تقرير خاص: العدوان الإماراتي المصري على ليبيا...أبعاد ودلالات

تقرير أعده / عادل مناع
مفكرة الإسلام (خاص): رغم أن الضربة الجوية الإماراتية الموجهة لمواقع الثوار في طرابلس وبدعم من النظام المصري صادمة، إلا أنها قد سبقتها إرهاصات للتدخل العسكري من البلدين في ليبيا التي عمتها الفوضى والاضطرابات.
وبدأت تلك الإرهاصات منذ إعلان خليفة حفتر اللواء الليبي المنشق، تلقيه الدعم من رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، ليعلن بعدها أن التفكير في تدخل قوات عربية لدحر الثوار في ليبيا وارد، وهو ما ألمح السيسي إليه بعد ذلك في تصريحاته بضرورة التدخل لإنهاء الأزمة في ليبيا.
وكذلك الدعم الإماراتي لحفتر بالعتاد العسكري في حربه ضد الثوار، والذي ساعدت مصر في إيصاله إلى الأراضي الليبية.
ومنذ بداية الحديث عن طائرات مجهولة تضرب مواقع للثوار، كانت أصابع الاتهام تشير إلى البلدين في التورط بضرب تلك المواقع، بحسب ما أعلنت مجموعات "فجر ليبيا" و "17 فبراير".
إلا أن تلك الأنباء قد أكدتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية والتي نقلت عن مسئولين أمريكيين بارزين تأكيدات بأن مصر والإمارات نفذتا سلسلتين من الغارات الجوية على مواقع للثوار في ليبيا، وذلك بعد أن فقد حفتر السيطرة على مطار طرابلس، ومن قبلها تم الاستيلاء والسيطرة على أهم قواعده في بنغازي، وفي ذلك الوقت استضافته مصر على سبيل التأمين الشخصي للحليف الليبي.
ثم تأكد الأمر بتصريحات جهات أمريكية رسمية سواء كان الذي جرى على لسان الناطقة باسم الخارجية الأميركية جين ساكي حين قالت: «ندرك أن الإمارات ومصر نفذتا في الأيام الأخيرة ضربات جوية في ليبيا»، أو ما صرح به الناطق باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الأميرال جون كيربي بقوله: "إن الدولتين نفذتا تلك الضربات".
ثم أخيرا إصدار خمس دول غربية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا) بيانا رفضت فيه التدخل المصري الإماراتي في ليبيا، وحذرت من أن ذلك سيزيد تعميق الانقسامات الداخلية، ويعمل على تقويض عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد.
تقاسم الأدوار:
وقد لعبت الإمارات في هذه العملية العسكرية دور المنفذ المباشر عن طريق طلعات جوية، بينما أدت فيه مصر الدور التحضيري والتجهيزي سواء كان بالتوجيه عن بعد، أو بفتح قواعدها للطيران الإماراتي، والذي ما كان ليصل إلى تلك المسافات البعيدة إلا من خلال القواعد الجوية المصرية، هذا إن تغاضينا عن إعلان كتائب الثوار أسر طيارين مصريين شاركوا بجانب قوات حفتر في العمليات العسكرية ضد الثوار.
طور جديد:
واللافت أن هذه الضربات العربية تزامنت مع استبسال المقاومة في فلسطين في حربها ضد العدو الإسرائيلي، وبلغ الصراع أوجه في قضية هي في الأصل عامة، حولها التخاذل والصمت العربي إلى شأن خاص بالفلسطينيين، ما حدا بالكاتب السياسي المصري فهمي هويدي للقول بأن ذلك الحدث يمثل تحول الصراع العربي العربي إلى طور جديد تماما، حيث بات إعلانا صريحا أن الخصومات في البيت العربي أشد وأعمق من تخاصم العرب مع أعدائهم.
أهداف كارثية:
وهناك أهداف لا ريب في الإقدام على هذه الخطوة الكارثية، فمن أهمها: الإجهاض على بقايا آثار ثورات الربيع العربي، والتي اجتاحت العالم العربي وأسقطت عروشا وأنظمة ديكتاتورية، جعلت دولة خليجية مثل الإمارات تخشى من تصديرها إلى أراضيها.
كما يخشى نظام السيسي في مصر من نجاح حركات التمرد والثورة في البقاع المحيطة، يما يمكن أن ينعكس على الوضع لديه في الداخل المصري خاصة وأن الحراك الثوري في مصر إلى الآن قد نجح في خلق حالة من عدم الاستقرار للنظام الديكتاتوري الذي تسلق على أكتاف الشرعية.
ومن هذه الأهداف ملاحقة ووأد التيار الإسلامي في ليبيا، والقضاء على الإسلام السياسي الذي تخشاه البلدان.
فأما الإمارات فأوضاعها الداخلية وسياسات البطش ضد التيار الإسلامي وخاصة جماعة المسلمين، تأتي خوفا على الاستقرار الذي ينعم به النظام والذي يعيش في حالة من الرخاء يخشى عليها من نفوذ أصحاب التوجهات الفكرية التي تحمل أجندات سياسية ولها تطلعات حقوقية فيما يكون عليه شكل الدول الخليجية.
وأكثر ما تخشاه الإمارات تواصل التيار الإسلامي داخل الإمارات مع نظيره في الدول الأخرى، وعلى وجه الخصوص بالإسلاميين في مصر، باعتبار جماعة الإخوان في الإمارات امتداد للأم في مصر، وهذا يفسر الدعم الكلي الذي وجهته الإمارات للانقلابيين في مصر لإسقاط نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي والذي ينتمي للجماعة.
وأما نظام السيسي فهو يخشى من المد الإسلامي في ليبيا أن يكون عونا لاستعادة التيار الإسلامي في مصر عافيته، بعد أن قوضه السيسي إلى حد بعيد بانتهاج سياسة القمع من قتل واعتقالات عشوائية ومحاكمات غاشمة.
فانتصار الثورة في ليبيا على النسخة الليبية للسيسي (حفتر)، لاشك أنه له انعكاساته على الحراك الثوري في مصر، بينما القضاء عليها يعضد ويقوي موقف السيسي المناهض للإسلاميين في مصر.
كما يبدو أن البلدين كليهما يبحث عن نفوذ له في المنطقة، فالإمارات كما يظهر ترغب في أن تتجاوز لعب دور الممول إلى طرف مباشر في الأحداث، وأما مصر فمنذ بداية تسلم السيسي للسلطة وهو يبحث عن تنامي نفوذه في المنطقة ليناطح غريمه التركي، وهو ما يشير إليه الدور الذي بحثت عنه مصر ووهبته لها أطراف خارجية في مبادرة وقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي.
تحلل الأنظمة:
وبقي القول أن هذه الحدث الكارثي الذي يعد وصمة عار في جبين الدولتين، يدل على تحلل الأنظمة العربية من كل الأيديولوجيات، فلم تعد تتعامل مع الدول الإسلامية من منظور عقدي يفرض عليها نصرة الدول الإسلامية، ولا هي حافظت على الصبغة القومية التي طالما صدعت بها الرؤوس، وتنكرت لها اليوم عندما تركت غزة فريسة للاحتلال من ناحية، ثم قيامها بالعمل العسكري ضد دولة عربية شقيقة وهي ليبيا كاسرة كل القواعد التي اصطنعتها.
وحتى على صعيد الأمن القومي لم نلحظ في الاهتمام به لدى تلك الأنظمة أي أثر، خاصة مصر والتي تربطها حدود مع ليبيا ويؤثر على أمنها القومي ولا شك، بما يجعلنا نجزم أن تلك الأنظمة لم يعد يشغلها سوى هدف واحد، وهو الاحتفاظ بالسلطة.