مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الفنزويليون صوتوا ضد "الشيطان" ففاز تشابيث!!

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمود كعوش*

مفكرة الاسلام: لا شك أن يوم الأحد الموافق الثالث من الشهر الجاري قد تحوّل إلى محطة سياسية مهمة في تاريخ أمريكا اللاتينية، باعتبار أن ما شهدته هذه المنطقة الحيوية من العالم خلاله شكل إيذانًا صريحًا ببدء انتهاء عصر هيمنة واشنطن عليها, وسقوط مقولة "الأخ الأكبر" فيها إلى ما لا رجعة. ففي ذلك اليوم شهدت فنزويلا انتخابات رئاسية ديمقراطية قال الشعب الفنزويلي بنتيجتها قوله الفصل الذي بموجبه ضمن للرئيس أوجو تشابيث العدو الأكبر لواشنطن في أمريكا اللاتينية البقاء في سدة الحكم فترة رئاسية ثالثة تمتد حتى نهاية عام 2012.

ففي الانتخابات الرئاسية الأولى في فنزويلا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الجاري والثانية عشرة في أمريكا اللاتينية خلال عامين، حاز تشابيث على 62% من 78% من أصوات الفنزويليين الذين يحق لهم التصويت, والبالغ عددهم 16 مليونًا، مقابل 38% حصل عليها خصمه السياسي ومنافسه المدعوم من الإدارة الأمريكية مانويل روزاليس زعيم حزب "الزمن الجديد" وحاكم ولاية سوليا الغنية بالنفط والواقعة غرب البلاد.

وبذلك فاز أوجو تشابيث, فأعلن انتصاره رسميًا, وخسر مانويل روزاليس, فأقر بهزيمته أمامه، وانتهى الأمر عند هذا الحد لتبدأ ولادة "الجمهورية الخامسة" في فنزويلا.

وقد اتسمت الانتخابات بالنزاهة والشفافية المطلوبتين، وذلك بشهادة صناديق الاقتراع والفرز الأمين والصادق والأجهزة الإلكترونية لأخذ البصمات التي تعتبر الأكثر تطورًا في العالم، وبشهادة 1200 شخصية دولية أشرفت عليها وفي مقدمها الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر وممثلون عن مؤسسات ومنظمات حقوقية ومدنية دولية, بما فيها منظمة الأمم المتحدة، عملوا في أجواء من السلم الأمني الذي ضمنه 120 ألف جندي فنزويلي انتشروا على مساحة من البلاد احتوت 32 ألف مركز انتخابي.

وبذلك يكون تشابيث قد اكتسب شرعيةً رئاسية جديدة تضاف إلى شرعيتين رئاسيتين سابقتين وشرعية استفتائية تلتهما أيضًا، عرفتهم هذه الدولة الأمريكية اللاتينية بين كانون الأول 1998 والثالث من كانون الأول 2006 الجاري. فقد انتخب تشابيث رئيسًا لفنزويلا لأول مرة في كانون الأول 1998، وأعيد انتخابه عام 2000 لضرورات قسرية افترضها تعديل دستوري جرى في البلاد، وتم تثبيت ذلك الانتخاب في استفتاء شعبي جرى في 15 آب 2004 قبل أن يُعاد انتخابه مجددًا يوم الأحد الموافق الثالث من كانون الأول الجاري".

وهذا يعني بالبديهة أن تشابيث يتمتع الآن من خلال الشرعيات الأربع المتتالية التي منحه إياها شعبه بشرعية تفوق أضعافًا مضاعفةً شرعيتيْ الرئيس الأمريكي جورج بوش اللتين حصل عليهما في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأولى عام 2000 والثانية عام 2004؛ فالشرعية التي حصل عليها بوش في الانتخابات الأولى ظلت مثار شك وريبة لوقت طويل قبل أن يتم التسليم بها، وما كان له أن يصل إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في وقتها لو لم يلجأ مضطرًا للمحكمة الأمريكية العليا, ولو لم يتصف خصمه الديمقراطي آل جور بكثير من الحنكة والحكمة اللتين دلل عليهما حرصه البالغ على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأمريكية. وأما الشرعية التي حصل عليها في الانتخابات الثانية فما كان لها أن تكون لولا اعتماده على أصوات المندوبين الحزبيين واليهود الأمريكيين في حسم معركته مع خصمه الديمقراطي جون كيري.

ولعل أبسط ما يمكن أن يقال عن انتصارات أوجو تشابيث المتتالية هو أنها شكلت تأكيدًا لصدقية روح الثورة البوليفارية التي كان تشابيث ولا يزال يعتبر نفسه امتدادًا لها, والتي يصر على اعتبارها محطة تاريخية مهمة لا تنفصل عن تاريخ أمريكا اللاتينية، كما شكلت انتصارًا للديمقراطية في فنزويلا باعتبار أنه كان لتشابيث شرف تعديل دستور بلاده بشكلٍ يستحيل معه أن يقبض أي رئيس ديكتاتوري على مقاليد السلطة فيها إذا لم يكن الشعب راضيًا عن سياساته ومؤيدًا لسلطة حكمه.

ففي عام 1999 - ولم يكن قد مضى بعد أكثر من عام على توليه رئاسته الأولى - أجرى تشابيث ذلك التعديل على الدستور بإضافة المادتين 333 و350 اللتين توجبان إجراء استفتاء على شخص الرئيس بعد عامين من استلامه السلطة إذا ما طعن الشعب بممارساته الديمقراطية.

لكن جاءت المفارقة الغريبة فيما بعد من تحالف المعارضة الذي تشكل من النخبة والطبقة الوسطى والأوليغارشية السياسية والاقتصادية التي جثمت على صدور الفنزويليين عقودًا طويلة اتصفت بالفاشية والانحراف واستغلال الثروة النفطية والتنكر لحاجات ومصالح الفقراء والمعدمين من أبناء الطبقة الفقيرة، حين استغل ذلك التحالف التعديل الدستوري وقام بعملية انقلابية على تشابيث بدعم ومساندة من واشنطن.

وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" قد وضعت كل ثقلها وراء ذلك التحالف للإطاحة بتشابيث, من خلال حثّه على القيام بتلك العملية الانقلابية الحقيقية المماثلة لسابقتين لها، جرت الأولى في غواتيمالا عام 1954 والثانية في تشيلي عام 1973، أملاً في تنصيب سلطة عميلة لواشنطن في كاراكاس تسهل لها الهيمنة والسطو على النفط الفنزويلي.

فكما هو معروف فإن فنزويلا عضو مهم في منظمة "أوبيك" وواحدة من أكبر خمس دول منتجة ومصدرة للنفط في العالم. ومن أجل ذلك أوعزت واشنطن في عام 2002 إلى تحالف المعارضة الذي يقوده الأوليغارشيون من بطانة الحكم السابق للقيام بما أسمته "انقلابًا دستوريًا". وقد نجح تحالف المعارضة آنذاك في الإطاحة بأوجو تشابيث، إلا أن الموالين والمخلصين له في الجيش وطبقة الفقراء والمعدمين استطاعوا إعادته للسلطة والرئاسة بعد يومين قضاهما في معتقل للتحالف.

مع وصول تشابيث إلى السلطة في عام 1998، أثارت سياساته حفيظة واشنطن التي اعتبرته عدوًا لها يجب الإطاحة به وإقصاؤه عن السلطة. فإلى جانب اعتزازه ببوليفاريته وحذوه حذو سيمون بوليفار بطل الاستقلال الوطني والمحرر الحقيقي لأمريكا اللاتينية من وجهة نظره، أقام تشابيث أفضل العلاقات مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وتدخل في شئون كولومبيا الداخلية. وكما هو معروف فإن كاسترو من ألد أعداء واشنطن, وأن كولومبيا هي من "حوشها" الرئيسيين في أمريكا اللاتينية، وفق النظرة الأمريكية العنصرية المعروفة!!

وفوق ذلك وعلى خلاف ما نهج عليه الرؤساء السابقون لفنزويلا، أبدى تشابيث تشددًا وحزمًا ظاهرين في مسألة النفط من خلال التزامه بحصة بلاده في منظمة "أوبيك"، وقدّم مصالح أبناء شعبه على مصالح الأمريكيين. والأسوأ من ذلك والأشد مرارةً بالنسبة لواشنطن، أن تشابيث كان الزعيم العالمي الوحيد الذي تحدى الحصار على العراق, فزارها والتقى برئيسها صدام حسين وأركان نظامه. ويومها خاطب تشابيث العراقيين ورئيسهم من منطلق وطني وإنساني, مؤكدًا "موقعهم في معركة الإنسانية الكبرى لدحر مخططات الإمبريالية الأمريكية".

وواشنطن تتخوف كثيرًا من تدخل تشابيث المباشر في شئون شركة نفط فنزويلا, وتأثيره المحتمل على أسعار النفط الذي تستورده من كاراكاس، والذي يتراوح بين 12 و15% من استيرادها النفطي العالمي. وكما هو معروف فإن فنزويلا هي أكبر خامس دولة نفطية في العالم، سواء أكان ذلك لجهة الإنتاج أم الاحتياط، وهي تصدر حوالي 90% من هذا النفط للولايات المتحدة الأمريكية.

وعندما تتدخل واشنطن في شئون فنزويلا وتعمل على قلب نظام الحكم فيها، فإنما تفعل ذلك وفق منظورها الاستعماري القديم – الجديد, سواء أكان ذلك في الإطار السياسي أم الاقتصادي، لأنها لم تكن يومًا حريصةً على الديمقراطية فيها أو في أي مكان آخر من العالم, ولأن جل ما يهمها أولاً وأخيرًا وقبل أي شيء آخر هو مصالحها فقط.

أوجو تشابيث انتصر يوم الأحد "3 كانون الأول 2006" على خصمه مانويل روزاليس الذي دعمته واشنطن، تمامًا كما انتصر في استفتاء 15 آب 2004 على خصمه الرئيس الفنزويلي الأسبق كارلوس أندرياس بيريز الذي كانت تدعمه واشنطن أيضًا. وكما نجح تشابيث وفشل بيريز وواشنطن في تحقيق أمنياتهما وتطلعاتهما في فنزويلا، فهاهو ينجح من جديد ويفشل روزاليس وواشنطن في تحقيق أمنياتهما وتطلعاتهما فيها أيضًا.

سقطت الغطرسة "الكاليغولية" المقيتة المتمثلة بالأوليغارشية في المرتين, ونجحت البوليفارية في كليهما. وفي المرتين انتصر الشعب الفنزويلي لرئيسه الذي وجد الديمقراطية الحقيقية عنده. وبهذه الانتخابات حافظ تشابيث من خلال حبه لشعبه وحب شعبه له على البقاء في السلطة ستة أعوام قادمة، كما حافظ في استفتاء 2004 ومن خلال حبه لشعبه وحب شعبه له على البقاء في السلطة عامين قبل ذلك. وبذلك يكون أوجو تشابيث قد حقق في ثلاثة أعوام فقط انتصارين كبيرين على خصومه المحليين والخارجيين.

وهكذا يمكن القول: إن الفنزويليين صوتوا ضد "الشيطان", ففاز أوجو تشابيث الذي كان شعاره الانتخابي "انتخب ضد الشيطان"!!

ـــــــــــــــ

*كاتب عربي مقيم في الدانمارك.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 20 ديسمبر 2006
  1. خطوات الإدارة الاستراتيجيةمقدمة: تعتبر الإدارة الاستراتيجية هي قمة الهرم الإداري في الفكر والتطبيق، ويعتبر الفكر الإسلامي عمومًا فكرًا استراتيجيًا في التفكير وحتى في إصدار الأحكام، حيث يهتم اهتمامًا بالغًا بالمقاصد الشرعية والنظرة إلى المآل في الأمور وقضية التوازن بإدارة استراتيجية · 4 د قراءة
  2. خاتمي يشهد تعذيب أحد السجناء بطهرانخاتمي يشهد تعذيب أحد السجناء بطهران، على الأرجح من الأحواز السنة في غرب البلاد1 د قراءة
  3. "بوش" يعترف: أمريكا لم تكسب الحرب في العراقاعترف الرئيس الأمريكي "جورج بوش", بأن الولايات المتحدة لم تكسب الحرب في العراق. وقال "بوش", الذي مازال يبحث عن استراتيجية جديدة للخروج من "مستنقع العراق"، في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" نشرتها اليوم: "إننا لا ننتصر. ولا نخسر". وأشارت الصحالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. بريطانيا ستجبر غير الأوروبيين على تسجيل بصمات الأصابع والأعينمفكرة الاسلام: كشفت بريطانيا عن تخطيطها لاتخاذ إجراءات متشددة ضد الأجانب غير الأوروبيين القادمين إلى أراضيها, تشمل إجبارهم على تسجيل بيانات هويّاتهم مثل بصمات اليد والعين ابتداء من عام 2008. وبحسب الخطط التي نشرتها بريطانيا يوم الثلاثاء بشأأفريقيا وأوربا · 2 د قراءة
  5. إثيوبيا تفقد أحد جنودها في مناوشات مع المحاكم بالصومالمفكرة الاسلام:اندلعت مناوشات بين قوات المحاكم الإسلامية في الصومال والقوات الإثيوبية في الخطوط الأمامية للقتال في منطقة إيدَالي جنوب مدينة بيداوا مقر الحكومة الانتقالية. وأشارت الجزيرة إلى أن جنديا إثيوبيا قتل خلال هذه الاشتباكات التي تأتي العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. تجدد الاشتباكات في غزة يسفر عن مقتل اثنين وإصابة ستةمفكرة الاسلام: قتل فلسطينيان وأصيب ستة آخرون في اشتباكات جديدة اندلعت بقطاع غزة فجر اليوم. وتعد هذه الاشتباكات أول انتهاك للهدنة الشاملة التي أعلن عنها مساء أمس الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية. وفي ختام خطابه يوم امس تداعيات دعوة عباس لانتخابات مبكرة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الفنزويليون صوتوا ضد "الشيطان" ففاز تشابيث!!