لماذا كسرت الكنيسة المصرية موقفها التاريخي من القدس؟

مفكرة الإسلام : قال الكاتب الصحفي جمال سلطان رئيس تحرير جريدة "المصريون" إن الزيارة المفاجئة التي قام بها البابا تواضروس، زعيم الأقباط في مصر، إلى القدس على رأس وفد كنسي كبير تسببت في "ربكة" للرأي العام وتساؤلات متشعبة عن أهدافها وعن مغزاها وعن الجهات الرسمية التي نسقتها وعن ما جرى بين الكاتدرائية المرقسية وبين المؤسسات السيادية من حوارات قبل هذه الخطوة القاسية والرمزية.
وأضاف فى مقال بجريدة المصريون بعنوان "أبعاد زيارة البابا تواضروس المفاجئة للقدس" أن الكنيسة لها موقف رسمي معتمد وثابت منذ خمسة وثلاثين عاما ، بمقاطعة السفر إلى القدس أو فلسطين المحتلة حتى لا تمثل دعما للتطبيع ، وقال البابا شنودة قولته الشهيرة إنه لن يدخل إلى القدس إلا يده بيد شيخ الأزهر ، بعد أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه وحل القضية الفلسطينية ، واعتبر هذا الموقف من أكثر المواقف وطنية للراحل الكبير ، وعندما خلفه البابا تواضروس أثنى على وطنية سلفه ، وأكد أنه على خطاه سائر وأن الكنيسة ستظل تحرم السفر إلى القدس ، وكرر ذلك مرارا ، فما الذي حدث وما الذي جد وما الذي جعل رأس الكنيسة الوطنية المصرية يكسر الموقف التاريخي.
وذكر الكاتب أن بيان الكنيسة أشار إلي أن طريقة وصول تواضروس للقدس قامت بها الدولة المصرية وليست الكنيسة على حد تعبيره ، وهي عبارة لها دلالات مهمة على أبعاد الزيارة وترتيبها والتنسيق فيها ، والدولة المصرية التي يقصدها بطبيعة الحال المؤسسات السيادية الأربعة ، مؤسسة الرئاسة ، والخارجية ، والمخابرات بجناحيها ، ومن المفهوم أن البابا لن يقدم على خطوة كهذه إلا وفق ترتيبات وحوارات سبقت مع تلك الأجهزة والمؤسسات ، وهذا يعني أن تلك المؤسسات كانت مرحبة وموافقة ، في الحد الأدنى من تصور ما حدث ، ومرتبة لتفاصيل الزيارة .
وأكد أن الزيارة ، مهما نفت الكنيسة ، لها بعد سياسي واضح ، لا يختلف عن السياق السياسي العام الذي تسير فيه الدولة حاليا منذ 3 يوليو 2013 من تعميق خطوات التنسيق والتطبيع مع الجانب "الإسرائيلي" . الصحافة والإعلام "الإسرائيلي" والخبراء العسكريون والاستراتيجيون هناك لا يتوقفون يوميا عن التغزل في العلاقات الجديدة مع مصر ، والثناء الاستثنائي الكبير على قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لملف العلاقات بين البلدين ، مع التأكيد المستمر على أن تلك العلاقات هي في حالاتها الأفضل على الإطلاق منذ تأسيس "الدولة" العبرية في جميع المجالات ، بلا استثناء ، وهناك مكانة رفيعة للسيسي لدى صانع القرار الإسرائيلي الآن بصورة غير مسبوقة لأي رئيس مصري ، وما لا يمكن تجاهله أن الكنيسة المصرية وعلى رأسها البابا تواضروس هي أحد أهم شركاء النظام السياسي الجديد في مصر ، النظام الذي تم تدشينه في 3 يوليو ، والبابا تواضروس من أبرز حلفاء السيسي وداعميه سياسيا.
ورأى أن هناك قناعة بأن الكثير من المصالح الكنسية أصبحت مرتبطة بالنظام الجديد ومرتهنة باستمراره ، وهو ما يجعل هناك حالة من العصبية الشديدة في دفاع الكنيسة والبابا شخصيا عن الرئيس والنظام حتى في وجه الشكاوى القبطية ، بل وطي صفحات لا يمكن أن تطوى ، متصلة بدماء وأرواح قبطية أزهقت وتدير لها الكنيسة ظهرها الآن على خلفية حسابات سياسية ومصالح طائفية ضيقة .
وأكد سلطان أن زيارة البابا تواضروس مجرد خطوة على طريق تطبيع تدريجي للعلاقات الدينية كما السياسية والاقتصادية وغيرها ، وعندما تتقطع الوشائج أو تضعف بين الدولة ومكوناتها الوطنية الداخلية ، فإن الحسابات الخارجية ووشائجها ومتطلباتها تصبح أكثر حضورا وأكثر إلحاحا وأكثر أولوية لدى صانع القرار .