المتساقطون على طريق الدعوة..كيف؟ ولماذا؟
يتناول الدرس الأسباب التي يتراجع بسببها بعض الدعاة عن طريق الدعوة، سواء كانت أسبابا تتعلق بالحركة الإسلامية ذاتها أو تتعلق بالفرد، أو الأسباب والضغوظ الخارجية، وصنوف الناس أمام المحن .
أسباب التساقء:
أولاً : أسباب تتعلق بالحركة :
1- ضعف الجانب التربوي : فالجانب التربوي قد يأخذ من الحركة حيزًا محدودًا في حين تطغى الجوانب الأخرى الإدارية، والتنظيمية، والسياسية على كل شيء، ويبرز ذلك بشكل واضح في حياة القادة والإداريين، والذين يتولون الشئون السياسية والاجتماعية؛ مما يجعلهم مقطوعي الصلة بالتربية نظريًا وعمليًا، وبالتالي يجعل علاقاتهم، واجتماعاتهم، وممارساتهم جافة خالية من طلاوة الربانية.
والمسئول قد يظن أنه بلغ سنام الأمر من غير أن يحس بالخواء النفسي والروحي، وهو إن لم يفطن لذلك، فإنه ساقط لا محالة؛ فالإيمان كما هو معروف يزيد وينقص؛ بدليل قوله تعالى:} لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ[4] { [سورة الفتح] وقوله:} وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى[76] { [سورة مريم] وقوله:} وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَانًا[31] { [سورة المدثر ] وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:'ن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم' اه الحاكم والطبراني . فتعهد الأفراد بالتربية ـ جنودًا وقياديين ـ يجب أن يكون شغل الحركة. بل إن الظروف السيئة التي تمر بالدعوة أحيانًا تفرض المزيد من الاهتمام التربوي؛ لأن احتياج الناس إلى الرعاية والتذكير إنما يكون أكبر في الظروف الاستثنائية.. والحركة التي تضعف قدرتها التربوية عن متابعة أفرادها بما يحتاجون من تعهد وتربية؛ ستصاب بنيتها بقدر ضعفها، ولهذا:
يجب أن تكون المناهج التربوية دائمًا موضع دراسة وتعديل بما يتوافق مع الاحتياجات والظروف.
يجب أن لا يتوقف النشاط التربوي بسبب ظرف طارئ، أو لحساب جانب من جوانب العمل.
يجب أن تطال أفراد الحركة المتابعة التربوية بشكل، أو بآخر.
يجب أن يكون ارتباط الفرد بالحركة قائمًا على أساس من ارتباطه بالله وبالإسلام، وإن الحركة والتنظيم إنما هي وسيلة لا غاية.. وهي وسيلة لتحقيق أمر الله، وليست وسيلة لتحقيق مصالح أفرادها: }فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[110]{ [سورة الكهف].
جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة:' ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه' .
2- عدم وضع الفرد في المكان المناسب:وهذه المشكلة تؤدي باستمرار إلى فشل العمل وخسارة العاملين..ولهذا يجب على الحركة أن:
تحدد طبيعة المرحلة التي تمر بها.
تعرض ما تحتاجه هذه المرحلة من قدرات وطاقات.
تعرف ما يحتاجه كل موقع من مواقع العمل.
تعرف قدرات أفرادها، وميولهم، ومواهبهم حتى تختار لكل فرد ما يناسبه مع قدراته وميوله.
تحدد خطواتها وفقًا للقدرات التي تجمعت عندها.
تتوفر الطاقات للحركة قبل المباشرة بالمرحلة ودخولها.
3- عدم توظيف كافة الأفراد في العمل: حيث يتراكم العمل بيد فئة محدودة، في حين تبقى الفئة الأكبر من غير عمل، ومع الأيام، وتقلب القلوب والعقول، وشعور الفرد بعدم الإنتاج بسبب ضعف ارتباطه العضوي بالحركة؛ تنكفئ في أعماقه البواعث والدوافع الرسالية والجهادية إلى أن يختفي عن المسرح.
4- عدم متابعة الأفراد: فالأفراد كسائر الناس تمر بهم ظروف صعبة، فإن وُجد من يعينهم على مواجهتها ومعالجتها؛ تجاوزوها بسلام، وإن حصل عكس ذلك، فإنهم سيصابون حتمًا بخيبة أمل، ثم بإحباطات نفسية؛ تقذفهم خارج إطار الحركة؛ بل خارج إطار الإسلام..وحتى تتمكن الحركة من متابعة أفرادها؛ يتعين عليها تحقيق التوازن بين التجميع العددي، وبين تهيئة الأجهزة القيادية والبدائل بحيث تبقى الإمكانات القيادية ـ في كل الظروف ـ قادرة على استيعاب القاعدة. إن العلاقة التي يفرضها الإسلام على الجسم الإسلامي تصنع من انصهارها الفكري، والروحي، والجسمي أشبه بالجسد الواحد الذي يصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:'مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى' رواه البخاري ومسلم وأحمد .والمتابعة يمكن أن تقوم في الحركة من جانبين اثنين:
جانب التنظيم نفسه من خلال الأجهزة، وجانب الأخوة من خلال الأفراد.
5- عدم حسم الأمور بسرعة:فالسرعة في حسم الأمور من شانها أن تغني الحركات، وتجنبها العديد من الخضات الداخلية.ولدى البحث عن أسباب عدم الحسم في الحركات يمكن الوصول إلى النتائج التالية:
قد يكون ذلك عائدًا لطبيعة العناصر القيادية.
قد يكون ذلك عائدًا للروتين التنظيمي الذي يفترض مرور كل قضية عبر الأجهزة التنظيمية.
وقد يكون ذلك عائدًا لاتساع القاعدة، وضمور القيادة، وعدم تمكنها من تغطية احتياجات العمل المختلفة.
6- الصراعات الداخلية: وتعتبر من أخطر ما يصيب الحركات من أمراض؛ فهي:
تسمم الأجواء وتكهربها.
تفسد علائق الأفراد.
تورث الجدل والمراء، وتوقف العمل والبناء .
توهن الدعوة وتغري بها من حولها.
وأسباب نشأة الصراعات الداخلية كثيرة:
فقد يكون بسبب ضعف القيادة، وعدم تمكنها من ضبط الأمور.
وقد تكون بسبب أيادٍ خفية، وقوى خارجية تعمد إلى إثارة الفتنة.
وقد تكون بسبب التنافس على المواقع، وبخاصة الحركية والسياسية.
وقد تكون بسبب اختلاف الطباع والتوجهات التي أفرزها تناقض النشأة التربوية والبيئية.
وقد تكون بسبب عدم التزام سياسة الحركة وقواعدها وأصولها، وعدم الانصياع لقرارات أجهزتها وبروز الشخصانية، والتصرفات الفردية.
وقد تكون بسبب القعود عن العمل والإنتاج، الذي من شأنه أن يشغل العاملين بدعوتهم.
وفي تاريخ الدعوة، ومنذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ظواهر هذا المرض العضال تبدو وتختفي، ومن هذه الظواهر:ماذكر محمد بن إسحاق بن يسار، وغيره: أن رجلاً من اليهود مرّ بملإ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة؛ فبعث رجلاً معه، وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث، وتلك الحروب, ففعل.. فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتشاوروا ونادوا بشعارهم- أي: شعار الجاهلية: يا للأوس، ويا للخزرج- وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرّة. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدرك أنها فتنة يهودية، فخرج لتوّه دونما تأخر أو تأجيل، حتى جاءهم في حيِّهم فقال:'يا معشر المسلمين.. اللهَ اللهَ.. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله تعالى للإسلام وأكرمكم به، وقطع عنكم به أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف بين قلوبكم؟'.
ولقد فعلت مبادرة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها في نفوس الأوس والخزرج، ولم يكن منهم إلا أن تباكوا وتعانقوا، وعادوا أشد مما كانوا..ولقد نزل في هذا الحادث قوله تعالى:} يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[100]{ [سورة آل عمران] .
7- عدم أهلية القيادة: ومن الأسباب المباشرة لتساقط الأفراد: ضعف القيادة عمومًا، وعدم قدرتها على الإمساك بالصفّ والمحافظة عليه،وضعف القيادة قد يكون ناجمًا عن عدة أسباب وعوامل:
فقد يكون الضعف في الإمكانات الفكرية عمومًا؛ بحيث لا تتمكن القيادة من تغطية هذا الجانب، أو قد تكون قادرة في جانب فكري، وعاجزة في الجوانب الأخرى.
وقد يكون الضعف في الإمكانات التنظيمية؛ بحيث تكون العناصر القيادية غير متمتعة بالمواهب والقدرات التي تمكنها من ضبط التنظيم.
ثانيا:أسباب تتعلق بالفرد:
إن مسئولية الحركة عن تساقط الأفراد على طريق الدعوة لا يعفي هؤلاء الأفراد كذلك من المسئولية، فلنستعرض بعضًا من الأسباب الخاصة بالأفراد:
1- طبيعة غير انضباطية: فهنالك أشخاص قد يجتذبون إلى الحركة في ظرف من الظروف، ثم يتبين أنهم غير قادرين على التكيّف وفق سياسة الحركة، وعلى السمع والطاعة لها. إن من هؤلاء من لايطيق القيود التنظيمية؛ فعندما يشعر بوطأتها يعمل على التفلّت، والتخلص منها..ومن هؤلاء من يرفض الذوبان في البنية الجماعية، ويحرص على أن يحافظ على شخصيته، وعندما يشعر بما يعرّض شخصيته للذوبان يولي الأدبار. ويكفي أن ننقل هنا دليلاً من كتاب الله تعالى، وآخر من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ تأكيدًا على رفض الإسلام لهذا المنطق:
فمن كتاب الله تعالى:} لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[22]{ [سورة المجادلة]
ومن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا' رواه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي وابن ماجه والنسائي وأحمد.
2- الخوف على النفس والرزق: فالشيطان يدخل من هذا الباب على المؤمنين، والدعاة يخوفهم، يعدهم، ويمنيهم } يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا[120]{ [سورة النساء]
} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[175]{ [سورة آل عمران].
والقرآن الكريم حفل بكثير من الآيات التي تشير تلميحًا وتصريحًا إلى هذا الداء، قال تعالى:} سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[11] { [سورة الفتح] وقال تعالى:} قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[6]وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ[7]قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[8] {[سورة الجمعة] وقال تعالى:} وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ[10]وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[11]{ [سورة العنكبوت] وقال تعالى:} الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[168]{ [سورة آل عمران].
3- التطرف والغلوّ:فالذين يحمّلون أنفسهم فوق ماتطيق، ولا يقبلون التوسط في شيء؛ معرّضون بشكل، أو بآخر لانتكاسات نفسية وإيمانية.. ومثل هؤلاء كمثل من يريد أن يقطع صحراء طويلة بسرعة؛ فيهلك دابته، ولا يبلغ ضالته.. وصدق رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث يقول:'هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا' رواه مسلم وأبوداود وأحمد . ويقول:'...إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ' رواه النسائي وابن ماجه وأحمد.
4- التساهل والترخص: فالذين يتساهلون في امتثالهم أمر الله؛ سيجدون أنفسهم مندفعين من تساهل صغير إلى تساهل كبير.. إلى أن يستحوذ الشيطان عليهم وعلى أعمالهم، وصدق من قال:
لا تحقـرن صغـيرة إن الجبال من الحصى
وهذه شواهد من شرع الله:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:' يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ طَالِبًا' رواه ابن ماجه والدارمي وأحمد.
وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:' إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ- يَعْنِي: بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ-' رواه البخاري وأحمد .
و عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:' إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا' رواه أحمد.
5- الغرور وحب الظهور: إن على العاملين في الحقل الإسلامي أن يدركوا أن دعوة الإسلام لا يصلح لها، ويثبت عليها من كان مختالاً فخورًا؛ فالداعية بحاجة لأن يجلس مع الناس، ويتواضع للناس ويخدم الناس.. هكذا كان الداعية الأول صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لايأكل متكئًا، ويقول:'آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد'رواه أبو يعلى. وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ:' هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ' رواه ابن ماجه . وعلى هذا الخلق سار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن زاذان عن علي رضي الله عنه : 'أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو والٍ يُرشد الضالّ، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال؛ فيفتح عليه القرآن' }تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[83]{ [سورة القصص] .
6- الغيرة من الآخرين: بسبب الغيرة أحيانًا يرفض المحدودون أن يلتزموا حدودهم، فيعمدون إلى التسلق بشكل، أو بآخر فيجهدون أنفسهم بدون طائل، وقد يصاب بعضهم بصدمات نفسية تلقي بهم خارج الصفّ أن تدفعهم إلى الانتقام لأنفسهم ممن يعتبرونهم سببًا في فشلهم، والقرآن الكريم يشير إلى داء الغيرة والحسد في مواقع كثيرة، منها:
قوله تعالى:} أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[54]{ [سورة النساء] .والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من الغيرة والحسد في أحاديث كثيرة منها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُه،ُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم،َ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ'رواه البخاري ومسلم وأحمد .
7- فتنة السلاح: وأخطر ظواهر التطرف على الإطلاق ما اتصل منها باستعمال القوة؛ فإنها تصبح آنذاك جائحة لا يقتصر ضررها على الأفراد، وإنما قد يأتي على الحركة كلها ؛بسبب عدم التقيد بالضوابط والسياسات الشرعية في حال استعمال القوة.
أهم الإشكالات التي تتصل بمفهوم استعمال القوة:
عدم وضوح الغاية من امتلاك القوة.
عدم التقيد بشروط استعمال القوة،وأبرزها:
استفراغ الجهد بالوسائل الأخرى.
إناطة استخدام القوة لرفع المنكر بعد وقوعه بالإمام وجماعة المسلمين.
ألا يفضي إلى مفسدة أو فتنة أكبر منه.
ألا يخرج عن السياسة الشرعية في هذا الأمر.
أن يكون وفق الأوليات.
أن يكون إعدادا سليما متقنا.
الحذر من الاستدراج والاستجابة لردات الفعل.
عدم جواز تعريض المسلمين للإبادة في حال عدم تكافؤ القوى.
ثالثًا: أسباب خارجية ضاغطة:
وهذه الأسباب كثيرة ومتعددة، وسنجملها فيما يلي:
1- ضغط المحن: إن المحنة في حياة الدعوة هي المحك الأقوى، فكم من أناس اختفوا عن مسرح العمل الإسلامي بعد تعرضهم لمحنة أو إيذاء . ولقد أكد القرآن الكريم على حتمية المحنة في حياة المؤمنين فقال تعالى:} الم[1]أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[2]وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[3]{ [سورة العنكبوت] وقال:} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ[31]{ [سورة محمد] .
وبيّن صنوف الناس أمام المحنة:
فمنهم الصابر المحتسب }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[173]{ [سورة آل عمران]} وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا[22]مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[23]{ [سورة الأحزاب]
ومنهم المنهزم الذي لا يلبث أن يسقط ويختفي من حلبة الصراع }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ[10]وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[11] {[سورة العنكبوت] ثم يقرر القرآن الكريم أمرًا لا مناص منه؛ حيث يقول:} لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[186]{ [سورة آل عمران] .
2- ضغط الأهل والأقربين: من الضغوط التي يواجهها العاملون في الحقل الإسلامي ما يتصل منها بالأهل والأقربين، وقلّ أن ينجو من ضغط الأهل أحد، فالقاعدة: أن الأهل يحدوهم الخوف على أبنائهم من أن يصيبهم ما أصاب الدعاة، وبعضهم الآخر: تأخذه العزة بالإثم ويكبر عليه أن يسبقه صغير بالهدى .ولقد حذر القرآن من الإذعان لضغوط الأهل وحضّ على الثبات، فقال تعالى:} قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[24]{ [سورة التوبة] .
3- ضغط البيئة: قد ينشأ المسلم في بيئة محافظة، ثم ينقل بسبب الدراسة، أو العمل إلى بيئة أخرى، عوامل الشر فيها أكثر، وهنا يبدأ الصراع عنيفًا: فإما صمود أو سقوط. إن العوامل التي تؤدي إلى انهزام الفرد أمام ضغط البيئة كثيرة:
فقد يكون تكوينه في الأساس غير صحيح: كأن تكون عنده إشكالات في العقيدة، أو انحراف خفي في السلوك.
وقد يكون التزامه في بيئة التزام؛ خجلًا وتقليداً ومحاكاة، وليس التزام قناعة وإيمان.
وقد يكون السبب إعراضه في بيئته الثانية عن محيط الدعوة والدعاة، وإقباله على بيئة الجاهلية وعُشراء السوء.
4- ضغط حركات الضرار: ففي كل قطر تبرز بين الحين والآخر فرق تحمل اسم الإسلام تخرب عقول الشباب؛ فلا تجتذبهم للعمل معها ولا هي تتركهم حيث هم يعملون.