مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

التلاعب ... السلام

15 دقيقة قراءة نسخة أرشيفية

يتناول الدرس قضية التلاعب بمصير الأمة، من خلال نموذج تاريخي فيه الكثير من العبر التي تحتاجها الأمة في واقعها المعاصر وعرض لبعض تلاعبات علماء السوء بمصير الأمة، ثم تحدث عن السلام المزعوم التي تضلل به الأمة، ثم ذكر أنه ضاع في تيه هذه المغالطات كثير من الناس، ثم عرض أسئلة مهمة يتساءل عنها أعداد من المسلمين الحريصين على عقيدتهم .

التلاعب بمصير الأمة : عندما انتقل يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس عام 479هـ يريد دعم إماراتها ضد الطاغية الإسباني الذي استبد بالأمر؛ فقد خاف يوسف على ضياع الأندلس من أيدي المسلمين، وصعب عليه أن يرى الصليبيين يستذلون المسلمين. ولما حط رحاله في الأندلس رغب أن يسمع توجيه الدعاة إلى السكان، وكلام الذين يتصدّرون المجالس يتحدّثون عن الإسلام، فخرج يومًا إلى صلاة الفجر وحده لا يعرفه أحد، وقد علم أن بعد الصلاة درسًا وتوجيهًا للشيخ أحمد التبريزي.

فلما انقضت الصلاة تحلّق الناس، وانتظموا ثم جاء الشيخ، وأخذ يوجّه الناس، ويبحث في العقيدة، وكان يردد في حديثه:'إخواننا المسيحيون' و'المسيحيون موحدون'... من هذه العبارات التي لا يصحّ قولها، وهي تُضعف معنويات المسلمين. فسأل يوسف سؤالاً على سجيته دون تكلف ولا اهتمام، فاستغرب الحضور- وإن وجدوا فيه الحق والجرأة- وبدا لهم أن الشيخ يغالط في أقواله ويُريد المداهنة.

وقال يوسف: كيف تقول يا شيخ: 'مسيحيون' والله سبحانه وتعالى يقول عنهم :'نصارى' حيث يقول:} وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[120]{ 'سورة البقرة' والمسيح عليه السلام برئ منهم فلماذا تنسبهم إليه؟

قال الشيخ: هكذا جرت العادة، وليس في الأمر.. وتعلثم .

قال يوسف: تقول عنهم:'موحدون' والله سبحانه وتعالى يقول:} لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[72]{ 'سورة المائدة'.

قال الشيخ: يا بُني إن النصارى موحدون غير أنهم يجعلون الألوهية أقانيم ثلاثة نحن نوحدها في:'الله الواحد الأحد، العزيز القهار' وهم يُجزئونها تقريبًا لمفاهيم أتباعهم، وتسهيلاً لأبنائهم .. والأصل في النصرانية كما نزلت من عند الله سبحانه وتعالى في صورتها الأولى ـ كما تعلم ـ لا تختلف عن الإسلام، بل تُبشر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي ديانة سماوية.

قال يوسف: ولكن حرّفها الرهبان والأحبار حتى خرجت عن التوحيد، وغدت تقوم على الشرك.

قال الشيخ: لكن عندما نتكلم عن النصرانية فإنما نتكلم عنها في أصولها كما نزلت.

قال يوسف: لكن لا يوجد اليوم ـ بين النصارى ـ من يتبع النصرانية الحقيقية كما أنزلت، فهي لا تُوجد في عالم الواقع، كما لا يوجد إنجيل خال من التحريف. إن الذي يُوجد بين أيدي النصارى هو ما يتّبعونه، وهو المحرّف، وكلهم يقولون بالشرك.

قال الشيخ: نعم. نعم الأقانيم الثلاثة واحد .

قال يوسف:يقول تعالى:} لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[73]{ 'سورة المائدة'.

قال الشيخ- وقد تلعثم وظهر عليه الارتباك- : لا تناقش كثيرًا يا بني، يبدو عليك أنك غريب. وانتهت الجلسة وهمّ الناس بالانصراف، فقال الشيخ: ما تعرّفنا على ضيفنا، ما اسمك يا ضيفنا؟

قال يوسف: يوسف بن عبد الله ..قال الشيخ: أهلاً وسهلاً .. يا أبا سعيد-أحد إخوان الشيخ-: أخونا يوسف في ضيافتك اليوم.. قال أبو سعيد : نعم. من واجبنا إكرام الضيف.. اعتذر يوسف.. وشكر لهم إكرامهم .

وقام الناس للانصراف، وأخذوا يغادرون أماكنهم ..قال الشيخ: حبذا لو انتظر ضيفنا قليلاً .

قال يوسف: نعم. أنتظر .. وخرج الجميع.

قال الشيخ: يا يوسف إن وضعنا ـ كما تعلم ـ نعيش على الثغور، والنصارى يُهدّدوننا في كل وقتٍ فإن اقتحموا علينا الديار؛ فعلوا بنا الأفاعيل، وقد علموا ما نقول عنهم من النصارى الذين يوالونهم ويعشون بين أظهرنا، لذا نضطر أن نقول مثل هذا الكلام.

قال يوسف: وما الذي يدعوك إلى أن تقول مثل هذا الكلام، اجلس في بيتك، ودع الحديث لغيرك.

قال الشيخ: ولكن تصدُّر المجالس، وتقدير الناس لمن يجلس مجلس العلم أمر محبب للنفوس، وعلى العالم واجب كبير ومسئولية أمام الله.

قال يوسف: ولكن ألا ترى أن حديثك هذا يجعل المسلمين لا يُعدّون أنفسهم للقتال حق الإعداد ما داموا يُقاتلون إخوانًا لهم، وما دام النصارى موحدين، لذا يتخاذل المسلمون على حين يقوى الصليبيون إذ يُصور لهم بطارقتهم المسلمين كفاراً، وأنهم يعبدون محمداً، وأنهم يحبون العدوان، ولو انتصروا عليهم لقتلوا رجالهم، وأبقوا نساءهم عندهم سبايا وإماء، وأنهم قد طردوا النصارى من قبل من بلاد الشام وشمالي أفريقيا واستحوذوا على بيت المقدس، وإنّ طرح هذا الكلام ليجعل الجند النصارى يقاتلون بضراوة، الأمر الذي يجعلهم ينتصرون علينا.

إن البطارقة يغالطون رعاياهم ويكذبون ليضمنوا النصر، وأنتم تغالطون الأمة مغالطةً، وعدم صدقٍ لتُضعفوا من الروح المعنوية، ويؤدّي ذلك بالتالي إلى الهزيمة.

قال الشيخ: لا، لا، أبدًا، لا تُشغل نفسك في هذا الموضوع، فالنصر بيد الله، والمسلمون يستعدّون، فتوكل على الله، ولا تخف.

وانصرف يوسف وهو يقول في نفسه: إن أمثال هؤلاء من مشايخ السوء لأخطر على المسلمين من أعدائهم، ولئن نصرني الله لأبدأ بهم ـ إن شاء الله ـ.

ودخل يوسف بن تاشفين الحرب ضدّ الإسبان النصارى وكانت بينهم تلك المعركة المشهورة:'معركة الزلاقة' إذ قضى المسلمون فيها على الجيش الإسباني.

ارتفعت معنويات المسلمين في الأندلس بعد هذا النصر العظيم، وحرص ابن تاشفين مُدّة إقامته في الأندلس على التخلص من مشايخ السوء الذي يُغالطون في عقيدتهم من أجل مصالحهم.

السلام المزعوم:

بعد أن حقّق يوسف بن تاشفين النصر في الأندلس على الصليبيين، وأمّن وضع الأمراء فيها عاد إلى الغرب، وما إن رجع حتى فُسح المجال ثانية أمام مشايخ السوء فانطلقت ألسنتهم بالمغالطات، وامتدت أيديهم الباردة نحو العامة تقذف في قلوبهم الوهن، وتسلب منهم الحيوية، وتُميت عندهم فكرة الجهاد.

بدأت المغالطات بإعلان: أن الإسلام دين السلام لا يعتدي على أحدٍ، ولا يحارب إلا إذا هوجم، ولا يدخل منطقة إلا إذا اعتُدي عليه، ولا يدخلها إلا لمنع الهجوم عليه ثانية وقطع دابر الغارات على أبنائه، وإذا مدّ سلطانه إلى مكانٍ فإنما ليصل إلى مكانٍ منيعٍ يتقي فيه شر الجوار وحرب الأعداء، هكذا الإسلام، فهو في نظر هؤلاء الذي يغالطون: ضعيف لا يُريد أن يتوسع، ولا يُريد أن ينتشر، وليس على أبنائه مُهمّة في الحياة هي الدعوة لله حتى تعمّ الأرض، ذليل يقبع في زاوية من الأرض حتى تدبّ الحياة في أتباعه .. هكذا وبهذه الصورة البشعة في نظر هؤلاء من أهل السوء.

عاد الضعف إلى المسلمين مرة ثانية فالأمراء والحكام رجعوا إلى اختلافهم، وتفرّقهم، واستعانة بضعهم على بعض بالطاغية النصراني، والروح المعنوية انخفضت نتيجة مشايخ السوء الذين يقدّرون مصالحهم فقط وقبل كل شيء، وبدأت غارات الإسبان تارة أخرى وأخذت تجوس خلال ديار المسلمين، واضطر المعتمد بن عبّاد حاكم إشبيلية اجتياز بحر الزقاق والتوجّه نحو المغرب يستنجد بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين للعودة إلى الأندلس بجيوشه ومساعدة المسلمين، واستجاب يوسف لدعوة المعتمد، بل لأنين المسلمين، ونداء الواجب الإسلامي وانتقل إلى العدوة الأندلسية.

وأحبّ قبل أن يخوض الجولة أن يتعرّف على الروح المعنوية لدى المسلمين، ورأى أفضل طرق المعرفة الاستماع إلى الموجهين والمتحدثين الذين مقرّهم المسجد عادة، فخرج إلى صلاة العصر في أكبر مساجد قرطبة، وقد علم أن أحد العلماء- وهو إبراهيم بن عبد الملك الباجي يُلقي محاضرة.

انتهت صلاة العصر واجتمع الناس، وأمّ الجامع آخرون أدّوا صلاتهم في غيره، وقد ازدحم الجامع بالناس رغم اتساعه، وجاء الشيخ إبراهيم وجلس على أريكة، ووضعت حولها أمثالها من كلا الجانبين وبدأ الحديث: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على رسول الله، خاتم النبيين وآله وصحبه، ثم أخذ في الكلام، فكان صوته عاليًا واضحًا، وكلامه فصيحًا مُبينًا، وحديثه عذبًا طليقًا وبيانه مؤثرًا جميلاً، ومع هذا فكان يُغالط الحضور ويسير بهم بعيدًا عن الإسلام.

تكلم عن حرية العقيدة، وأطال في تفسير الآية الكريمة:} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[256]{ 'سورة البقرة' وأعلن أن الإسلام لا يمانع في أن يتخذ الإنسان أية عقيدة يراها، ويؤمن بما شاء أن يؤمن، ثم انتقل إلى أن المسلمين لا يغزون وإنما يُدافعون عن أرضهم فقط إذا ما غُزوا، ويحرصون أن يصلوا إلى مواقع تقيهم غارات غيرهم، فهم مسلمون مسالمون، وما عُرف من أمر الجهاد فهو الدفاع عن النفس، وأطنب في ذلك الحديث حتى يظنّ المستمع أن الحضور سيخرجون إلى بيوتهم لا يكلّمون أحدًا خوفًا من الزلل، ولو اعتدى عليهم أحد المارة لأحنوا رءوسهم، حتى ليضنّوا بالبكاء خوفًا من أن يعدّ ذلك شكوى، فينجدهم أصحاب الشهامة فيكون قتال..وطال الحديث وكاد الوقت ينتهي، ويوسف بن تاشفين مطرق رأسه يستمع، وإن كان يبدو عليه الألم، ولولا افتضاح الأمر لقام وصفع الشيخ وقال له: لا تُمت علينا ديننا أماتك الله، غير أنه صبر.

وما أن انتهى الشيخ حتى قال له يوسف: هل يحقّ لرجل يُقيم في دار الإسلام أن يجعل لنفسه صنمًا ينصبه في ساحة يملكها، ويُقدّم له القرابين، ويعبده من دون الله، ويطوف حوله أمام الناس.

قال الشيخ: لا .

قال يوسف: هذا ما فهمه المستمعون منك، ولكننا نعرف من أهل العلم أنه لا يسمح أن يكون وثنيون في ديار الإسلام، ولا يصحّ أن يُعبد غير الله، ولا مكان في بلاد المسلمين إلا لأهل الكتاب ومن يتبعهم من مجوس، وتكون عباداتهم خاصة بهم في بيعهم وأديرتهم وكنائسهم، وهذا ما نُلاحظه في البلدان التي فتحها المسلمون حيث لا يوجد سوى ذلك الصنف الذي ذكرته:أهل الكتاب والمجوس.

قال الشيخ:} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ يا بُني، فاستمع إلى مشايخك وأنصت، ولا تحاول أن تُخالف.. تأتي بجديد من عندك فيضلّلك الله.

قال يوسف: نعم. :} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ .. ولا يُجبر الإسلام المرء على عقيدة مُعيّنةٍ، ويترك له الخيار في أن يعبد الله على الصورة التي يرى، ويدين بعقيدة من عقائد أهل الكتاب أو المجوس أما عدا ذلك فلا، فإن شاء اختار منها، وإلا رحل عن ديارالإسلام إلى أي مكان شاء إلى أن يصل الإسلام إليها، وهذا تفسير :} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ ولكنكم تُفسرونها بشكل فيه مغالطة. وهي تعني عدم الإكراه في عبادة الله، عدم الإكراه في اختيار إحدى العقائد التي تعبد الله، أما الوثنية فلا.

ويبدو أن بعض الناس قد عرفوا يوسف بن تاشفين من لهجته ونبرة صوته فقد سمعوه عند قدومه في المرة الأولى، ورأوه في القتال، وحاولا أن يُنبّهوا الشيخ غير أن الشيخ تلا بعنف :} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ وأراد المتابعة.

قال يوسف: يمكن أن أطرح موضوعًا آخر نستفيد منه، أيها القارئ الفاضل؟

قال الشيخ: تكلم ولا تطنب.

قال يوسف: عندما انتشر الإسلام، وقفت دولة الفرس يومذاك في وجهه، كما وقفت دولة الروم، وكما وقف الطغاة جميعًا، وعندها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى كسرى قتله، أصحيح هذا؟

قال الشيخ: نعم. صحيح، فما تبغي؟

قال يوسف: وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حركة المرتدّين في أرض العرب وجد المرتدّون سندًا لهم في دولتي الفرس والروم، أصحيح هذا؟

قال الشيخ: نعم. صحيح، فما وراء ذلك؟

تابع يوسف: فما على المسلمين أن يفعلوا وقد قضوا على المرتدّين؟ هل يتركون الفرس، والروم يُثيرون الفتن ضدّ المسلمين؟ هل يتركونهم يمنعون أي إنسانٍ أن يُسلم، وإن أسلم أحدهم قتلوه وصلبوه؟ أم ماذا يفعلون؟

قال الشيخ: يغزونهم، وقد فعلوا، فمن واجب المسلمين نشر الدعوة في سبيل الله، فمن وقف في وجهها قاتلوه، ولا يبدؤونهم بالقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا؛ فقد اهتدوا، وأصبحوا من المسلمين، شأنهم شأن بقية المسلمين في الحقوق والواجبات، وإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن قبلوا اكتفى المسلمون بذلك ورجعوا عنهم، ومعنى قبول الجزية، أن يسمح للدعوة بالانتشار، وتُعطى حرية العمل للذين أسلموا في نشر دينهم دون إكراه، وإن رفضوا الجزية فلابدّ عندها من السيف بعد الإنذار.

قال يوسف: جزاك الله خيرًا، لقد أفدتنا، أي أن المسلمين يُقاتلون الذين يقفون في وجه الدعوة حتى يُسلموا أو يقبلوا الجزية ويسمحوا للدعوة بالانتشار، وهذا هو الجهاد.

قال الشيخ: هذا صحيح، وهذا ما أردته بالضبط.

قال يوسف: فتح المسلمون المغرب ووصلوا إلى ساحل المحيط، وكان بحر الزقاق يفصل بينهم وبين القوط في الأندلس، ويُعد البحر مكان حمايةٍ يمكنهم منع أعدائهم من النزول إلى بلادهم، فلماذا يا تُرى اجتاز المسلمون بحر الزقاق وانتقلوا إلى الأندلس، وقاتلوا أهلها، وفتحوها واستقرّوا فيها؟ فهل هذا اعتداء من قبل المسلمين؟

قال الشيخ: معاذ الله، أن يكون المسلمون معتدين، إنما استنجد فيهم المظلومون فأنجدوهم، وحاول الطغاة منعهم فقاتلوهم، وانتصروا عليهم، وأراد البغي أن يُثير الفتنة على المسلمين فاستقرّوا ليُقرّوا المسلم، وينشروا الأمن، ويُعطوا الرخاء.

قال يوسف: إذاً لا يحرص المسلمون على الوصول إلى مناطق تحميهم من الأعداء، وتردّ عنهم كيد المعتدين.

قال الشيخ: أبدًا، وإنما يُحارب المسلمون الظلم أينما وُجد، ولا تقف في وجههم عقبة من عقبات الأرض، وإنما عليهم أن يُؤدوا مُهمّتهم في الحياة مهما قدّموا من تضحيات، ومن مُهمّة المسلمين الأساسية رفع الظلم، ومنع الجور، ومقاتلة الشرك، وهذا ما يجب أن تضعه أمام عينك يا بُني، ويجب أن يعرفه الناس جميعًا.

قال يوسف: لو أن قومًا معتدين أغاروا على جزء من أرض الإسلام، فماذا يفعل المسلمون؟

قال الشيخ: يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين جميعًا أينما كانوا، وفي أيّة بُقعةٍ حلّوا، وإذا ما نال المعتدون من المسلمين كان على النساء من أهل تلك الجهة واجب القتال أيضًا والذود مع الرجال عن حمى المسلمين.

قال يوسف: إذاً يُجاهد المسلمون في سبيل الله، ويهبّوا للدفاع عن ديارهم.

قال الشيخ: نعم، يا بني.

قال يوسف: جزاك الله خيرًا، ونفع بك.

وشعر المستمعون أن الشيخ كان يُغالط، وقد أحسّ أمام السائل يوسف أنه كان يقول من غير تثبّت، وقد تراجع عما كان عليه، وأيقن الحضور أن كلام الشيخ كان يُضعف فيهم روح الجهاد، وأن واجبهم البقاء في ديارهم قابعين فإن داهمهم غزو قاموا لردّه والدفاع عن ديارهم وأموالهم وأعراضهم ليس إلا.

لكن الإسلام يأمرهم غير ذلك يأمرهم : بقتال الظلم، ونصر المظلومين، والسير إليهم لتخليصهم مما يُعانون ولو كانوا في آخر الأرض.. كما عليهم قتال كل من يقف في وجه الدعوة ومنع الإسلام من الانتشار مهما نأت ديار أولئك البغاة.. كما عليهم ألا ينتظروا الطغاة حتى يعتدوا عليهم فيردّوا كيدهم، وإنما عليهم أن يسيروا إليهم ويداهموهم في أماكنهم قبل أن يتحركوا، ولو فعلوا ذلك لما تطاول الإسبان ولما ارتفعت لهم راية، ولبقى الأندلس يعيش في ظل دوحة الإسلامية ويتقيأ في ظلالها.

لكن إن فهمت حقيقة الإسلام مجموعة فقد بقيت أعداء تنتشر في أمصار العالم الإسلامي الواسعة تبثّ تلك الأفكار الخاطئة وتُغالط في المفهومات الأساسية للإسلام حتى كادت تعمّ، وأصبح مفهوم الإسلام لدى كثيرٍ من الناس الاستسلام بمعنى السلام، وكان هذا من جملة أسباب تأخّر المسلمين ووصولهم إلى هذه الدرجة من التخلف والانهزامية والضعف حتى سيطر الأعداء على بلادهم .

ولا زال كثير من عامة المسلمين أو ممن يدّعون المعرفة يظنون أن الإسلام دين السلام فقط بمعنى الاستسلام، وليس دين القوة أيضًا، ودين العزّة والمنعة، والجهاد وسيلة من وسائل الدعوة إليه. فقد أراد الشيوعيون في يوم من الأيام أن يُغالطوا على المسلمين ويدخلوا عليهم من هذا الباب فيكسبون أعدادًا، منهم فشكلوا جمعية عُرفت بـ:' جمعية أنصار السلام' فأيّ تسمية هذه؟! وأيّ سلام هذا؟! أهو استعمار بلاد التتار وسحق أهلها، أم احتلال بلاد القفقاس وتشريد سكانها، أم اقتحام بلاد تركستان وقتل أبنائها، أم غزو بلاد الأفغان وتدمير مدنها وإحراق قراها، وتشريد الناس، وتسيير الدبابات الروسية على جماجم الأطفال والعاجزين .. أم ماذا؟

وجاءت هذه الجمعية لتنشر بين المسلمين أن الإسلام يدعو إلى السلام ونشر السلام، ونحن نؤيد فلنتعاون، ولنطالب بالسلام، وكانوا يأخذون تواقيع المغفلين من المسلمين دلالة على التأييد للمنظمات الشيوعية.

يجب أن ننتهي من تلك الغفلة، ومن تلك المغالطات، ونضرب على أيدي أولئك الذي يُغالطون، وينشرون الأخطاء بين الناس ليناموا.. يجب أن يستيقظوا الآن ويعرفوا أن الإسلام دين السلام وفي الوقت نفسه دين القوة والعزة والمنعة، والجهاد في سبيل الله، ومجاهدة الكفار والظالمين وحربهم أينما كانوا حتى يزول الظلم، وينتهي الشرك، ويعمّ العدل، ويسود الإسلام الأرض كلها.

نتائج المغالطات:

لقد ضاع في تيه هذه المغالطات كثير من الناس، فأعداد من المسلمين الحريصين على عقيدتهم يتساءلون:

هل نحن نعيش في دار الإسلام أم في غيرها؟

هل يصح موالاة أعداء الله وإقامة أحلاف معهم أم لا؟ أناس قالوا بهذا، وآخرون قالوا بذاك وفي كلا الفريقين من يقول بالعلم ..؟

هل هذه مؤسسات إسلامية أم تحمل عنوانًا فقط؟ أناس يثنون، وتظنهم صالحين، ولا نزكي على الله أحدًا، ولكن الآخرين لا يريدون، وليس لهم مصلحة؟ مع أي الفريقين وجه الصواب؟

هل الزهد مقبول؟ أهو الفقر أم هو عدم التمسك بالدنيا؟ وما هو الفرق بين الزهد والتصوف؟

إن الكثير من هؤلاء يريدون أن يتلمسوا الطريق فلا يعرفون؛ لذا كثرة الفئات وتعددت الجماعات، وتعصّب كل لرأيه، وما منع الناس أن يعرفوا الحق إلا التعصب للرأي، وللجماعة، والشيخ، إذ يعتقد كل أن من يتبعه على صوابٍ فلا يخطئ، وينسى أن لا عصمة في الإسلام لأحد بعد الأنبياء.

لابد من الوضوح والأخذ من النبع الأصلي الصافي: كتاب الله، وسنة رسوله.

ولابد من ترك التعصب للأفراد والجماعات، وسؤال أهل العلم، ومحاولة التمييز والمقارنة.

وكما ضاع المسلمون الحريصون على دينهم ضاع غير الحريصين، وهم نسبة لا بأس بها، ولا يمكن إغفالها ـ مع الأسف ـ وجدير بهم أن يضيعوا، وأمر طبيعي أن يتيهوا، وقد تخلوا عن عقيدتهم، وضاعوا في الحزبية، والمصالح وعصبيات المنافع الواحدة والمشتركة، والأهواء والشهوات.

من أسباب ضياع المسلمين:

أسباب خارجة عن إرادة المسلمين:

المؤسسات الصليبية واليهودية المتعددة بأسمائها وعناوينها المكشوفة والمغطاة، والمخططات التي توضع.

والفرق الباطنية التي تعمل بالسر، والظاهرة التي تعمل بوحي من أعداء الإسلام، وهم الذين أنشأوها ولا يزالون يدعمونها.

أسباب تعود إلى المسلمين أنفسهم:

مصالحهم، وشهواتهم، والإغراءات التي يدلي بها لهم أعداؤهم، وينثرونها لهم حتى ينقلبوا إلى بهائم.. إلى جبابرة.. إلى طغاة يوجهون سيوفهم إلى رقاب أبناء عقيدتهم التي ينتمون إليها.

وليس دور الجهل، والخرافة، والجلافة بأقل من ذلك؛ إذ لا يقبلون رأيًا، ولا يعرفون وضعًا، ولا يريدون أن يتعرفوا على ما يُرسم لهم ويخطط.

لابد من إنارة الطريق:

لابد من إنارة الطريق لهؤلاء الضائعين كي يسلكوا الطريق المستقيمة.. وينفضوا عن أعينهم ما سبق أن لحقها من غشاوة.. وإذا جدّ الدعاة.. وأخلص السائرون في سبيل الله؛ فإن النصر قادم ـ بإذن الله-. والله نسأل أن يوفقنا، وأن يسدد خطانا لإنارة الدرب، فهو نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

من رسالة:' المغالطات وأثرها في الأمة' للشيخ/ محمود شاكر

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 13 أغسطس 2002
  1. فضائح الفتنيتناول الدرس معان بالغة الأهمية في التحذير من الفتن، وموازين عاصمة من الخلاف، نستغلها وقت العافية اليوم، وهذا أدعى أن يستقر في القلوب إذ هي هادئة ساكنة، فيكون عندنا من الاحتياط ما يغني عن مضاعفة الوعظ إذا غزتنا الخلافات، وما نخذل الصف المسل23 د قراءة
  2. القدوة مبادئ ونماذجيتناول الدرس معنى القدوة وأهمية القدوة الحسنة والشوط الواجب توفرها في الشخص حتى يكون أهلا لئن يقتدى به، وماهي الأمور التي تخرج الشخص عن صلاحية الاقتداء به، ثم بين كيف تتم التربية بالقدوة مع بيان نماذج من القدوات عبر التاريخ . الحمد لله، وأش19 د قراءة
  3. تحديات الأسرة المسلمةيتناول الدرس التحديات المفروضة على الأسرة المسلمة لتفكيكها حتى لا تؤدي دورها كما أمرها الله عزوجل . وهذه التحديات إما أنها من داخل الأسرة أو من خارجها ثم إنها أنواع مختلفة تتطلب معرفة ودراية بها ومن هنا كان هذا الدرس شارحا لهذه التحديات ومبحدث الساعة · 15 د قراءة
  4. المعادلة الثالثة: التيسيروالتيسير في الأمور كلها يحدث نتيجة لبعض أعمال القلوب وأعمال الجوارح، والتي من أبرزها: التقوى، والإنفاق في سبيله، والتصديق بما أنزله سبحانه، والعمل بما أمر والابتعاد عما نهى. تقوى الله: يذكر الله تعالى هذه المعادلة الإيمانية :} وَمَنْ يَتَّق8 د قراءة
  5. حقيقة العبادة في الإسلاميتناول الدرس شرح وتفصيل الغاية التي خلق من أجلها الإنسان ألا وهي العبادة مبناً معناها واستعمالاتها في القرآن وأصناف الناس فيها وحقيقتها كما فهمها أهل التوحيد مبينا الضوابط الأساسية لفهم العبادة ومقاصد وصور العبادة وكذلك الضوابط في العبودية 15 د قراءة
  6. أربعون وسيلة لاستغلال شهر رمضانتناول الدرس أربعين وسيلة للاستغلال الأمثل لرمضان ومنها وسائل عامة لمضاعفة أجر الصوم واستغلال الوقت ، ووسائل وتوجيهات في الاهتمام بالقرآن، ثم وسائل للجادين خاصة، ثم وسائل خاصة بالمرأة، وأخيرا وللصغار نصيب من هذا الفضل ولهم وسائل أيضا. وسائل حدث الساعة · 12 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: التلاعب ... السلام