'المفكرة' تحاور د. محمد البرازي رئيس الرابطة الإسلامية بالدانمرك
أجرى الحوار: على مهدي
مفكرة الإسلام : لم يندمل بعد الجرح الغائر الذي أصاب الجسد الإسلامي بسبب الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي نشرتها إحدى الصحف الدانمركية، والتي أدت إلى موجه عارمة من الغضب والاحتجاجات عمت أرجاء العالم الإسلامي. وزاد من مشاعر الغضب إصرار رئيس الحكومة الدانمركية على عدم الاعتذار عما نشرته الصحيفة بزعم أن النشر يدخل في إطار حرية التعبير, في الوقت الذي يتم فيه محاكمة رموز ثقافته مهمة داخل أوربا لانتقادهم الهلوكوست وتعرض بعضهم للسجن.
أزمة الصور المسيئة وتداعياتها التي تضمنت المظاهرات الضخمة والمقاطعة الاقتصادية للمنتجات الدانمركية تدفع للتساؤل: هل ما حدث يمثل أولى إرهاصات صراع الحضارات الذي بشرنا به المستشار السياسي للبنتاجون صموئيل هنتنجتون؟ وهل رد الفعل الإسلامي كان صحيحا أم خطأ ؟ وكيف يمكن إدارة أزمة الصور بشكل فعال؟.
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الدكتور محمد فؤاد البرازي، رئيس الرابطة الإسلامية في الدانمرك، وعضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.. وفيما يلي تفاصيل المقابلة:
** مفكرة الاسلام: في رأيكم ما هو السبب الذي دفع الجريدة الدانمركية للإقدام على نشر الصور المسيئة ؟
* الدكتور البرازى: صورة الإسلام لدى المجتمعات الأوربية يشوبها الكثير من التشويه والضبابية، وتحمل الكثير من الافتراءات حيث يوصف الإسلام زورا بالتطرف والإرهاب. وقد تكون هذه الصورة النمطية المشوهة هي التي دفعت الجريدة لنشر تلك الصور، كما أن الجريدة من الجرائد العلمانية والمناهضة لكل الأديان وليس الإسلام فقط.
** مفكرة الاسلام: ما هو تقييمكم للاحتجاجات التي عمت العالم الإسلامي؟ وهل كانت رداً مناسبا وفعالا ؟
* الدكتور البرازى: نحن نؤيد الاحتجاج والاستنكار لأنه حق لكل من تهان معتقداته ومقدساته، ولكن حرق السفارات وبعض الكنائس لم يكن برد الفعل المناسب، وهو عمل خاطئ، وأساء من غير أن ندرى إلى صورة المسلمين، ورسخ تهمة التطرف بهم لدى المواطن الأوربي، وكانت الرابطة الإسلامية بالدانمرك هي أول من أرسل رسائل للمسئولين الدانمركيين وقامت بتنظيم احتجاجات ومظاهرات سلمية بموافقة المسئولين ولم يحدث بها أي مخالفة أو عنف على الإطلاق.
حرية التعبير المزعومة
** مفكرة الاسلام: بماذا تفسر عدم اعتذار رئيس الوزراء الدانمركي حتى الآن عن نشر الصور المسيئة؟
* الدكتور البرازى: رئيس الوزراء يعتبر ما تم نشره يدخل في باب حرية التعبير، وهو يقول إنه لم يقم بالنشر أو يأمر به. هذه حجته ويقول إن الدانمرك بلد ديمقراطي ومن حق الصحافة أن تمارس حريتها كما تشاء. وهذه الحجة تسقط حين نقول لهم إن هناك مفكرين كباراً ومؤرخين أوربيين تعرضوا للمحاكمة وبعضهم دخل السجن بسبب انتقادهم للهلوكوست اليهودي، فلماذا تحاسبون من ينتقد الهلوكوست ولا تحاسبون من يهين مقدسات ورموز الآخرين؟.
** مفكرة الاسلام: أعلنتم بصفتكم رئيسا للرابطة الإسلامية عن مبادرة لحل أزمة الرسوم فما هي تفاصيل تلك المبادرة؟
* الدكتور البرازى: المبادرة التي أعلناها تقوم على حل مشكلة الإساءة للأديان والمقدسات لكل الناس حلا جذريا ويكون إما بإصدار قانون من جانب الحكومة الدنمركية بتحريم ومنع تلك الإساءة على غرار تجريم انتقاد الهلوكوست، أو أن تقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قانون دولي يمنع التطاول والإساءة للأديان والمقدسات لجميع الشعوب، وتطالب بوقف الاستفزاز المتبادل بين المسلمين والأوربيين، خاصة وأن الأزمة بدأت من جانب الدانمركيين بنشرهم للرسوم، وهذا استفزاز من جانبهم ونخشى أن يقوم بعض المسلمين بردود أفعال غير مسئولة رداً على هذا الاستفزاز.
وعلى الدول الإسلامية أن تقوم من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي بتقديم طلب إلى الأمم المتحدة بإصدار قرار يلزم جميع الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية بعدم الإساءة للأديان كلها اليهودية والمسيحية والإسلام. وحينما يصدر هذا القرار سيكون نصراً للمسلمين والإنسانية كلها، كما نجح اليهود من قبل في استصدار قرار يوقف انتقاد الهولوكست.
** مفكرة الاسلام: إذا لم تستجب الأمم المتحدة لإصدار هذا القرار فما هو العمل؟
* الدكتور البرازي: العمل هو استمرار الحوار مع الأطراف الأوربية المختلفة خاصة الدانمركية حتى نحصل على حقوقنا، ولا شك أن هناك بعض الأطراف خاصة الخاضعة للنفوذ الصهيوني داخل أوربا وأمريكا، تصعد الأزمة لإيصال المسلمين إلى درجة الصدام الحضاري وليس الحوار الحضاري، الذي نحن بحاجة إليه أكثر من حاجتنا للصدام الذي يهدد السلم والأمن الدوليين ويهلك الأخضر واليابس. فالإسلام يأمرنا بالحوار والتدافع والتعاون بين الشعوب والأمم لخير الإنسانية وهو ضد الصدام والتنابز والخلاف المدمر، وينبغي ألا تزل أقدامنا إلى هذا الصدام الذي يتنادون إليه ويروجون له خاصة وأن موازين القوى ليست في صالحنا.
** مفكرة الاسلام: الغرب وضع أجندته في الصراع الحضاري موضع التنفيذ باحتلال أمريكا بالتعاون مع دول أوربية لكل من العراق وأفغانستان والإعلان عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، فما هو رد الفعل المطلوب؟
* الدكتور البرازي: هم فرضوا علينا الصدام ولكن علينا ألا نصل بالأمور إلى أن يحتلوا المزيد من الدول العربية والإسلامية، فهم ينفردون بكل بلد إسلامي ويحاولون الاستيلاء على بلادنا بلداً وراء آخر، وينبغي ألا نعطيهم الذرائع وأن نتعاون على أيجاد وسيلة إعلامية تخاطب الغرب بلغتهم وبالطريقة التي يفهمونها لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين وفضح مخططات القوى اليمينية في أوربا والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة أمام شعوبهم، خاصة وأن هناك قوى شعبية أوربية مناهضة لتلك المخططات ونشاهد مظاهراتهم الضخمة في العواصم الأوربية والأمريكية تندد بالحرب ضد العراق وتطالب بالانسحاب السريع للقوات المحتلة والعودة إلى بلادها.
الحفاظ على هوية المسلمين
** مفكرة الاسلام: ما هو الدور الذي تقوم به الرابطة الإسلامية التي ترأسونها؟
* الدكتور البرازي: الرابطة تقوم بدور اجتماعي ودعوي لخدمة المسلمين وغير المسلمين داخل الدانمرك، فنقوم بتعليم الناس أمور دينهم وإجراء عقود الزواج بعد الانتهاء من إجراءاتها الرسمية لدى الجهات الحكومية لتكون عقوداً شرعية. ونقوم بإصدار وثائق الطلاق بعد صدور أحكام الطلاق من محاكم الدولة لأن القوانين الدانمركية تمنع المراكز الإسلامية من أن تقوم هي بإصدار تلك الوثائق وأن تقوم بالتطليق بشكل مباشر، لذلك فنحن نقوم بالإجراءات الشرعية بعد الانتهاء من الإجراءات القانونية.
وتعقد الرابطة الندوات والمؤتمرات على حسب ما يتيسر من الموضوع المناسب المطلوب النقاش حوله، ونوفر الإمكانيات المادية اللازمة. وتهدف الرابطة إلى حماية الجالية المسلمة من الذوبان في المجتمع الدانمركي وثقافته المختلفة تماماً عن الثقافة والتعاليم الإسلامية، وبدون التوعية بأحكام وتعاليم الإسلام للمسلمين وأبناءهم في الدانمرك يمكن أن يتعرض هؤلاء للضياع. كما أن من أهدافنا إجراء حوارات ولقاءات فكرية مفتوحة مع الدانمركيين للتعريف بالإسلام وطرح رؤيتنا تجاه القضايا العامة ليكون هناك تواصل فكري نثبت من خلاله سماحة الإسلام وبعده عن التطرف والإرهاب المزعوم. وبفضل الله تعالى ثم التعاون مع غيرنا من المراكز الإسلامية اعتنق ثمانية آلاف دانمركي الإسلام.
وحاولنا الحصول على اعتراف رسمي من جانب الدولة بالإسلام أسوة بالأديان الأخرى اليهودية والمسيحية، وأرسلنا خطاباً بذلك لرئيس الوزراء في سبتمبر عام 2005 ولكن لم يرد على هذا الطلب حتى الآن، وهناك تعاون بيننا وبين مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وقام المجمع بعقد دورته الثانية في مقر الرابطة بالدانمرك لتنسيق الجهود الدعوية وللتوصل لفتاوى حول القضايا التي يعيشها المسلمون في الدانمرك.
** مفكرة الإسلام: ما هي احتياجاتكم وماذا تطلبون من دول العالم الإسلامي لمساعدتكم على أداء رسالتكم؟
* الدكتور البرازي: نحن في حاجة ماسة للدعاة المؤهلين والذين يجيدون اللغة الدانمركية، وإلى الكتب الإسلامية المترجمة، ولا نريد أموالاً، ولكننا نريد دعماً دعوياً من كتب ووسائط وشرائط وبرامج إعلامية إسلامية باللغات الأوروبية تعيننا على التعريف بالإسلام وتصحيح صورته. كما نحتاج للدعم لإنشاء المدارس الإسلامية، والدعم المطلوب ينحصر في المدرسين المؤهلين والمناهج الدراسية الإسلامية، وقوافل دعوية يكون لديها علم وفقه بالواقع الأوربي.
** مفكرة الاسلام: هناك تنامي لليمين المتطرف المناهض للأجانب، فما ردود أفعالكم لحماية المسلمين من مخاطر هذا اليمين الذي من المحتمل أن يقود أوربا في الفترة القادمة؟
* الدكتور البرازي: نحن كجالية إسلامية نعمل في حدود إمكانياتنا ونستعين بالله عز وجل لا ندعي أننا نملك طاقات وإمكانيات كبيرة ولكننا نسعى لحماية أنفسنا وجاليتنا في حدود تلك الإمكانيات المتواضعة، وهذا يعتبر تصدي لليمين المتطرف الذي يريد أن يلتهم الوجود الإسلامي. وليس صحيحاً ما يروجه أنصار اليمين المتطرف في أوربا بأن أزمة البطالة التي يعاني منها الشباب الأوربي سببها المسلمون، لأن المسلمين يعملون في الوظائف والأعمال التي لا يقبل عليها الشباب الأوربي، كما أن البطالة كانت موجودة قبل وجود الجالية الإسلامية، والدليل الآخر أن بعض البلدان الأوربية ليس بها وجود للمسلمين ورغم ذلك تعاني من البطالة.
والأزمة الاقتصادية في أوربا هي في الأساس بسبب النظام الرأسمالي الذي يقود النشاط الاقتصادي، وهو نظام يتعرض بفعل آلياته الذاتية إلى موجة من الركود والضعف الحاد كل فترة زمنية معينة، وبالتالي فليس لليمين المتطرف الحق في اتهام الأجانب، بل عليهم أن يصلحوا نظامهم وما يعانيه من خلل في توزيع الثروة بين المواطنين.
** مفكرة الاسلام: الغرب يزعم أن الإسلام يظلم المرأة ويهضم حقوقها فبماذا تردون عليهم لتصحيح هذا الافتراء؟
* الدكتور البرازي: المتأمل في حال المرأة في أوربا، حيث يزعمون أنها حصلت على حقوقها كاملة، يجد أنها أصبحت سلعة وأداة لترويج للمنتجات وأداة للترفيه في السينما ودور اللهو، والذي يريد أن يعرف المكانة السامية للمرأة في ظل الإسلام عليه أن يراجع موقف الشرائع الأخرى من المرأة، التي كانت تباع وتشترى، ولم يكن لها حق التملك، وبلغ الحال عند الرومان أن سلطة رب الأسرة على زوجته وزوجات أبنائه لا تقف عند حد البيع بل تمتد إلى التعذيب والقتل.
وكانت المرأة في شريعة حمورابي تحسب في عداد الماشية المملوكة، واليهود يعتبرون أن المرأة لعنة لأنها أغوت آدم عليه السلام.
ولما بزغ فجر الإسلام راح يعلن الإنسانية الكاملة للمرأة، ويعطيها الأهلية الحقوقية، والذمة المالية الكاملة، وساوى بينها وبين الرجل في التكاليف والأعباء الشرعية والتعبدية والثواب والعقاب، ونفى عنها اللعنة التي ألصقها بها رجال الديانات السابقة، ولم يجعلها سبباً في خروج آدم من الجنة، وأعطاها حق التعليم والعمل واختيار الزوج ونصيب في الميراث يتساوى أو يزيد عن نصيب الرجل في أكثر من ثلاثين حالة من حالات المواريث.