مفوضة حقوق الإنسان: حظر المآذن تمييز بغيض
مفكرة الإسلام: وصفت نافي بيلاي المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة الحظر الذي فرضته سويسرا على بناء المآذن بأنه يسبب الانقسامات ويتعارض مع التزامات سويسرا القانونية الدولية.
وقالت بيلاي في بيان: إن حظر أي هيكل معماري ينتمي للإسلام أو أية ديانة أخرى يعتبر "بوضوح عملاً يقوم على التمييز البغيض".
وتبنى الناخبون السويسريون الحظر في استفتاء جرى يوم الأحد الماضي متحدّين الحكومة والبرلمان اللذيْن رفضا هذه المبادرة اليمينية بوصفها تنتهك الدستور السويسري وحرية الأديان والتسامح التقليدي الذي تعتز به البلاد.
خطوة تدعو للأسف:
وقالت بيلاي إن الحظر "تمييزي ومسبب للانقسامات وخطوة تدعو للأسف من جانب سويسرا وتخاطر بوضع البلاد على مسار تصادمي مع التزاماتها الدولية بشأن حقوق الإنسان".
وقالت ميشلين كالمي راي وزيرة الخارجية السويسرية: إن الحظر جلب مخاطر جديدة للأمن السويسري.
وأضافت في اجتماع وزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا: "إننا نشعر بالقلق بشأن هذا التصويت. كل ضربة للتعايش المشترك بين الحضارات والديانات المختلفة يعرض أيضًا للخطر أمننا، لأن الاستفزاز يغامر بإثارة استفزازات أخرى".
وفي جنيف أقام نحو 2000 شخص مآذن خشبية أمام الكاتدرائية ـ حيث ألقى البروتستانتي جان كالفين عظة في القرن السادس عشر ـ وكتب على لافتة: "كلنا مسلمون".
الكيد المرتد:
من جانبها اختارت صحيفة لوتان السويسرية عنوان "التمييز.. الكيد المرتد" للتعليق على تداعيات تصويت السويسريين لصالح حظر المآذن ببلادهم, ونبهت إلى أن أشد الانتقادات لهذه الخطوة لم تكن من العالم الإسلامي وإنما من حلفاء سويسرا الغربيين أنفسهم.
وهذا ما عكسته تصريحات مسؤولي المنظمات الدولية بسويسرا، بل إن نبرة المسؤولين السويسريين أنفسهم بدأت تتغير، فبعد المحاولات الخجولة لتفسير ما حصل ها هي وزيرة الخارجية السويسرية ميشلان كالمي راي تعترف أمام وزراء منظمة الأمن والتعاون الأوروبية بأن هذا التصويت يمثل "مشكلة" وتعرب عن "انشغالها" بتداعياته.
وتقول في هذا الإطار: إن كل ما يمس التعايش السلمي للثقافات والديانات المختلفة بسويسرا من شانه أن يهدد أمننا، على تعبير الوزيرة.
وهذا ما قالت الصحيفة: إنه يمكن أن يترجم بالجملة التالية "إذا كنا لا نستطيع العيش معًا في وئام وانسجام فلن يكون هناك ما يكفل لنا أمننا, لأن الاستفزاز يولد الاستفزاز والازدراء وقود التطرف".
لكن لا يبدو أن اليمين الشعبوي السويسري المتطرف يعير اهتمامًا كثيرًا لهذه الانتقادات, فقد ذكر موقع سويس إنفو, التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية والموجه للسويسريين المقيمين في الخارج أن حزب الشعب السويسري اليميني المتشدد ينوي إطلاق مبادرات إضافية ضد ما يسميه "انتشار الإسلام في سويسرا".
ونقل الموقع عن العضو البارز في حزب الشعب النائب البرلماني السويسري أدريان أمستوتس قوله: إن حزبه سيتصدى لما أسماها "الأسلمة الزاحفة" عبر دعوة البرلمان إلى اتخاذ إجراءات ضد "الزيجات بالإكراه وختان الإناث والإعفاءات الخاصة من دروس السباحة والبرقع... إلخ".
في المقابل أعرب المسلمون في سويسرا بعد أن أفاقوا من الصدمة التي سببتها لهم نتيجة التصويت عن أملهم بأن تلغى هذه النتيجة على مستوى المحكمة الأوروبية.
نذير بالخطر:
ومن جانبه يرى المفكر السويسري أستاذ الدراسات الإسلامية الحديثة بجامعة أكسفورد البريطانية طارق رمضان في مقال له نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية أن هذه النتائج تنذر بالخطر.
ويتساءل: ما الذي يحدث في سويسرا البلد الذي ولدت فيه؟ ويضيف: "ليس هناك سوى أربع مآذن في سويسرا, فما الذي جعل مبادرة حظر المآذن تنطلق من هناك؟"
وهنا يؤكد رمضان أن سويسرا كجل البلدان الأوروبية تواجه ردة فعل على المستوى الوطني على تزايد المظاهر الإسلامية في ربوعها, وما المآذن إلا ذريعة لشن حملة على الإسلام.
ويذكر رمضان هنا أن حملة الحزب الشعبي السويسري استهدفت في البداية طريق ذبح الحيوانات لدى المسلمين, لكن حساسية الموضوع بالنسبة لليهود السويسريين جعلت الحزب يحول أنظاره إلى المآذن بوصفها رمزًا إسلاميًا صرفًا يفي بالمطلوب.
ويضع المفكر ما جرى بسويسرا ضمن إطار أعم, قائلاً: إن لكل بلد أوروبي رموزه أو مواضيعه الخاصة التي يستهدف من خلالها المسلمين, ففي فرنسا البرقع أو الحجاب، وفي ألمانيا المساجد وفي بريطانيا العنف، وفي هولندا المثليون... وهكذا دواليك.
ويؤكد رمضان أن غالبية السويسريين بعثوا برسالة واضحة إلى مواطنيهم المسلمين مفادها: "لا نثق بكم, وأفضل المسلمين بالنسبة لنا هو من يتوارى عن أنظارنا".
ويتساءل الكاتب: على من يقع اللوم؟ قبل أن يضيف: "لقد ذكرت المسلمين مرارًا وتكرارًا لسنوات كثيرة أن عليهم أن يكونوا في الواجهة, وينشطوا ويتفاعلوا مع مجتمعاتهم الغربية".
ويوضح أن المسلمين السويسريين ظلوا دائمًا يصارعون من أجل البقاء بعيدًا عن الأنظار لتفادي أي صدام مع المجتمع, وكان عليهم -حسب رأيه- أن يدخلوا في تحالفات جديدة مع كل الأحزاب والمنظمات السويسرية التي عبرت عن معارضتها لمبادرة حظر المآذن.
فاللوم إذن لا يقع, حسب الكاتب, على الشعبويين وحدهم وإنما هو نتاج فشل أعم وخنوع غير مبرر وغياب للثقة في المواطنين المسلمين الجدد ينم عن ضيق الأفق.
ماذا لو كانت الحملة على اليهود؟!
وتعليقًا على هذا الحظر قال الكاتب جوناثان فريدلاند في مقال له بصحيفة جارديان: إن فرائصه ترتعد بسبب الحظر السويسري.
ويحاول الكاتب في مقاله استقراء ردات الفعل في الغرب وأوروبا لو أن الحملة التي شنت على المسلمين بأوروبا عبر قضية المآذن شنت على اليهود مثلاً.
ويتساءل: "ما ردة فعلي لو أن السويسريين صوتوا لصالح تغيير الطريقة التي تبنى عليها كنس اليهود؟ قبل أن يجيب: "بالطبع الاشمئزاز الشديد".
ولهذا يقول فريدلاند: لا أجد لي بدًا من معارضة ما ذهب إليه السويسريون في قضية المآذن، فالموقف الوحيد الجدير بالاحترام في هذه القضية هو "الوقوف ضدها".
نتائج عكسية:
ويناقش الكاتب فكرته ويرصد بعض الأمثلة والآراء بشأنها قبل أن يقول في آخر مقاله: "أعتقد أن حظر المآذن بسويسرا سيؤدي إلى نتيجة واحدة لم يكن من وقفوا وراءه وأيدوه يحسبون لها حسابًا وهي أن أعداد المسلمين الذين يذهبون إلى المساجد بسويسرا ستتزايد؛ إذ إن تلك هي ردة فعل الناس عندما يحسون أنهم مهددون".