حوار الحضارات.. نظرة عبر التاريخ
مفكرة الاسلام: وبعد أن تعرفنا معًا في المرة السابقة على مصطلح حوار الأديان، وفرّقنا بينه وبين حوار الحضارات، وقبل ذلك تكلمنا عن شرعية الحوار ومقاصده.
نتكلم في هذا المقال عن حوار الحضارات من منظور آخر، ومن زاوية مختلفة, فنتناول الموضوع ليس من زاوية الثوابت والمرتكزات, ولكن من جانب النظرة العامة والتاريخية لمفهوم الحضارة, وكيف كان تفاعل الحضارات فيما بينها في الماضي.. ونبدأ كلامنا بسؤال منطقي بحت...
هل حوار الحضارات ممكن؟!
هل يمكن أن يجتمع ممثلو حضارة معينة، ويتحاوروا مع ذويهم من ممثلي الحضارات الأخرى، ويتحاوروا في النتاجات الثقافية، والفكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية... وغيرها من الإفرازات الحضارية؟!
هل يمكن أن يتجنب العالم ويلات الاكتواء بنيران الحروب والصراعات بين القوى العالمية من خلال الحوار الحضاري والتعايش السلمي بين الحضارات.
الظاهر أن هذا غير ممكن لعدة أسباب رئيسة:
* الأول: أن الحضارات لا تتحاور, بل يستفيد بعضها من بعض، فالعالم كان في حقبة من أحقابه عبارة عن حضارة مركزية مزدهرة تسود العالم، وتتعايش مع حضارات أخرى أقدم, أو مستسلمة لضعفها، أو تحاول النهوض بالاستفادة والاقتباس من الحضارة الأقوى.
فأوروبا – على سبيل المثال - كانت في العصور المظلمة يأتي طلابها إلى المدارس الإسلامية ببغداد والأندلس, فيتعلمون منها, ثم أصبحت الحضارة الغربية هي الرائدة، وتخلفت الحضارة الإسلامية.
لذا فهذا يعد صراعًا حضاريًا - أو بعبارة أخرى - تنافسًا حضاريًا، بين قوي، وضعيف يحاول النهوض.
* الثاني: فإذا كان الحال غير ذلك، وكانت هناك حضارتان قويتان؛ فكل منهما يسعى إلى الهيمنة والريادة، فالكل ينظر إلى نفسه أنه هو المستحق لقيادة العالم؛ بما وصل إليه من تقدم وقوة، لذا فغالبًا ما يحدث الصدام وتتبادل الحضارتان الحروب كما كان الحال بين الفرس والروم, أو بين إنجلترا وفرنسا, أو بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
* الثالث: إن الأحداث التاريخية تجري على نسق ما نقول، فالعالم في أحلك الظروف، وفي أشد أوقات الصراع؛ لم يسبق أن حدث فيه يومًا حوار بين الحضارات المتلاحمة، حتى يتعايش الجميع على سطح الكوكب، وكل منهم يعترف بالآخر، ولا يسعى للهيمنة.
نعم.. قد تحدث هدنة، أو اتفاقيات سلام؛ ولكن ليس حوارًا لتقبل الآخر، والتعايش معه بلا هيمنة طرف على الآخر, لكنه فرصة لالتقاط الأنفاس وتجميع القوى.
فالحوار بين الحلفاء ودول المحور لم يحدث إلا بعد أن تم غزو برلين وسقطت النازية في أيدي الحلفاء, ولم يتم الدخول في مفاوضات إلا بعد أن تم إسقاط شعار النازية وانتحار هتلر.
واليوم نرى الولايات المتحدة، كيف تسعى للهيمنة العالمية؛ بالعولمة تارة، وبالقوة العسكرية تارة، وبالسيطرة الاقتصادية تارة أخرى, فهل يمكن أن يكون الحوار بين الحضارة الأمريكية وبين الحضارات الأخرى كبديل عن التنافس الحضاري؟! بالطبع كلا.
* الرابع: مفهوم الراديكالية عند أصحاب الحضارات, فالحضارة لها جسم وروح، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية: كالمخترعات والمصانع والطائرات والأسلحة والأبنية وغيرها، وروحها تتمثل في مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعات[[1]].
ومن أهم ما يميز أصحاب الحضارة 'العصبية', والتي ذكرها ابن خلدون في مقدمته وقال: إنها العامل الرئيس لقيام الدولة, والتي تتلخص في القوة الجماعية التي تمنح القدرة على المواجهة, سواء كانت المواجهة مطالبة أو دفاعًا.
كما أن قيام الحضارة لا يكون - كما يقول أرنولد توينبي – أنه يكون قائمًا على التحدي للظروف المعيشية والبيئية والمناخية.
لذا فأصحاب الحضارة لهم تمسك شديد بالمبادئ التي أقاموا عليها حضارتهم, بل على اعتقاد جازم أن تلك المبادئ يجب أن تعمم على الصعيد العالمي.
فإذا ما تتبعنا الحضارات على الصعيد التاريخي سنجد أن التفاني في الدفاع عن الثوابت والرغبة الجامحة في تعميم النموذج الحضاري هي الشغل الشاغل لكل أصحاب حضارة.
فإنجلترا وفرنسا والبرتغال والإسبان من قبلهم لما قويت شوكتهم ونمت حضارتهم لم يرتضوا إلا أن تسيطر حضارة كل منهم على الموارد وقوى العالمية.
فرأينا إنجلترا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس من كثرة مستعمراتها على سطح الكوكب.
ورأينا فرنسا ومستعمراتها التي امتدت وتوغلت في إفريقيا ومازالت لها البقية حتى اليوم.
ورأينا الإسبان والبرتغال يعبرون المحيط الأطلسي ويستعمروا أمريكا الجنوبية وأجزاءً من أمريكا الوسطى حتى أصبحت اللغتان – الإسبانية والبرتغالية - هما اللغتين الرسميتين في القارة الجنوبية.
هكذا يفكر أصحاب كل حضارة, ولا مجال للانكماش والتعايش السلمي مع الآخر حال القوة.
[[1]] ذكره الدكتور سيد حسين نصر في بحث 'تأملات حول الإنسان ومستقبل الحضارة' ص [30].