هل يعاقَب السياسيون الكذابون؟!!

عبيد سعيد
هل من عقاب للسياسيين الكذّاّبين؟! لم تكن فعلة من الأفعال أبغض في الكون ولا أتعس من الكذب.. ولا أكسد تجارة – ربما الرجل يعصي – ربما يضطر إلى ركوب موجة – حينًا – لا تشبهه.. أو يوغل في عنوان بعيد عنه.. قد وقد وقد.. لكن يكذب؟!! كلا .. فالكذبة تجعل صاحبها مكروه الجانب.. مجلسه ممجوجًا.. سيرته مذمومة.. والتاريخ الحاضر والماضي يحتفظ بالكثير من عظائم الأمور لقاء كلمة قيلت.. وقد قيل الكثير بشأن الكذب.. بأن لهذا السلوك الأثر الشائك الذي شغل أهل الدنيا والعلم.. فعلى صخرته هوت عروش وبادت حضارات ودول ـ فبه يمتحن القادة ويتم اختيار من يمثلون أصوات أغلب الرعية والمقياس الذي عليه يبنى تطور الأحداث.. ويوسم هوية كل فرد في حركة التواصل ومنحنيات الصراع الإنساني الساعي بفطرته السليمة ـ للبحث عن الحقيقة, حتى وإن لم يجسدها فهو مؤمن بها, لذا فكل من فيه خصلة من كذب عليه أن يبعد عن أي مركز له علاقة بشئون الناس.. هذا أصل عندما تكون المجتمعات فاضلة ترفع شعار الصدق وعدم غش الرعية والأبناء, أما على مستوى النظم الدستورية والسياسية التي تتطلب مهارة كبيره في ليّ الكلمات وتطويعها لأغراض البرامج الانتخابية, وعندما تفشل ولا تستطيع تحقيق البرامج التي وعدت بها تلجأ إلى التبرير والتسويف وإعطاء المهل الزمنية, الأمر الذي يستنتج بالنهاية أنها مجموعة من الأكاذيب, الغرض منها البقاء أطول فترة ممكنة في الحكم..
وقد جاء اعتراف رئيس وزراء هنغاريا فيرنييك غيورسكاني بأنه كذب من أجل الوصول بحزبه إلى السلطة, حيث يقول: إن حكومة التحالف التي يقودها مارست الكذب على نحو متكرر على الشعب من أجل أن تفوز في الانتخابات ثانية. ومما قاله: إننا استطعنا الاستيلاء على الحكم دون وجه حق.
وفي مقابلة مع جيمس كالهان يقول: إن الديمقراطية نظام أدىّ بالمجتمعات إلى حافة عدم القدرة على حكمها, وذلك هو أفضل موقع يمكن أن يكون عليه مجتمع إنساني, ففي هذا النظام يمكن للأكاذيب أن تدفع المجتمع إلى حافة الجنون, ومازلنا نذكر كيف حوكم الرئيس كلنتون وكيف تم التصويت على المحاكمة بتهمة التحرش الجنسي...
لقد صدرت في العديد من البلدان الأوربية وفي بريطانيا وأمريكا كتب وكتابات فيها الرغبة في فضح الأكاذيب مثل كتاب أسلحة الخداع الشامل.. وكيف فضخ جوزيف ولسون الرئيس بوش بادعائه أن العراق حصل على يورانيوم من النيجر, كما أن البعض يصف بوش وبلير بالبراعة السياسية - بمعنى التضليل والخداع - وبذلك تبقى الديمقراطيات الغربية المتقدمة وتستمر على البقاء مع الأكاذيب, ففي المجتمعات الديمقراطية فإن الحكومة هي التي تكذب على الشعب, أما النظم الاستبدادية فمبنية على تراتيب, حيث يكذب من هم أدنى على من هم أعلى, فالعبد لا يخبر سيده بالحقيقة أو على الأقل ليس كلها في كل وقت, وبالنتيجة المستبد هو في النهاية الخاسر الأكبر, فالحاشية تكذب عليه هي أيضًا, وبذلك يفقد التصور الحقيقي عن شعبه وما يعترضه من مشاكل وما يعانيه من أزمات لعدم الوضوح وعدم وجود الحقيقة, ويعد ذلك أحد المشاكل التي تواجه تلك النظم ولكي يكون لنا بعض الفهم عن أنواع حالات الكذب, ولو أن الكذب في تطور لحظي كما نرى اليوم في كل يوم يقف العالم أمام أكاذيب خطيرة, وخصوصًا بعد التطور الخطير لوسائل الاتصال واختلاف المجتمعات ونظم الحكم وطبيعة الأفراد.
1- الكذب الخيالي:
يعتمد هذا النوع من الكذب على خصب الخيال الذي يمتلكه الشخص, فيرسم خطوطًا وهمية من خلالها يبني بيوتًا من الرمل, ويدخل مخلوقات خيالية يستطيع من خلالها شد الناس حوله للغرابة التي يسرد بها الحكايات أو ما ينسب له من خوارق العادات في مجتمع يساعد على ذلك؛ لعدم وجود رقيب. ويعتمد تطور هذا النوع على تطور الشخص نفسه, فهو دائمًا يخاطب أناسًا يصدقون ما يقول باعتماده على حركات وأفعال يخالها السامع والناظر أنها الحقيقة, أو هم يعرفون عدم صدقيته لكنهم مضطرون لذلك لقضاء وقت أو للتندر والترويح من عناء الحياة أو لأمر آخر.
وقد ظهر الكثير من كتاب الروايات الخيالية اعتمد بعضها على بداية خيط رفيع من معلومة, فهناك أفلام ساعدت في اختراعات كثيرة استغلها المخترعون لتوفر المواد الأولية كما هو حال صناعة الطائرات ابتدأت بمحاكاة الطيور والطيران والسباحة في الجو, ولا يزال الكثيرون من الناس من يعتمد الخيال في صياغة الأكاذيب.
2- الكذب الالتباسي:
يأتي نتيجة التباس في أمور معينة, وهو من أنواع الكذب البسيط, يحدث عن طريق الاشتباه والالتباس في أمر معين, ويعكس ما روى الشخص الآخر, وهو من أنواع الكذب غير الخطرة, ويمكن علاجها بالتأني في اتخاذ القرارات.
3- الكذب الادعائي:
ينشأ عادة بين الأطفال من الظهور بمظهر القوة والسمو بالذات, لكي ينال الإعجاب وتغطية العيوب والشعور بالنقص, وهذا يشترك فيه الصغار والكبار, فكثيرون منهم يدعي أنه يمتلك أموالاً طائلة أو مركزًا وظيفيًا ويدعي البطولات ويفترض به التواضع وعدم القفز على عقول الآخرين واستغفالهم, ويعطي لنفسه دورًا مهمًا رغم أن الحقيقة وحدها هي التي ترفع الإنسان, والعكس يحط من قدره.
4-الكذب الانتقامي:
ينشأ هذا النوع من الكذب بسبب حالات الخصومة والخلافات بين الناس بما يدعوهم إلى إلصاق اتهامات كاذبة بآخرين بغية الانتقام.. لذلك يجب التروي عند الدخول في توجيه التهم واتخاذ القرار, وعدم فسح المجال للنجاح لهؤلاء وكشفهم لكي لا يستمروا بهذه العادة السيئة وتحكيم العقل بدل الأهواء الشخصية, وضبط النفس وعدم الانجرار وراء الميول القلبية, بل يجب السمو بالعقل؛ لأن الكذب ينتج عن اختلال عقلي (العقل السليم في الجسم السليم).
5- الكذب الدفاعي:
هذا النوع من الكذب شائع في البيت والمعمل والمدرسة, ترجع أسبابه لاتقاء العقوبات المحتملة عليهم, ما يضطرهم للكذب كي يفلتوا من عقاب الآباء أو الرؤساء, نرى ذلك في النظم وسلطاتها القمعية التي تحكم البلد بقبضة حديدية, فعندما يتم القبض على الأفراد والسؤال عن نشاطاتهم الوطنية يضطرون لنفي التهمة عنهم للتخلص من بطش السلطة, ويكون ذلك مبررًا, ولمعالجة ذلك يجب نبذ الأساليب القسرية في التعامل, وإبدالها بالوضوح والاستماع لمشاكل الناس وتذليل ما صعب وحل ما أشكل.
6- الكذب العنادي:
يلجأ إليه البعض عند حرمانه من رغبات يريد تنفيذها, فيصطدم بممانعة سلطة قاهرة شديدة الرقابة قاسية خالية من التعاطف, كما هو الحال في الأطفال الذين يمتنعون من تناول الماء قبل النوم, لكنه رغبة في العناد يختلس فرصة ينفذ فيها رغباته, فيشرب كمية من الماء, ما يسبب حالة التبول اللا إرادي أثناء النوم, وهذا ينسحب على الكثير من الرجال الذين يتعرضون لظروف مشابهة, ولكنها تختلف في مواضيعها, ما يدفعهم إلى القيام بأعمال تبتعد عن العقل ويسودها التهور والعناد.
7- الكذب الاندفاعي:
عندما يتعرض أحد الأصدقاء لاتهامات معينه فيلجأ أصدقاؤه للاندفاع والتضحية بدلاً عنه لشعورهم المسبق أنهم سيتعرضون للشدة والقسوة.. علينا والحالة هذه أن نحرم هؤلاء من الشهادة مستقبلاً, وعدم التدخل وتركهم لأنهم بهذا يقللون من ثقتهم بأنفسهم, بل يجب أن ندعوهم للاعتراف بخطئهم, وأن اعترافهم بالخطأ يقابل بالعفو, وبذا نكون قد ساهمنا في بناء مجتمع بعيد عن الكذب شعاره الصدق ثم الصدق.
8- الكذب الغرضي:
يدعي البعض أنهم يحتاجون إلى شيء إشباعًا لرغباتهم, فيقومون بالكذب, ويدعون ما ليس له وجود من المصداقية, وبه يبغون غرضًا آخر يحاولون الوصول إليه, وإن هذا الأسلوب الملتوي يأتي نتيجة الاحتكار وعدم وفرة الحاجة, الأمر الذي يدفع باتجاه الكذب لتلبيه أغراضهم.
9 - الكذب العادي:
إن ما يتعلمه النشأ الجديد هو التقليد, فإذا اعتاد الطفل على تصرفات الوالدين فإن صلاح الوالدين صلاح لأبنائهم, فيتصرف الابن كما يتصرف أبواه, فهو يتقمص شخصيتهما, فإن كانا كاذبين كان مثلهما, فيعتاد على ما نشأ عليه, فالتربية قصة وموعظة وقدوة, فلنكن قدوة, فالطفل يقلد أبويه في كل شي.. طريقة مشيتهم وما يقولون ويفعلون, ولنا في رسول الله قدوة, فالتربية على الإسلام تعتمد على القصة والموعظة والقدوة.
10-الكذب المزمن:
وهذا نجده عند كثير من الناس نتيجة الاعتياد, ولم يعاجلوا أنفسهم بعلاج, فتأصل لديهم حتى بات كالإدمان.. بحيث يصبح الأمر عاديًا, وهذا النوع لا يمكن علاجه بسهوله نتيجة تراكمات سنين طويلة عرف خلالها وتمت الإشارة إليه على أنه إذا تحدث كان كلامه خليطًا من الكذب والصدق, وعلاج ذلك أصعب من علاج غيره من الأنواع رغم أن الكذب بجميع أنواعه كذب, ولا يمكن أن نصفه بغير ذلك.
من الأمثلة المتداولة حتى الآن في استخدامات الكذب في السياسة ما قام به الدكتور بول جوزيف غوبلز وزير دعاية هتلر وأحد أبرز وزراء هتلر, إذ يمتلك قابلية خطابية متميزة إذ لعب دورًا مهمًا في ترويج الفكر النازي لدى الشعب الألماني بطريقة ذكية. فهو صاحب التعبير المعروف: (كلما كبرت الكذبة كلما سهل تصديقها), وهو صاحب المقولة: (كلما سمعت كلمة "ثقافة" تحسست مسدسي). وبعد هزيمة هتلر انتحر غوبلز وزوجته وأولاده الستة..
كثير من السياسيين اتخذ من غوبلز قدوة استطاعوا من خلالها السيطرة على زمام الحكم بوعود كاذبة, مستغلين شعوبهم المتعطشة للانعتاق من الظلم والاستبداد.
هذه مجموعة من الحالات التي يمكن من خلالها أن يقوم الفرد فيها بالكذب سواء أكان قاصدًا أم مضطرًا, ولكن الكذب في الحالات السابقة يكاد ضررها يكون محدودًا لو تمت مقارنتها بأقوال وأفعال السياسيين الذين دمّروا وأبادوا حضارات وانتهكوا حرمات وقتلوا الملايين تحت لافتة الحريات والديمقراطيات, وجيشت الجيوش واحتلت العراق ودمرت بنيته التي نزف العراقيون دمًا ودمعًا, وسلطت عليهم مجموعة من الأفاكين تخرجوا من مدرسة غوبلز لهم في كل يوم يمر واجب لا يحيدون عن تنفيذه, وبأوامر من سيدهم وربهم الأعلى بوش زعيم الكذابين بلا منازع, الذي خدع الشعب الأمريكي بفرية مكافحة الإرهاب, والذي استغله في محاربة الإسلام, فأصبحت المساجد والمناهج هدفًا استراتيجيًا تحرك له الطائرات والبوارج الحربية ويدخل الجيش في حالة الإنذار إذا سمع الأذان من مسجد.. الأمر الذي أوقع أمريكا في ورطة الوحل العراقي ورمال أفغانستان المتحركة, والتي عادت أكبر دولة في العالم تستجدي من يمد لها طوق النجاة, والتي طالما نفش الديك الرومي ريشه, فهل يأتي اليوم الذي يلاحَق فيه الساسة الكذابون؟!! ذلك ممكن في المجتمعات التي يمكن فيها للناس إبداء رأيهم..
ميكيافيلي شرعن الكذب إذا كان ذلك يخدم النظام العام. ونحن نعيش أيام الذكرى الرابعة لاحتلال العراق وهو أكبر خرق للقانون الدولي, فقد قامت الحرب على براهين أصولية من جانب الإدارة الأمريكية, وقد دعا الكثير من الكتاب إلى جعل يوم العشرين من آذار ليكون يومًا عالميًا للأكاذيب السياسية, آخذين بنظر الاعتبار الأكاذيب السياسية والتصريحات الأمريكية حول إعمار العراق, والوعود الساخرة التي تخص ذلك, ومعاملة السجناء والتعذيب الذي يقع عليهم.
وبعد ما حصل هل مازال الكتّاب والمثقفون يمنون النفس بالقشدة والعسل الأمريكي؟! أم سوف يستمر مسلسل الشتائم على المناهضين للاحتلال؟! قي حرب الخليج كيف استطاعت الولايات المتحدة تضليل المجتمع الدولي من خلال ادعاءات مكشوفة الغرض؟! والآن اعترف بوش (وأعلنها بلسانه) أن أمريكا والتحالف لا يحققون نصرًا في العراق.
إن حبل الكذب قصير!! فهل سيحاكم السياسيون الكاذبون ويتحملون كل ما اقترفوا من جرائم الكذب على الله وعلى شعوبهم فلم يجلبوا لها إلا الشر والدمار..