ذلك مكرهم وما تخفي صدورهم أكبر

تعاني المرأة المسلمة في أوروبا من ضغوط كثيرة، ما بين رغبتها الشديدة في الحفاظ على دينها وهيئتها الإسلامية، وما بين حملات عنصرية تشنها الحكومات الغربية والتي ترفع شعارات الحرية الزائفة من أجل أن تخلع المرأة المسلمة حجابها. والمرأة المسلمة ممنوعة بحكم القوانين الغربية من أبسط حقوقها في الالتزام بتعاليم الإسلام وممارسة شعائره.
وهكذا تظل حكومات هذه الدول مستمرة في انتزاع حرية المرأة في ارتداء حجابها، بل وحرية المسلمين في ممارسة شعائرهم. وعلى الرغم من إقامة أكثر من 11 مليون مسلم في البلدان الأوروبية الكبرى فإن مقاومة الاعتراف بالإسلام ترجع إلى العقليات الأوروبية وعلاقة الدولة بالكنيسة أكثر منها إلى العوائق القانونية أو المؤسسية,حجة عدم تكيف المسلمين مع عادات ومعتقدات الدول التي يعيشون فيها.
وتظل هذه الهجمة الشرسة في مواجهة مع المرأة ـ العضو الفاعل داخل البنيان الإسلامي في أوروبا ـ طالما تمادت الحكومات الأوروبية في مطاردتها للأسرة الإسلامية في أوروبا.
في موضوعنا اليوم نتطرق إلى قضية هامة من قضايا المسلمين في الغرب,بل أحد أهم الصعاب والتحديات التي يواجهها المسلمين في الدول الغربية المختلفة,تلك هي قضية لباس المرأة المسلمة كما شرعه الله.
نبدأ حديثنا بتقرير نشر في أحد الصحف البريطانية وكان عنوانه"حزب الاستقلال بالمملكة المتحدة يدرس دعوة لحظر ارتداء النقاب" ويعتبر هذا الحزب من الأحزاب اليمينية المتطرفة, وسيكون أول حزب وطني يقوم بالدعوة إلى فرض حظر شامل على ارتداء الحجاب الإسلامي؛ ويعتقد هذا الحزب كأمثاله من الأحزاب اليمينية أنه ينبغي منع ارتداء الحجاب في المدارس.
وقد ذكر في التقرير الذي نشرته تلك الصحيفة أن اللورد بيرسون زعيم حزب الاستقلال يريد بفتحه ملف حجاب المرأة المسلمة إثارة مسألة تأثير الشريعة الإسلامية في بريطانيا.
وفي سياق آخر دعا حزب "الاستقلال" اليميني المتشدد إلى حظر ارتداء المسلمات للبرقع في الأماكن الخاصة والعامة في بريطانيا، وهو ما أثار استياء الأقلية المسلمة وسياسيين ومسئولين بريطانيين رأوا في ذلك الحظر انتهاكا للحريات الدينية، لينتقل بذلك الجدل المستمر حول البرقع من فرنسا إلى بريطانيا.
ونقلت صحيفة التايمز البريطانية عن زعيم الحزب اللورد بيرسون قوله: "نحن نبحث عن مشورة الخبراء حول كيفية حظر البرقع.فمن المنطقي أن نمنع النقاب أو أي شيء يخفي وجه المرأة في المباني العامة، ولكننا نرغب أيضا بمنعه في المباني الخاصة".
وبرر دعوة الحزب حظر البرقع بقوله: "نحن لا نضطهد المسلمين، ولكن هذا الأمر (ارتداء البرقع) يتعارض مع القيم الديمقراطية في بريطانيا".
وهذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها حزب سياسي بريطاني إلى حظر شامل للبرقع، وكان الحزب القومي البريطاني اليميني قد طالب في وقت سابق بحظر ارتدائه في المدارس والأماكن العامة فقط.
ومتفقا مع موقف بيرسون المعادي للبرقع، قال الزعيم السابق لحزب الاستقلال نايجل فاريدج الذي تنحى مؤخرًا: "ما نقوله هو أن البرقع رمز لاضطهاد النساء. إنه رمز على الانقسام المتصاعد في بريطانيا"،بحسب زعمه.
وقال للصحيفة : "نحن نتخذ مشورة الخبراء بشأن كيف يمكن لنا أن نفعل ذلك. فمن المنطقي لحظر البرقع أو أي شيء مما يخفي وجه المرأة في المباني العامة. ولكن نحن نريد أن نجعل من الممكن حظره عليهم في المباني الخاصة. فإنه ليس من الصواب أنك لا تستطيع رؤية وجه شخص ما في أحد المطارات ".
وأضاف : "نحن لا نريد تقريع المسلمين،ولكن هذا يتنافى مع قيم الحرية والديمقراطية في بريطانيا ",على حد قوله.
كما قالت الصحيفة أن. الحزب سيصدر إعلانًا يصف البرقع باعتباره تهديدًا للمساواة بين الجنسين، ويدعون أنه تهميش للنساء ويهدد السلامة العامة وذلك لأن الإرهابيين"وطبعًا قصد بالإرهابيين المسلمين حسبما يردد هؤلاء القوم في الآونة الأخيرة بهتانًا وزورًا" يمكن أن يستخدموه لإخفاء هويتهم.
هذا ويمثل حزب الاستقلال 13 عضوا في البرلمان الأوروبي، واثنان في مجلس اللوردات ، ونحو 100 عضو بالمجالس البلدية، ومن أهم أهدافه السعي لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وما زلنا في بريطانيا حيث تشهد أفعالها خلاف ما تتشدق ألسنة أحزابها بتطبيق الديمقراطية ومناصرة الحريات أينما كانت,فكما قلنا وما تخفي صدورهم أكبر, حيث قضت محكمة مجلس اللوردات ـ أعلى المحاكم البريطانية ـ بأحقية إحدى المدارس في إجبار الطالبات على تغيير الزى الإسلامي (الحجاب) أو طردهن من المدارس.
كما أن جاك سترو وزير الخارجية البريطاني السابق دعا في مقال نشرته إحدى الصحف البريطانية عام 2006 م المسلمات المنقبات إلى نزع نقابهن، لأن ارتداء النقاب من وجهة نظره سيؤدي حتما إلى جعل العلاقات في المجتمع أكثر صعوبة.
وتثير هذه المطالب جدلًا كبيرًا،حيث يعدها عدد كبير من ممثلي الأقليات الإسلامية تدخلًا غير مشروع في الحريات الشخصية الفردية للمسلمين وتقييدًا لحريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية.
وما يصيبنا بالحزن والأسى أن هذا التصاعد في الممارسات المعادية للمسلمين في بريطانيا تزامن مع تزايدها أيضًا في دول الغرب بشكل عام خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر،فهناك حملات قويَّة منظمة منسَّقة شنتها مجموعة من الدول الأوروبية وبعض الدول الإسلامية ضد الحجاب حيث تتذرع السلطات في الدول الغربية ومن على شاكلتها بما يسمى "مكافحة الإرهاب" للتراجع عن الكثير من الحقوق التي يتمتع بها مسلموها، أو التضييق عليهم.
ومن بريطانيا ننتقل إلى فرنسا حامية حمى الديمقراطية والحرية بحسب زعمهم ففي التي شنَّت - ممثلة في رئيسها - حربًا ضاريةً على حجاب المرأة المسلمة عام 2004 م كانت نتيجتها أنْ أصدر الرئيس الفرنسي قوانين حظرت في خطوة مثيرة للجدل ارتداء الحجاب في مدارس فرنسا ومؤسساتها زاعمة أن ذلك يتعارض مع مبادئ فصل الدين عن الدولة.
ثم دخلت فرنسا مرحلة جديدة في معركتها ضد اللباس الإسلامي، ففي يوم الاثنين 22/6/2009 م أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في خطاب أمام البرلمان الفرنسي أن البرقع أو النقاب الذي يغطي المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها غير مرحب به في فرنسا، فهو من وجهة نظره يشكل علامة استعباد للمرأة. وأضاف قائلا:"لا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن أي حياة اجتماعية ومحرومات من الكرامة". وتابع "هذه ليست الرؤية التي تتبناها الجمهورية الفرنسية بالنسبة لكرامة المرأة".
وأعرب عن تأييده لقيام لجنة تحقيق خاصة لبحث السبل الكفيلة بمكافحة ازدياد ظاهرة ارتداء البرقع في فرنسا.وحول مصير الحجاب الكامل في فرنسا التي كان 60 نائبًا قد طالبوا بها،في خطوة وصفها بعض المراقبين بأنها إعادة الجدل حول العلمانية،وهي من القضايا الحساسة في السياسة الفرنسية. وصرح المتحدث الحكومي بأن إصدار قانون يمنع ارتداء البرقع هو أحد الخيارات الجدية المتاحة.
وزعم الرئيس الفرنسي ساركوزي أنه يجب على الفرنسيين ألا يخشوا ويخجلوا من الدفاع عن قيمهم. كما أكد ساركوزي:"أن العلمانية ليست رفضًا للديانات بل مبدأ يقوم على الحياد والاحترام".
وأضاف: "لا ينبغي أن نخطئ المعركة، وفي الجمهورية يجب احترام الدين الإسلامي بنفس قدر احترام باقي الأديان"!
ويعتبر تدخل ساركوزي هذا اعتداء على حق المرأة المسلمة في أن تلبس الزى الشرعي الإسلامي بحرية دون أن يفرض عليها قشور العلمانية العارية من اللباس على طريقة ساركوزي وأمثاله الذي يريدون جعل المرأة في العالم معرض أزياء.
هذا ويعارض الرأي العام في فرنسا النساء اللواتي يرتدين النقاب في المدارس والمستشفيات والمباني الحكومية ولكن التحركات المأخوذة في اتجاه فرض حظر شامل على لباس المرأة المسلمة الشرعي أصبحت غارقة في الحجج القانونية وسط مخاوف من أنه لن يكون عمليًا في الممارسة العملية.
وما زالت معركة فرنسا، وأوروبا من خلفها، مع الحجاب واللباس الإسلامي مستمرة. ويعتبر الهجوم المستمر على الحجاب وكل ما يمثل الإسلام عاملًا من عوامل تأجيج جذوة الكراهية ضد المسلمين والخوف منهم أو ما يسمى بظاهرة (الإسلامفوبيا).
كما يظل المسلمون في أوروبا عاجزين عن إيصال صوتهم بشكل متكافئ، وقد اضطر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) للتدخل مؤخرًا لدى القنصلية الفرنسية في شيكاغو لصالح شابة مسلمة كي تتمكن من ارتداء الحجاب عندما تُلتقط لها صورة جواز السفر، وهذا ما لم يحصل عليه المسلمون داخل فرنسا.
والواقع أن حملة الرئيس الفرنسي ساركوزي ضد النقاب سبقتها حملات في دول أوروبية أخرى، ففي عام 2004 م قررت بلدية بروكسل، عاصمة بلجيكا، توقيع غرامة مالية مقدارها 150 يورو على ارتداء النقاب،وفي العام نفسه حظرت بلدة ماسايك البلجيكية النقاب بتفعيل قانون قائم بأن يكون الناس مستعدين للتعريف بهويتهم في الأماكن العامة.
وفي سياق متصل قرر وزير العدل النرويجي، إلغاء مشروع يسمح بارتداء الحجاب في دوائر الشرطة.وقال وزير العدل في سياق تبرير قراره خلال مؤتمر صحفي: "قررنا إلغاء هذا الاقتراح إنه ملف صعب جدًا" على حد قوله، بالرغم من أن القرار الأول كان يسمح بارتداء الحجاب للمسلمات اللواتي يعملن في دوائر الشرطة، إلا أن الضغط العنصري من جماعات يمينية أدى إلى إلغاء ذلك القرار.
وسارت في هذا الاتجاه الحكومة السويدية حيث أعلنت وزيرة شؤون الاندماج السويدية تأييدها للقرار الذي اتخذته إحدى المدارس السويدية بمنع طالبة من ارتداء الحجاب.
وما كان النقاش حول الحجاب في فنلندا إلا خطوة على درب أولئك المتشدقين بالحرية ولكنه وللحق أقل حدة عنه في بلدان أوروبية أخرى، إلا أن الصعوبة الحقيقية بالنسبة لارتداء الحجاب في فنلندا تكمن في الحصول على وظيفة، فالعديد من الفتيات المسلمات تلقين عروضًا للعمل شريطة تركهن للحجاب.
وهكذا نجد قضية حجاب المرأة المسلمة من القضايا الساخنة في عالمنا المعاصر, وخاصةً غربه هناك عند من يدعون الحرية ويرفعون راية الديمقراطية والتعبير عن الرأي وغدت الحروب تشن على الحجاب الإسلامي بحجة أنه أصبح يهدد الأمن ويشكل خطرًا على جميع المؤسسات من مدارس وجامعات وغيرها, لا لشئ إلا لأنه رمز العفة والنقاء ويحفظ المرأة من الرذيلة المستشرية هناك وهذا ما لا ترتضيه الدول العلمانية التي تريد أن تسحق كل مقومات النهوض للأمة الإسلامية وتحارب كل ما يمت لديننا الحنيف بصلة, ندعو الله أن يرد كيدهم إلى نحرهم وإلى الملتقى لنتابع نفس القضية في حلقة قادمة إن شاء الله.