العرب و منظمة التجارة العالمية
مقدمة: تختلف استفادة الدول من منظمة التجارة العالمية تبعًا لدرجة تقدمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية والتكنولوجية، كلما ارتفعت هذه الدرجة وهذه الإمكانيات زادت المكاسب، والعكس بالعكس، وعلى هذا الأساس لم يقم النظام الجديد على اعتبارات إنسانية تهتم بمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبلدان الفقيرة، بل على المنافسة الحادة في جميع الميادين التي قد تفضي إلى تعقيد هذه المشاكل، ولم يقم على المساواة بل على استمرار هيمنة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي، ولأن العالمي العربي والإسلامي يتكون في معظمه من بلدان نامية، تصبح مكاسبه ضعيفة مقارنة بتلك التي يحققها العالم الصناعي، وقد انضمت إليها 11 دولة عربية، وسوف تحصل بلدان أخرى على العضوية في المستقبل القريب.
ولو نظرنا إلى الوضع الاقتصادي للدول العربية – على سبيل المثال – لنرى مستوى استعدادها للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بما تحمله من احتمالات قوية للمنافسة، وخضوع لهيمنة الغرب، فسوف نكتشف أن العالم العربي يعيش حقيقة في عالم آخر لا علاقة له بما يجري في العالم، وبينما يتحدث العرب عن التوحد عشرات السنين بلا جدوى، ينجح الأوروبيون – رغم اقتتالهم في حربين عالميتين متتابعتين – في التوحد، وإصدار عملة واحدة، وفيما بين عام 1980 وعام 1999 تضاعف حجم التجارة العالمية مرتين، في حين تراجع حجم التجارة الخارجية العربية، في بداية هذه الفترة كانت تجارة الأقطار العربية تشكل 85% من ناتجها المحلي الإجمالي, ثم وصلت في نهايتها إلى 43%، تراجعت إذن وبشكل كبير أهمية التجارة الخارجية في الاقتصاديات العربية، في حين حدث العكس تمامًا على الصعيد العالمي خاصة في الدول الصناعية الكبرى والآسيوية والأمريكية اللاتينية، وخلال تلك الفترة ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية بنسبة 52%, وانخفضت التجارة الخارجية بنسبة 24%، أي لم تقُدْ زيادة الإنتاج إلى تحسين التجارة الخارجية، في حين حدث العكس على الصعيد العالمي؛ حيث إن نسبة زيادة التجارة الخارجية العالمية تفوق نسبة زيادة الإنتاج العالمي، وقد يقول البعض: إن تراجع إيرادات النفط ساهم في هذه النتيجة، ولكن يتعين عدم المبالغة في ذلك، فحتى على افتراض حصول البلدان العربية حاليًا على إيرادات نفطية تعادل تلك التي كانت تحققها في بداية الثمانينيات فإن الملاحظات المذكورة تبقى صحيحة من الناحية المبدئية.
* الأضرار اللاحقة بالدول العربية نتيجة اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
تعاني الدول العربية من مشاكل رئيسة حادثة ومتوقع تفاقمها بسبب اتفاقات التجارة العالمية، وتتلخص هذه المشاكل في ثلاث أمور هي:
سياسات مكافحة الإغراق - الضغوط لزيادة أجور العمال - الجمارك والضرائب على الاستهلاك.
سياسة مكافحة الإغراق:
المقصود بالإغراق السماح بإدخال سلعة معينة منتجة في دولة ما إلى سوق دولة أخرى بسعر أقل من قيمتها العادية، هذا هو نص المادة السادسة من الاتفاق العام للغات الذي اقتبسته اتفاقات أوروغواي.
وتطبق سياسات مكافحة الإغراق في جميع أنحاء العالم، خاصة في الدول الصناعية الكبرى، ووفق التقرير السنوي الصادر في عام 2001 عن منظمة التجارة العالمية تم إحصاء 1121 إجراءً لمكافحة الإغراق في الدول الأعضاء، منها 336 في الولايات المتحدة و193 في بلدان الاتحاد الأوروبي و88 في كندا، في هذه البلدان الصناعية بلغ المعدل العام للرسوم الجمركية أقل من 4%. أما أسعار الرسوم الخاصة بمكافحة الإغراق فقد وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%، - وهذا يعني أن الدول الصناعية الكبرى هي التي تنفذ سياسات مكافحة الإغراق في الغالب – وقد أثبتت هذه السياسات فاعليتها في الحد من استيراد كثير من السلع، ولا يزال المنتجون في هذه الدول يمارسون ضغوطًا على حكوماتهم بغية الإبقاء عليها، ولو على حساب المستهلكين الذين أصابهم ضرر كبير لارتفاع أسعار السلع المستوردة، بسبب هذه الضغوط المستمرة، يزداد عدد الإجراءات سنويًا.
وموضوعيًا يجب محاربة الإغراق عندما يقضي على القاعدة الرئيسة للتجارة السليمة وهي المنافسة، لكن المشكلة تتعلق بكيفية حساب هوامش الإغراق والجهة التي تحدد درجة الضرر وحدة التدابير المتبعة لمعالجته، هذه التقديرات متروكة لكل دولة بصورة انفرادية الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ إجراءات تعسفية من قبل الدول الصناعية في مواجهة الدول النامية والفقيرة، فعلى سبيل المثال يستوجب التنظيم التجاري العالمي أن تزول إجراءات مكافحة الإغراق فورًا عندما تكون قيمة استيراد السلعة محل الإغراق ضعيفة، وتم الاتفاق على أن تكون هذه القيمة أقل من 3% من مبلغ واردات السلع المماثلة، ولكن الدولة المستوردة هي التي تتولى حساب هذه النسبة وتستطيع بالتالي محاربة أية سلعة حال إثبات أن قيمتها تفوق تلك النسبة.
والواقع يقول: إن إجراءات مكافحة الإغراق تؤدي وتهدف في حقيقتها إلى منع أسواق الدول الصناعية على المنتجين من البلدان النامية الذين أثبتوا جدارتهم، خاصة في ميدان المنسوجات والملابس، لذلك أصبحت مكافحة الإغراق أخطر سلاح ضد تحرير التجارة العالمية بالمعنى الحقيقي.
وبالنسبة للدول العربية فهي تصدر سلعًا مصنعة كالملابس قابلة للخضوع في الدول الصناعية لسياسات مكافحة الإغراق، وعندئذ تصبح هذه السياسات مضرة بالاقتصاديات العربية، وبالمقابل تستورد هذه البلدان سلعًا مصنعة من جميع أنحاء العالم خاصة الدول الصناعية، وهذه السلع المستوردة تنقسم إلى قسمين، يشمل القسم الأول الآلات والأدوات الإنتاجية التي غالبًا ما تكون غير مصنعة في البلد العربي المستورد، ويستحوذ هذا القسم على 29% من الواردات الكلية للأقطار العربية، في هذه الحالة ينجم الإغراق [إن وجد] عن تنافس المصدرين لكسب أسواق البلدان العربية، عندئذ لا يوجد أي مبرر لمحاربته بل بالعكس تمامًا؛ إذ كلما هبطت أسعار الواردات تحسن مركز الميزان التجاري، وباقي الواردات في القسم الثاني – أغلبها – وهي الواردات الصناعية والزراعية المنتجة محليًا، في هذه الحالة تصبح سياسات الإغراق ضرورية إذا كان الضرر كبيرًا، وهو الغالب.
لكن المشكلة أن الدول العربية لا تعتمد على سياسات مكافحة الإغراق إلا نادرًا! في حين أنها تعاني من هذه السياسات المتبعة في الدول الصناعية الكبرى، لذلك تصبح سلبياتها بالنسبة لها أكبر بكثير من إيجابياتها.
الضغوط لزيادة أجور العمال:
من المعلوم أن التكلفة الكلية لساعة العمل في البلدان الصناعية أعلى من كلفتها في البلدان النامية، ففي عام 1995 بلغ معدل كلفة ساعة العمل في قطاع الصناعات التحويلية الأمريكية 17.2 دولارًا، وترتفع أو تنخفض في البلدان الصناعية الكبرى الأخرى بنسبة 20% تقريبًا مقارنة بالولايات المتحدة، في حين بلغت كلفة ساعة العمل أقل من دولار واحد في الدول النامية بما فيها غالبية البلدان العربية [تقرير الاقتصاد العالمي لعام 1998 الصادر عن مركز الدراسات والمعلومات الدولية بباريس].
ولأن تكلفة العمل تعتبر من عناصر السعر يصبح مستوى أسعار السلع المماثلة مرتفعًا في الدول الصناعية ومنخفضًا في البلدان النامية، عندئذ تظهر مشاكل القدرة التنافسية في التجارة العالمية، خاصة في القطاعات التي لا تتطلب مهارة فنية عالية كصناعة الملابس، ولا تستطيع حكومات الدول الصناعية تقليص أجور عمالها لارتباط مثل هذه القرارات بسوق العمل وبالعلاقات بين النقابات، كما لا تستطيع المطالبة برفع أجور العمال في البلدان النامية؛ لأن ذلك يعتمد على خصوصيات كل بلد، وحينئذ لا يبقى أمامها إلا استغلال مبادئ ومفاهيم عامة تتعلق بحقوق الإنسان والعمال والحرية النقابية وتحريم تشغيل الأطفال، إنها طريقة غير مباشرة تسمح بزيادة أجور العمال فتتقلص الهوة مع كلفة الأجور في الدول الصناعية وبالتالي تهبط القدرة التنافسية لسلع البلدان النامية، ويؤيد هذا التوجه النفعي البحت للدول الكبرى أنه في مؤتمر قمة الدول السبع الكبرى المنعقد في نهاية يونيو 1996 بمدينة ليون الفرنسية، سيطرت فكرة مؤداها أن التقدم التجاري لبعض بلدان جنوب شرق آسيا كان على حساب تزايد البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي في الدول الصناعية، ولأن الآلية لتحقيق الأغراض والأهداف التجارية موجودة وجاهزة، فقد طلبت المجموعة الأوربية من منظمة التجارة العالمية تبني الإجراءات الكفيلة باحترام الحقوق الاجتماعية للعمل – الستار-، لأنها جزء من حقوق الإنسان التي تسري على جميع الدول بغض النظر عن درجة تنميتها الاقتصادية [توصية المجلس الأوروبي رقم 1308 بتاريخ 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1996]، وتعتقد المجموعة الأوربية أن تجاهل هذه الحقوق يقود إلى إفساد مبدأ التبادل الحر وإبطال مشروعيته، وترى تناقضًا بين موافقة منظمة التجارة العالمية على حقوق الملكية الفكرية ومعارضتها لحقوق العمال.
ويقول الخبراء أنه في حالة استجابة البلدان النامية لمطالب الدول الصناعية المتعلقة بالحقوق الاجتماعية, وعلى افتراض أن هذه الحقوق سوف تؤدي إلى ارتفاع الأجور سوف تفقد الدول العربية الميزة الأساسية لتجارتها الخارجية، عندئذ تتدهور صادراتها وتهرب رؤوس الأموال الأجنبية المستثمرة في الصناعات التحويلية، أما إن لم تؤدِّ المطالبة بهذه الحقوق إلى زيادة الأجور فسوف تجد الدول الصناعية مختلف الذرائع لمقاضاة البلدان النامية أمام جهاز فض المنازعات التجارية.
الجمارك والضرائب على الاستهلاك:
تهدف جولات منظمة التجارة العالمية إلى إلغاء القيود الكمية تدريجيًا بتحويلها إلى رسوم جمركية في المرحلة الأولى، ويتعين في المرحلة الثانية تقليص أسعار هذه الرسوم بنسب تختلف حسب السلع ودرجة التقدم الاقتصادي للدولة، بهذه الطريقة يتم تحرير التجارة العالمية، بيد أن هذه الطريقة التي تنسجم مع المعطيات المالية والتجارية للدول الصناعية مضرة باقتصاديات البلدان النامية بما فيها العربية، كما أنها غير كافية لتحرير تجارة هذه البلدان نظرًا لوجود ضرائب أخرى تعرقل صادراتها, كما أن الآثار المالية والاقتصادية الناجمة عن هبوط الرسوم الجمركية تختلف وفق درجة اعتماد الميزانية العامة عليها، في الدول الصناعية الكبرى لا تتجاوز حصيلة الرسوم الجمركية 1% من إيراداتها العامة، في حين أنها تساهم بأكثر من 15% من الإيرادات العامة لغالبية البلدان النامية، في عام 1999 بلغت حصيلة الرسوم الجمركية في الدول العربية 7.6% من الإيرادات الكلية للميزانية و15.5% من الإيرادات العامة غير الضريبية، وعلى هذا الأساس لا يقود تحرير التجارة الخارجية إلى إحداث ضرر كبير بالمالية العامة للدول الكبرى، بينما مع الدول النامية – الإسلامية والعربية - يصبح من اللازم مواجهة هبوط الإيرادات العامة بالضغط على النفقات ذات الطابع الاجتماعي، عندئذ يرتفع معدل البطالة ويهبط مستوى معيشة الفئات ذات الدخل المنخفض، وهذا ما حدث للدول العربية التي طبقت برامج الإصلاح الاقتصادي المدعومة من قبل صندوق النقد الدولي التي تحث عليها منظمة التجارة العالمية.
من هذا الجانب تصبح سلبيات النظام التجاري العالمي أكبر من إيجابياته، ولا بد من التذكير بالبيان الختامي للمؤتمر الوزاري الأول لمنظمة التجارة العالمية المنعقد بسنغافورة عام 1996، فقد عبر ممثلو البلدان الأقل نموًا عن تذمرهم وخيبة أملهم من النتائج التي حصلت عليها بلدانهم التي قلصت الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات استجابة لمتطلبات النظام التجاري العالمي، فهبطت بشدة إيرادات الميزانية العامة، في حين لم يتحسن مركز الميزان التجاري بسبب عدم ارتفاع الصادرات، أي قدمت هذه البلدان تنازلات دون أن تحصل على مكاسب أو على الأقل كانت تنازلاتها أكبر بكثير من مكاسبها.
وفي المقابل، فالضرائب على الاستهلاك كالضريبة على القيمة المضافة فإن أهميتها المالية في ميزانيات الدول الصناعية كبيرة جدًا، ويؤدي تقليصها إلى اختلال مالي لا يعالج إلا بزيادة الضرائب المباشرة كالضريبة على دخول الأفراد والضريبة على الشركات، ويصعب تبني هذا الأسلوب لأسباب سياسية.
والضرائب على الاستهلاك تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع وتؤثر تأثيرًا بالغًا على التجارة العالمية، ففي فرنسا على سبيل المثال يخضع الوقود لضغط ضريبي قدره 83% من سعر الاستهلاك، يتأتى هذه الضغط من الضريبة الداخلية على المنتجات النفطية ومن الضريبة على القيمة المضافة. نتيجة لهذا العبء المرتفع أصبحت المنتجات النفطية مهمة جدًا لميزانية الدولة, ولا توجد سلعة أخرى تضاهيها من حيث مكانتها الضريبية والمالية، في عام 1998 بلغت إيرادات الضرائب المفروضة على هذه المنتجات 195 مليار فرنك وباتت تعادل نفقات خمس وزارات: الداخلية والخارجية والزراعة والصناعة والثقافة، ويعادل هذا المبلغ تقريبًا مجموع الإيرادات العامة في الإمارات وقطر والأردن وسوريا والمغرب وتونس، ولا توجد نية لتخفيف العبء الذي يتحمله المستهلكون سواء ارتفعت أسعار النفط الخام أم انخفضت، ولا يقتصر ارتفاع الضغط الضريبي على فرنسا بل يشمل جميع بلدان الاتحاد الأوروبي.
وتكمن المشكلة في أن هذه السياسة تؤثر سلبيًا على الصادرات النفطية؛ لأن ارتفاع أسعار الاستهلاك نتيجة للعبء الضريبي [خاصة في ظروف اقتصادية صعبة سمتها هبوط المقدرة الشرائية ووجود عدد كبير من العاطلين عن العمل] يقود إلى تباطؤ الطلب على المنتجات النفطية فتنخفض مبيعات الدول المصدرة. تتعارض هذه النتيجة مع الاتجاه الحديث للتجارة العالمية الذي يسعى إلى تحرير السلع من جميع القيود. بيد أن النظام التجاري العالمي الجديد يهتم بالدرجة الأولى بالرسوم الجمركية حتى اعتقد البعض أن التحرير التجاري يعني إزالة هذه الرسوم، في أوروبا لا تخضع مواد كثيرة من بينها النفط للرسوم الجمركية إلا بمعدلات ضئيلة لا تستحق الذكر. من هذا الباب تظهر هذه المواد للوهلة الأولى وكأنها متحررة من القيود، لكنها في الواقع على العكس تمامًا، الضرائب النوعية والضريبة على القيمة المضافة المفروضة على المنتجات النفطية أشد خطورة من الرسوم الجمركية، يساهم هذا الوضع مساهمة فاعلة في تدني الاستهلاك فتتأثر صادرات الدول النفطية لأسباب لا علاقة لها بالسوق، ومع ذلك لا يهتم النظام التجاري الجديد بهذا النوع من تدخل الدولة، لماذا؟ لأن أغلب الدول الصناعية مستوردة للبترول، ومعظم الدول المصدرة للبترول من الدول النامية.