المسئولية والحنان

مفكرة الاسلام: في خضم الحديث عن المسئولية وتربية الأولاد على الاستقلالية سيقف أمامنا هذا السؤال المحير؟
هل التربية على المسؤولية تعني القسوة؟
وهل هناك ثمة تعارض بين التربية على المسئولية والحنان على الطفل وإبداء مشاعر الحب والعطف له؟
الاجابة على هذا السؤال ستتضح بإذن الله تعالى من خلال مطالعتك عزيزي المربي لهذه السطور:
الاختلاف في فهم معنى الحنان أدى لاختلاف توجهات الآباء:
يختلف الآباء في تعاملهم مع مفهوم الحنان إلى قسمين:
فمنهم من يرى أن الحنان يعني الحب والعطف على الطفل بينما يرى فريق آخر أن الحنان يعني التدليل، والحقيقة أن هذا الاختلاف البين في التعامل مع معنى الحنان أدى لاختلاف توجهات الآباء في تربية أبنائهم، فمن نظر إلى الحنان على أنه الحب والعطف على الطفل وهذا لا يتعارض مع حسابه إذا أخطأ وتعويده المسئولية والاعتماد على النفس، فقد وضع الحنان في موضعه ولم يسرف فيه ولم يتخذه وسيلة لتبرير أخطاء الأطفال.
وفي الجانب الآخر من نظر إلى الحنان على أنه التدليل، اختار معاملة الطفل بالقسوة والعنف والاضطهاد وذلك بحجة أنه لايريد أن يربي طفلاً مدللاً. واعتبر عبارات الحب أو علاماته أو مواقفه ماهي إلا نوع من التدليل للطفل الذي يؤدي إلى إفساده.
إليك عزيزي المربي هذا المثال لتعرف مدى تأثير اختلاف النظرة للحنان عند الآباء على توجهاتهم وسلوكياتهم:
(هذا طفل عمره سته أشهر وهو جائع ولفافته مبتلة وتسمعه والدته يصرخ ولكنها ترى أن تنتهي من بعض الأعمال المنزلية قبل أن تعد له غذاءه أو تغير لفافته، وهي تشعر أن من الخير للطفل أن ينتظر قليلاً قبل أن يجاب إلى مايطلب وهي ترى في ذلك وسيلة لتعليمه تنظيم المواعيد وأن من الواجب تدريب الأطفال على ذلك وهم صغار، وإلا فهم يتدللون ويلجأون للبكاء كسلاح للحصول على احتياجاتهم!
وهي لا تذهب إلى طفلها إلا عندما يصل بكاؤه إلى درجة تثير أعصابها ولكن الطفل يكون عند ذاك قد وصل إلى حالة عاطفية سيئة من فرط البكاء ولا يكون لديه حينئذٍ ميل للطعام، فيتناول قدراً طفيفاً من اللبن ثم يكثر من السعال ويرغي ويزبد، وتصر والدته على مقابلة هذا العناد بصرامة فلا تناغيه ولا تداعبه في أثناء تغيير ملابسه ولا تقبله عندما تعيده إلى فراشه لينام، لاشك أن هذه الفترة لم تكن فترة سعيدة لكل من الطفل وأمه.
من الخير أن نحنو عليهم:
لنأخذ مقابل هذا حالة طفل آخر يكبر الأول ببضعة شهور، لقد صحبته أمه معها في رحلة طويلة لرؤية والده وهو جندي في أحد المعسكرات في الجنوب وكانت أمه تطعمه في مطعم المحطة عند انتظار القطارات ولم يكن الطعام مستساغاً وكانت علامات الضيق تبدو على الطفل من جراء ذلك الحبس الطويل داخل القطار، فتوالى بكاؤه تارة، وعبثه بالطعام تارة أخرى.
وبالرغم من معرفتها أن سبب هذا الضيق هو تلك المثيرات التي لابست السفر وذلك الجو الغريب الذي أحاط به في أثنائه، إلا أنها أصرت على محاولة اطعامه لأنها لم تكن تدري أنها تستطيع أن تجد في القطار طعاماً أنسب من هذا، وأخيراً جذب الطفل طبقاً من الأطباق فانقلب، عندئذ سارعت الأم إلى تنظيف ما اتسخ من ملابسه ويديه ووجهه بقدر الامكان ورفعته من مقعده ثم قبلته وقالت له بكل حرارة: لا بأس يا عزيزي بما فعلت ومع ذلك فإنني أحبك كثيراً.
ومن السهل أن ندرك مدى تأثر كل من الطفلين بمثل هذه الأحداث المتصلة المستمرة، فالطفل الأول حين أُرغم على أن يعاني من البلل والجوع مع حرمانه من حب والدته ومن الدفء الذي يجده بين ذراعيها دون فهم لخطأ بدر منه، ينمو عنده غالباً شعور بمعاداة العالم له وإهمال رغباته.
أما الطفل الثاني الذي تحاول أمه أن تدرك مدى الصعوبات التي يصادفها أحيانًا طفل صغير لاحول له ولا قوة على تحقيق رغباته، هذا الطفل غالباً ما ينمو لديه الشعور بأن العالم مكان جميل للغاية وأنه في أمان بالرعاية التي يلقاها والحنان الذي يجده فهذا الطفل الذي يجد الحب والرعاية ويجد من يفهم مطالبه سيشب قادرًا على العناية بالآخرين وعلى تحمل المسئولية.
وقد تكون والدة الطفل محقة عندما قالت إن من الخير أن نحنو على الأطفال كثيراً فإن هذا خير لهم وللعالم ولنا إذ أنَّ تحمل المسئولية لا يمكن أن يرجى تحقيقه بغير مقابل من الحب نمنحهم اياه) [تربية الشعور بالمسؤولية عند الأطفال كونستا نيس فوستب ص(19-21)].
تحمل المسئولية لا يمكن أن يرجى تحقيقه بغير مقابل من الحب نمنحهم إياه:
هذه هي خلاصة النصيحة الأمينة من الأم الحنون، والتي فهمت معنى الحنان بالفهم الحقيقي والصحيح له ولم تنظر له على أنه نوع من التدليل أو التهاون مع الطفل.
انها الأم التي نظرت إلى الحنان على أنه مرادف للحب، نعم الحب، بلا خجل الحب هذا هو مايحتاجه طفلك عزيزي المربي ليبني شخصية قوية معتمدة على نفسها من الصغر وشخصًا مؤثرًا في مجتمعه عند الكبر.
عزيزي المربي:
إن (الحب هو الغذاء النفسي الذي تنمو وتنضج عليه الشخصية وإذا أعطى الطفل الحب الواعي المستنير سيمتلأ ثقة بنا واطمئناناً إلينا وبالتالي ثقة في نفسه واطمئناناً إلى العالم حوله وهو أهم عوامل خروجه عن أنانيته وتركيزه على نفسه ولا نقصد بذلك الحب الغشيم المطلق الذي يخاف عليه من الأذى فنحوطه بعناية مبالغ فيها ونحصي عليه خطواته ونكاد نمنعه من أي نشاط مستقل خشية لما يتعرض له من ضرر فهذا الحب سيجعله ينظر إلى العالم حوله كأنه مستودع أخطار لا يعرف كيف ومتى يواجهه أما الحب الناضج فإنه ينمي قدراته) [الصحة النفسية للطفل ص(195)، د. حاتم محمد آدم].
النبي صلى الله عليه وسلم معلم الرجال يعلم بالحب:
(إنها قاعدة عامة يضعها النبي صلى الله عليه وسلم في المعاملة مع الغير وخاصة مع من نعاشرهم وعلى الأخص الأطفال الصغار لحاجتهم للحنان والعطف ولعدم إدراكهم هذا المعنى إلا من خلال سلوك ظاهر وعملي، فيجب على الوالدين والكبار عمومًا عند معاملة الأطفال ومعاشرتهم استخدام أساليب عملية ومعبرة عن المودة والمحبة لهم، مثل حمل الصغار وتقبيلهم وملاعبتهم ومصاحبتهم خارج المنزل للتنزه والتفرج وزيارات المعارف والأقارب والاهتمام بأمورهم، والرد على كل أسئلتهم والنوم بجانبهم والسماح لهم بالجلوس مع ضيوف البيت، ومدح سلوكهم الصحيح أو المتميز وتقدير أعمالهم بالجوائز والحلوى، وعدم زجرهم ومنعهم من اللعب والحركة وأمثال ذلك من الأسباب التي توطد العلاقة مع الطفل وتقنعه بالحب والاهتمام وتشبع حاجاته.
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:(صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًات، وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردًا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار) [رواه مسلم].
فأي صورة من الحنان المعبر والأبوة والشفقة تلك التي يبديها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلقى بعض الأطفال في طريقه، فيمسح بحنان ومودة على كل خد للأطفال واحدًا واحدًا، لأنه الحنان الغامر الذي يشمل كل طفل وأين هذا السلوك من سلوك الذي يزجر كل طفل يلقاه معترضاً طريقه؟ أو على الأقل من لا يحدثهم ولا يلقي إليهم السلام؟) [العشرة الطيبة مع الأولاد أ.محمد حسين ص(283)].
عزيزي المربي إما أن تبني شخصية طفلك وإما أن تهدمها بيدك:
إن(الطفل ليس كائنًا سلبيًا إلا إذا أجبرناه على السلبية، والطفل يكون إيجابيًا وفعالًا كلما وجد المناخ المساعد على ذلك، ومن ثم تكون حرية الفعل وحرية الخطأ أمرًا مشروعًا أثناء نمو الأطفال.
والمقصود بالحرية ليس تركًا للحبل على الغارب، ولكن المقصود بها تهيئة الطفل للاعتماد على نفسه انبثاق ذاته وإتاحة الفرص أمامه للاختيار كل ذلك داخل إطار من الانضباط، لأن الطفل يحتاج بجانب الحرية إلى الضبط ولكن ليس المقصود بالضبط هنا التعسف في تكبيل حرية الطفل في الحركة وفي الفعل وفي قبول أو رفض الكثير من الأمور ومن ثم يكون الضبط هنا موجودًا وبهدوء إذا ما جنح الطفل نحو فعل خاطئ أو خطر.) [الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة د.محمد عبد الظاهر الطيب ص(86)].
وبهذا عرفت عزيزي المربي أنه لاتعارض بين تعويد الطفل على المسئولية وبين منحه الحب والحنان اللازم لصحته النفسية، بل إن الحب والحنان عامل مساعد ومؤثر بقوة في بناء ثقة الطفل في نفسه واعتماده على ذاته واستقلال شخصيته.
المراجع:
1. الصحة النفسية للطفل ص 195 د. حاتم محمد آدم.
2. تربية الشعور بالمسؤولية عند الأطفال كونستا نيس فوستب ص19/21
3. العشرة الطيبة مع الأولاد أ.محمد حسين ص283.
الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة د.محمد عبد الظاهر الطيب ص86