المعادلة التاسعة: تعجيل الجزاء
يقول تعالى في كتابه الكريم:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُوراً [18]} [سورة الإسراء].
ويقول تعالى أيضاً:} وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [20]{ [سورة الشورى].
وفي هاتين الآيتين تتضح معالم المعادلة التاسعة: ففي شطرها الأول اختيار الدنيا والرغبة فيها، وتفضيلها على الآخرة، وفي شطرها الآخر: نتيجة هذا الاختيار، وهي تعجيل ما أراد من الدنيا، وفي الآخرة ليس له شيء البتة غير جهنم يصلاها محتقراً.
أين العقل ؟
من علم مثل هذه النتيجة الخطيرة كيف يختار هذا الاختيار الخطير؟ بل كيف يكون عاقلاً، أو به ذرة من عقل من يختار ذلك؟ يقول الإمام ابن القيم:'كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟' وما أجمل ما علق الزاهد يحيى بن معاذ على ذلك الاختيار عندما قال:'ما عصى الله كريم، وما آثر الدنيا على الآخرة حكيم' . ذلك لأن الحكيم ينظر بالعواقب، والسفيه هو الذي لا ينظر إلا لشهوته.
الزائلة المعجَّلة: لذات الدنيا كلها زائلة، ومن اختارها فإن الله يعطيها إياه، ويعجلها له في الدنيا؛ لأنه يحرم منها في الآخرة، حيث اللذات الدائمة. يقول الشيخ أحمد المراغي- معلقاً على قوله تعالى: } مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَـاجِلَةَ {:' أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي، لا يوقن بمعاد، ولا يرجو ثواباً، ولا يخشى عقاباً من ربه على ما يعمل، يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الرزق، وسعة العيش، ثم يصليه حين مقدمه عليه في الآخرة جهنم مذموماً على قلة شكره، وسوء صنيعه فيما سلف، مبعداً من رحمته، مطروداً من إنعامه'.
◄ وكان التابعون –رضي الله عنهم- شديدي الخوف والحساسية من الدنيا، لدرجة أن أحدهم إذا رأى تتابع النعم على أحد من الناس؛ ظن أن ذلك استدراج من الله، ويخشى أن تكون نعمة معجلة، وليس له في الآخرة من نصيب.
مما جعل التابعي الجليل أبو حازم سلمة بن دينار، يقول:'إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره' .
وكان يقول:'نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، لأني رأيته أعطاها قوماً فهلكوا ' .
أدبرت عنكم : كلمات بالغات لأصحاب الحق والمؤمنين الذين يتحسرون على منصب أُعطي لغيرهم، وتجارة ينجح بها غيرهم من أهل الدنيا وهم يخسرون، ورزق يبذر به أهل الدنيا ميمنة وميسرة، وهم محرومون منه، وغيرها من زخارف الدنيا، فيشغلهم ذلك عن ذكر الله، والسعي للآخرة، وينقلهم ذلك التحسر يوماً بعد يوم إلى بيع الآخرة وشراء الدنيا، فلا يعطون لآخرتهم إلا ما فضل من أوقاتهم:
يصيح التابعي الجليل عون بن عبد الله بأمثال هؤلاء قائلاً:'إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم'.
ومن استمر في مثل هذه الغفلة عن الآخرة، وشراء الدنيا؛ فهو في خطر عظيم قد ينسيه الآخرة بالكلية، ثم ينزلق إلى المعاصي التي تجعله ربما ختمت حياته بها، لذلك عندما سئل زين العابدين علي بن الحسين: مَنْ أعظم الناس خطراً ؟ قال:'من لم ير الدنيا خطراً لنفسه' .
ولأن الصحابة الكرام، وطلاب الآخرة من بعدهم انتبهوا لخطورة الدنيا، فقد هربوا منها عندما أقبلت عليهم، يقول عابد الكوفة الفقيه إبراهيم التيمي مخاطباً أبناء جيله بعد أن عقد مقارنة بين من مضوا من الصحابة والتابعين، ومن اقتفى أثرهم:'كم بينكم وبين القوم ! أقبلت عليهم الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكم فاتبعتموها' .
ولا يعني الهروب من الدنيا، اعتزلها بالكلية، وتركها للفجار من أهل الأهواء يعبثون بها كيفما يشاءون، واختيار الفقر على الغنى، بل الهروب المقصود هو جعلها بالأيدي لا في القلوب، وألا تشغلنا عما خلقنا من أجله وهو العبادة، وألا تكون لها الأولوية على الآخرة، وألا نعطيها جل أوقاتنا، وألا تكون سبباً في تقصيرنا فيما أمرنا الله به، وألا تبعدنا عن التقرب إلى مرضاته، هذا هو الهروب المقصود.
تعجيل مقيد: ومع ذلك التعجيل من النعم المتقاذفة على أهل الدنيا وعبيدها، إلا أن الله تعالى جعلها مقيدة بقيدين:
الأول: قوله :} مَا نَشَاء { أي ما يشاء الله سبحانه تعجيله له منها لا ما يشاؤه ذلك المريد، ولهذا نرى كثيراً من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه.
والقيد الثاني: هو قوله:} لِمَن نُّرِيدُ { أي لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا... وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة، كقوله سبحانه:} وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا[20]{ [سورة الشورى].
وقوله:} مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ[15]{ [سورة هود ]' [فتح القدير – الشوكاني 3/216] .
خسارة الآخرة: وبالرغم من تعجيل النعم لمن اختار العاجلة، وفضلها على الآخرة، فإن الخسارة الكاملة تنتظره في الآخرة الدائمة، ليتحقق الشطر الآخر من هذه المعادلة:} ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُوراً [18]{ [سورة الإسراء]. وخسارة الآخرة لهؤلاء لا تعني أنها العقوبة الوحيدة، بل إن الله يعاقبها في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بتعسير الأمور عليهم، وسلبهم السعادة النفسية، وراحة البال.
من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ/ عبد الحميد البلالي