ?/36-37]
ولاشك أن إخلاص الداعية لله في دعوته ، هو من سر النجاح فيها، ووضع القبول له في الأرض، قال الإمام الذهبي رحمه الله : ' كان السلف يطلبون العلم لله ؛ فنبلوا ، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قـوم منهم أولاً : لا ، لله ، وحصلوه، ثم استفاقوا ، وحاسبوا أنفسهم ، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد ، وغيره : طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد، وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. فهذا أيضاً حسن، ثم نشروه بنية صالحة .
وقـوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثنى عليهم، فلهم ما نووا ، قال عليه السلام : [ مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا، فَلَهُ مَا نَوَى ] رواه أحمد ، والنسائي ، والحاكم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع 6401.
وترى هذا الضرب :لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى ... وقوم نالوا العلم ، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم ، وركبوا الكبائر والفواحش، فتباً لهم، فما هؤلاء بعلماء! ... وبعضهم لم يتق الله في علمه بل رَكِبَ الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار... وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله لأنهم ما رأوا شيخاً يقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً، غاية المدرس منهم أن يحصل كتباً مثمنة يخزنها، وينظر فيها يوماً ما، فيصحف ما يورده ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو' سير أعلام النبلاء 7/152-153.
قـال عبدالله بن المبارك: ' قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا، قال : لأنهـم تكلموا لعز الإسلام ، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق ' صفوة الصفوة 4/122.
4] الصبر على الأذى:
لا بد للداعي إلى الله من التحلي بالصبر ؛ لأنه لا بد وأن يؤذى في دعوته ، فكل الرسل قد عودوا، وقد قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : [ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ] رواه البخاري ، و مسلم ، و الترمذي ، و أحمد .
قال تعالى : [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [ 31 ] ] سورة الفرقان . وقال صلى الله عليه وسلم : [ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً : الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ ] رواه الترمذي ، و ابن ماجه ، و الدارمي ، و أحمد ، و ابن حبان في صحيحه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع 993.
ومن أجـل ذلك قرن الله الصبر مع التواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى : [ وَالْعَصْرِ [ 1 ] إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [ 2 ] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [ 3 ] ] سورة العصر . وقال تعالى عن لقمان وهو يعظ ابنه : [ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ 17 ] ] سورة لقمان .
والرسـل أوذوا من الكفار المعلنين للكفر، ومن أهل النفاق ومن أهل الجهل، والحمق كذلك ممن يظهر الدين … وقد أوذي سيـد البشر، وخاتم الرسل ، وإمام المتقين، سيدنا ، ونبينا محمد صلىالله عليه وسلم من المشركين ، واليهـود ، والنصارى ، كما لقي أيضاً من المنافقين أذى كبيراً ؛ فقد كان منهم من قـال في حقه : [ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ 8 ] ] سورة المنافقون .
وكان منهم من سب زوجته، وآذاه في أهله ومنهم من قال : [ هُوَ أُذُنٌ [ 61 ] ] سورة التوبة ... ومنهم من تآمر على قتله... الخ.
كمـا أوذي صلى الله عليه وسلم من بعض الجهال الحمقى ، من أمثال من قال له : [ اعدل يا محمد ، فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ] رواه البخاري ، و مسلم ، و أحمد .
وكذلك أوذي خيار أصحابه من بعده، وما زال الصديق ، والفاروق يسبان أشد السب إلى يومنا هذا... فالداعي إلى الله لا بد ، وأن يؤذى، ويبتلى ، فإذا كان الداعي إلى الله من أهل الصبر استمر في دعوته، وإن كان من أهل الجزع ، والضعف ، والخور ؛ ترك الدعوة إلى الله .وإن كان من أهل الحمق ، والجهل ؛ ربما اعتدى على من يدعوهم، وانتصر لنفسه فأفسد دعوته، وأبطل جهاده في سبيل الله.
5] الحرص على هداية من يدعوه :
الواجب الخامس الذي يجب توفره في الداعي إلى الله : أن يكون حريصاً على هداية من يدعوه ؛ فإذا كان من يدعوه كافراً ، كان حريصاً على إيمانه ، ساعياً في ذلك بكل سبيل، وقد كان سيد الدعاة ، والمهتدين _ وهو نبينا صلى الله عليه وسلم _ ليحزن أشد الحزن حتى ، يكاد يقتله الغم أسفاً على نفور الناس من دعوته… قال تعالى معزياً ، ومعاتباً له : [ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [ 6 ] ] سورة الكهف .
وقد وصفه تعالى بالحرص على هداية الناس ، قال تعالى [لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [ 128 ] ] سورة التوبة. وقال تعالى : [ إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ [ 37 ] ] سورة النحل .
والداعي إذا كان حريصاً على هداية من يدعوه ؛ سعى إلى ذلك بكل سبيل ، ولم يدخر وسعاً في إيصال الحق له ، واستخدم معه كل وسيلة ناجعة، وأزال كل عقبة تصده عن الحق . وأما إذا اتصف بضد ذلك ؛ أهمل في دعوة من يدعوه، ولم يكترث لهدايته ، أو ضلاله.
وإذا كان من تدعوه مسلماً ، وكنت حريصاً على أن يهتدي للحق الذي تدعوه إليه، وللمعروف الذي تأمـره به؛ حملك هذا على إخلاص النية، وبذل قصارى الجهد، والفرح بهداية من تدعوه، والحزن إذا لم يستجب لك.
6] اتخاذ الحكمة منهجاً وسبيلاً :
أمر الله سبحانه وتعالى أن تكون الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالحسنى، قال تعالى : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ 125 ] ] سورة النحل .
قال في لسان العرب: ' الحكمة : هي العدل، ورجل حكيم: عدل حكيم، وأحكم الأمر : أتقنه، ويقال للرجل إذا كان حكيماً : قد أحكمته التجارب. والحكيم المتقن للأمور ... وأصله من المنع ، ومنه قوله الشاعر :
أبني حنيفة أَحكموا سفهاءكم أني أخاف عليكم أن أغضبا !
أي ردوهم وكفوهم . ومنه حَكَمَةُ اللجام : ما أحاط بحنكي الدابة ، وسميت حكمة لأنها تمنعها من الجري الشديد ... والحكمة : مانعة لصاحبها من الوقوع في الخطأ '.
معنى الحكمة في الشرع :
قال الإمام ابن جرير رحمه الله : ' القول في تأويل قوله تعالى : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ 125 ] ] سورة النحل .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: [ ادْعُ ] يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته[ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ ] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه ، وهو الإسلام [ بِالْحِكْمَةِ ] يقول : بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك [ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه [ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ] يقول : وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها ، أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك '.
وقال الإمـام برهان الدين البقاعي في نظم الدرر:' [ ادْعُ ] أي كل من يمكن دعوته[ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ ] أي: المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنفية . [بِالْحِكْمَةِ ] وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن، والقبح، والصلاح، والفساد . وقيل لها حكمة ؛ لأنها بمنزلة المانع من الفساد، وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم : هو العالم بما يمنع من الفساد، قال الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلاً له دعا به [ وَالْمَوْعِظَةِ ] بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة ، والإنذار بالبشارة. [ الْحَسَنَةِ ] أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها، وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك[ وَجَادِلْهُم ] أي : الذين يحتملون ذلك منهم افْتِلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج[ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ] من الطرق بالترفق واللين والوقار، والسكينة، ولا تعرض عنهم، ولا تجازهم بسيء مقالهم، وقبيح فعالهم صفحاً عنهم ورفقاً بهم، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم' .
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره في بيان معنى الحكمة : ' [ بِالْحِكْمَةِ ] أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة: الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبدأة بالأهم ، فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة ؛ وإلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة_ وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب _ :
إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها ...
وإما بذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به ...
وإما بذكر ما أعد الله للطائعين، من الثواب العاجل و الآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل .
فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلاً ونقلاً، و من ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام ، أو مشاتمة ؛ تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها '. تفسير السعدي 3/92-93.
وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز حفظه الله : ' و من الحكمة : إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو ، وبلغته التي يفهمها حتى لا تبقى عنده شبهة ، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب تعارض بعض الأدلة، وعـدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة ؛ وعظ ، وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو، ويرق قلبه، وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظة وترغيب وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعداً لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنع، وبعض الإعراض فيحتاج إلى وعظ و إلى توجيه و إلى ذكر آيات الزجر ' من أقوال الشيخ ابن باز في الدعوة ص/64.
ومما سبق يتبين أن الحكمة تأتي لمعان كثيرة :
1] ما تضمنه كتاب الله سبحانه وتعالى من الدعوة إلى الإيمان بالله ، وعبادته ، والتزام صراطه المستقيم، ودينه القويم ، فالآخذ بهذا قد أحكم أمره، وعرف طريقه، وبهذا فسر ابن جرير الطبري معنى : [ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [ 125 ] ] سورة النحل . أي : ما تضمنه هذا القرآن الكريم.
2] سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاءت الحكمة معطوفة على الكتاب كثيراً في القرآن كما قال تعالى: [ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [ 164 ] ] سورة آل عمران.
فالحكمة هنا : هي بيان القرآن الكريم ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
3] الحكمة يعنى : وضع الأمور في نصابها، والوصول إلى الأهداف المطلوبة بأيسر الطرق ، وأحسنها كما أمر الله باللين في الدعوة مع الجبابرة : [ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [ 44 ] ]سورة طه . وبالشدة في مواطنها ، كما قال تعالى : [ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ 9 ] ] سورة التحريم ... وبالعفو ، واللين في مواطنه : [ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [ 159 ] ] سورة آل عمران.
والخلاصة : أن الحكمة : وصف جامع للعلم النافع الذي يمكن صاحبه من وضع كل أمر في نصابه، مما ييسر له الوصول إلى أفضل النتائج بأيسر السبل .
الركن الثالث : المدعو
1] عالمية الرسالة: رسالة الإسلام رسالة للعالمين قال تعالى : [ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ 158 ] ] سورة الأعراف ... وقال تعالى : [ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [ 19 ] ] سورة الأنعام ... وقال تعالى : [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [ 28 ] ] سورة سبأ ... وقـال تعالى : [ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ 1 ] ] سورة الفرقان …