نحو تقويم صحيح
محمد السيد عبد الرازق
(لا انفكاك بين عملية التربية وعملية التقويم، وكلما كانت مهاراتك عالية في التقويم، كلما كنت أكثر دقة في تحديد شخصية المتربي وما الذي يحتاجه بالضبط) [سلسلة مهارات المربي (7)، وليد الرفاعي].
من هنا ننطلق مرة أخرى في ميدان التربية نتجول في أوديته؛ لنصل للصورة التي نبغي أن تكون عليها العملية التربوية، فتربية الشباب والناشئة من أبواب الخير العظيمة التي يقوم بمسئوليتها العاملون، ويحمل همها المخلصون، ولئن كنا قد تحدثنا من قبل عن دور المربي في القرب من المدعو والإحاطة بأموره وكذلك دوره في الاجتهاد في بنائه والارتقاء به، فمن خلال هذه الصفحات نضع سويًا بإذن الله لبنة جديدة هامة في بناء التربوية، هذه اللبنة تدل عليها هذه الكلمات التي بدأنا بها الحديث معًا، إنها عملية تقويم المتربي واكتساب المهارة اللازمة في ذلك؛ مما يجعل المربي أكثر دقة في تحديد شخصية المتربي ومن ثم تحديد ما الذي يحتاجه بالضبط.
وكي ننزل بهذا الكلام أكثر إلى أرض الواقع، فإننا نقول أنه لابد من تقويم المتربي من فترة لأخرى ومراقبة تطوره وتأثره وكذلك مدى تفاعله مع البرامج المعدة لتربيته، وذلك ينبغي حدوثه من فترة لأخرى، ليلحظ المربي عن قرب مدى تطور المتربي وتأثره وفقًا لما يُبذل معه، مع مراجعة مدى تحقق الجوانب الدالة على انتظام سير وسلامة بنائه.
وتكمن خطورة هذا التقويم الذي نتحدث عنه، في كونه الأرضية التي تبني عليها كل خططك المستقبلية مع المتربي، فإننا عندما نخطئ كمربين في تقدير احتياجات المتربي؛ فإن هذا يعني أننا لاشك سنضيع جهودًا وأوقاتًا كبيرة في أمور لايحتاجها المتربي، أو أنه ربما يكون تجاوزها منذ زمن بعيد.
اختبار سريع!
هل أنت محاضر أم مربي؟
هل تركز فقط على قوة الإلقاء، أم أنك تنشغل كذلك بالتفاعل مع المادة الملقاة؟
إذا توصلت أن أحد مستمعيك ممن تربيهم لم يتفاعل مع كلامك، يشغلك ذلك؟
ما ذكرت لك هذه الأسئلة أيها المربي الهمام، إلا رجاء أن تعرف الفرق بين المحاضر والمربي الذي يعنى بتربية الشباب، هذا الفرق يمكن أن نلخصه في كلمة واحدة ألا وهي "المتابعة"، فالحاضر في الأصل يهمه أن تكون محاضرته محاضرة قوية، وبعد أن يقوم بإلقائها ليس من شأنه أن يهتم بمعرفة أثرها على أفراد الناس، أو بمدى استجابة فلان وما يحتاجه بعد ذلك، وهذا بالطبع على خلاف المربي، الذي يعنيه بقوة متابعة الأفراد والتي منها التقويم، فهو يعتني بأفراد المستمعين، كيف تأثر فلان، وما الذي جعل فلان لم يستجب، وما الذي ينبغي فعله مع فلان؟ وهكذا.
الغفلة عن التقويم
ربما لا يشغل بعض المربين بالهم بالمتابعة والتقويم، وربما يخدع البعض الآخر في أن الأشخاص من حوله ملتفون، أما أن يقترب من أحوالهم ويتابع سيرهم، ويعلم عن القرب من الذي يتقدم ويكون ذلك ملاحظًا عليه ومن الذي يتأخر وإن لم يبد ذلك بوضوح، فربما لا يتعب نفسه في ذلك، وهو بهذه الأفعال بل بهذه الأخطاء الكبيرة ربما يؤذن بفشل شق كبير من علمه التربوي، إذ أن إغفاله للتقويم والمتابعة قد يؤدي لوضع الشخص غير المناسب في مكان ما، كان ينبغي ألا يوضع فيه، أو العمى عن مواهب بعض الأفراد وإمكاناتهم، ويكون سبب ذلك كله الغفلة عن التقويم وما يترتب عليها من عدم أخذ الإجراءات المناسبة، وكما قيل (فصاحبُ آفاتٍ وقليلُ علمٍ يتصدر... وصالحٌ منضبط ذو همة وحرص وعلم تَمُرُ عليه السنوات لا ينقله مربيه إلى درجة عملية أرفع)، ويكون ذلك من أسباب تلك الانتكاسات التي تدمي العين ويئن لها الفؤاد، فالبدار البدار إلى المتابعة في التربية والتقويم، ولتتوح أيها المربي في شأنك.
فقط لا غير
وسر اختيار هذا العنوان أني أردت منه أن يعلق بذهنك ويدور بخلدك كلما رمت تقويمًا لأحد المتربين، ومعنا أنه لا يستقيم مطلقًا أن تقوم المتربي من جانب واحد فقط لا غير، أو من خلال بروزه في جانب تميل أنت إليه كمربي، فمن الخطأ (أن يتم تقويم المربي للشخص الذي معه من خلال ارتباطه به وانتمائه إليه واحترامه له لا غير، أو من خلال بروزه فيما يميل إليه المربي، فحذار من الانسياق وراء الميول الشخصية في التقويم أو الانسياق وراء العاطفة مدحًا أو قدحًا؛ فنجعل الشخص في موضع أكبر منه أو نهوي به أو نجمده، بل يجب أن يتم تقويم الفرد من خلال ترقيه في الواقع العملي في: عبادته وسلوكه وعلمه وعمله، ومن خلال تصور مجتمع أهل السنة والجماعة تصورًا سليمًا والنظر إلى التخصصات المختلفة بعين الاعتبار، ومن خلال وجود الجوانب الدالة على انتظام السير وسلامة البناء) [دور المربي في الدعوة الفردية، هشام بن عبد القادر آل عقدة، ص(34)].
الركن العملي:
(طرح برنامج عام يناسب كل الطبقات على قدر الاستطاعة وإيجاد برامج أخرى رديفة للمتميزين.
عند إقامة المنافسات بين المتربين يراعى على قدر الاستطاعة وضع المستويات ومراعاة التفاوت بينهم) [طبقات المتربين وتقويم المتعلمين، فهد الخويطر].
مراعاة المربي لعدم مطالبة الطبقات الثلاث بالمستوى نفسه من الفهم والتطور الذاتي ونحو ذلك، فهناك طبقة المتميزين وهناك طبقة المتوسطين وكذلك يوجد طبقة الضعفاء.
فإذا قمت بذلك فعليك أن تقوم الشخص من خلال:
(الشمول والاتزان؛ ونعني بالشمول تقدم الفرد في العلم والسلوك معًا، ونعني بالاتزان عدم تضخيم جانب أو تضخم جانب على حساب الآخر.
التميز؛ أي أن تكون صياغته العقائدية والسلوكية والفكرية والشكلية بحيث يتشكل في صورة مستقلة بارزة تمثل الإسلام؛ إذا رآها الإنسان قال: هذا هو الإسلام، ويترتب على التميز المفاصلة، وهي اتخاذ المواقف العملية التي يقتضيها التميز؛ أي أننا نعني التميز النظري والعملي.
الاهتمام بمعرفة المعايير والقواعد الأساسية والأصول أكثر من الاهتمام بحفظ الجزئيات، فحفظ الجزئيات وحده لا يصلح؛ لأن الجزئيات غير متناهية نظرًا لاستمرار النوازل.
أن يكون هم الفرد الأخذ بالعزائم لا تتبع الرخص) [دور المربي في الدعوة الفردية، هشام بن عبد القادر آل عقدة، ص(34)].
مدى اقتناع المتربي أنه لا يمكن أن يعمل في جميع فترات العمل والتربية إلا في إطار من التعاون مع إخوانه الآخرين، أما العمل الفردي البحب فلا مكان له، فالعمل في إطار التعاون مع الآخرين أمرنا به الله تبارك وتعالى حينما قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2].
ومن الأمور المهمة كذلك في عملية التقويم، وخاصة حينما يريد المربي أن يتخذ قرارًا ما بشأن المتربي، أن يتطلع إلى آراء غيره ممن يحتكون بالفرد الذي يريد تقويمه.
من الخطير والهام في قضية التقويم التربوي، أن يراعي المربي الإنصاف والعدل وأن يبتعد كل البعد عن الهوى أو الإعجاب المجرد من واقع مستقر، وإلا محقت بركة هذه التربية، وضاع الكثير من ثوابها، والمفترض أن المربي ما وجه وجهه تلقاء التربية إلا لغاية عظيمة ومهمة نبيلة يرجو ثوابها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فأنى له أن يترك الهوى يسرح في تقويمه!
التعاون التعاون
ثم ها هنا نلفت إلى دور الأسرة ودور الوالدين خاصة في مشاركة المربين من غيرهم، في قضية المتابعة والتقويم، كي يكون الوقف على جوانب التميز والتقصير بدقة بالغة، موافقًا لما عليه المتربي حقًا سواء في الميادين التي يتربى فيها من مسجد ومدرسة وغيرها، ومع البيت الذي يقضي فيه المتربي الكثير من بيته.
وهنا يسارع المربي النبيه إلى إقامة جسر من العلاقة القوية بينه وبين والدي المتربي، يتعاونا من خلاله على الاجتهاد في بناء هذا المتربي والارتقاء به، وكذلك على حسن تقويمه ومتابعته، لكن فلينتبه المربون إلى مشاعر المتربي فلا يركنوا إلى إفراط مباشر أمام المتربين، يشعر منه المتربي أن المربي يتدخل في بيته بصورة تزيد عنده يومًا بعد يوم حساسية تجاه المربي.
بعد الكلام...
أظنك توافقني علىأن النفس لها عاطفتهاالشخصية فتحب وتكره وتود وتند إياك أن تجعل هذه الميولات حكمًا على آرائك وتقويمك للأفراد، وإذا كنت منأصحاب العاطفة الجياشة فاحرص علىأن تجعل تقييمك بعيدًا عنالاجتهادا الشخصي مضبوطًا بالحقائق والإنجازات.
• بعض المربين يتأثرون في عملية التقويم والمتابعة بميولاتهم الشخصية، فربما يهتمون أكثر بالأفراد الذين تتوافق قدراتهم، ومواهبهم مع مواهبهم، وهذا منزلق خطير قد تقع فيه دونما شعور، فاحذر.
• كم يخطئ أولئك المربون الذين يحصرون مفهوم التقويم في الجرح والنقد، إن تقويم المتربي يهتم بتطوير الصواب تمامًا كما يهتم بتصحيح الخطأ، فالتقويم ليس عملية جرح خالية من التعديل.
• نظرتك هي صاحبة القرار، فلابد أن يكون لك نظرة فاحصة واضحة ومستقلة في المتربي، إن استئناسك برأي الآخرين واستشارتهم، لا يعني مطلقًا أن تكون أسيرًا لتقويمهم.
• غاية في الأهمية... أن تعيد تقويمك للمتربي بين كل فترة وأخرى، فالناس قد يتغيرون وتثبيت التقويم يظلمهم أويظلمك أنت، لعلك تعي ذلك أكثر حينما تتذكر أنك لا تقوِّم تمثالًا جامدًا، وإنما إنسانًا حيويًا متغيرًا.
• أرجو ألا تكون من أولئك المتأثرين بقاعدة: (أبيض أو أسود)، الذين لا تبصر أعينهم الألوان، إنهم أصحاب تلك النظرة التقويمية التي لا ترى في المقوَّم إلا صوابًا خالصًا أو سوادًا خالصًا، إن النفوس تحتوي على خطوط متداخلة كثيرة، والمربي الحاذق هو الذي يستطيع أن يميز بين هذه الخطوط بشكل دقيق وواضح [سلسلة مهارات المربي، وليد الرفاعي، بتصرف وزيادة].
وتذكر (إن أعظم عمل للمربي هو أن يقوِّم السلوك وأن يشكِّل العقل، وأن يغرس في تلميذه العادات الطيبة، ومبادئ الفضيلة والحكمة وأن يكوِّن في نفسه فكرة عن النوع الإنساني، ويقوده إلى حب ما هو حميد وجدير بالثناء، وأن يعوِّده النشاط والحيوية والاجتهاد في أداء ما يعمل) جون لوك.
المصادر:
دور المربي في الدعوة الفردية هشام بن عبد القادر آل عقدة.
طبقات المتربين و تقويم المتعلمين فهد الخويطر.
سلسلة مهارات المربي وليد الرفاعي.