غزة.. المذبحة الكبرى والملحمة الأكبر

محمد لافي
كاتب ومحلل سياسي
أصر رئيس وزراء الكيان الصهيوني "إيهود أولمرت" على إثبات حضوره، وشن هجومًا استباقيًا عقب التراجع المرير لقواته على أعتاب غزة، بالتصريح إن "شتاءه الساخن" لم تنسحب كل غيومه بعد عن سماء القطاع، الذي كان لكل ممن سبقوه على سدة الحكم الصهيوني بمثابة الكابوس ولسان حالهم يردد ما تجرئ على البوح به أحد ضحاياهم إسحاق رابين بأن "ليت البحر يبتلع غزة".
ما كان يصح في زمن "رابين" ومن تلاه، يعتبر ترفًا لا يحلم به "أولمرت" في هذه المرحلة الضيقة والدقيقة التي يحتاج فيها أن يعمل تحت ضغط مختلف هذه المرة، وهو يعلم أن عليه مجاراة الخطة الكونية التي تحركها إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" قبل رحيلها خلال أقل من عام، وقد انعدمت الفرصة لها لاستبدال "أولمرت" بأي كاريزما أخرى، في غياب "ملك إسرائيل" شارون، ليتولى أهم بنود تلك الإستراتيجية في شرق المتوسط العربي، التي أزفت ساعة الانفجار فيه، بعد أن قُلب على نار كانت تستعر وتخفت تبعًا لتكتيكات السياسة الاستعمارية الحديثة، وكانت نقطة اللاعودة في تجلياتها إلقاء المدمرة "كول" رواسيها على مشارف الشواطئ الشرقية للمتوسط برفقة مثيلتها "ناسو" وثلة من السفن على شكل شبه أسطول، لتكون رأس الحربة المباشرة في الخاصرة العربية المتوسطية، ريثما ينهي أولمرت مهمته المناط بها في عموم فلسطين المحتلة والمحاصرة قبل بدء الاحتفال الكبير في خارطة الحرب المفتوحة.
هكذا أرادتها أمريكا في الربع ساعة الأخيرة قبل رحيل أحد أشرس أباطرتها. هكذا بدأها الكيان، الذي ما عاد بإمكانه بعد اليوم الاختباء خلف الحشود الأمريكية، وبات لزامًا عليه أن يكون شريكًا أكثر استعدادًا للتضحية إذا أراد الحفاظ على وجوده وأمنه الإستراتيجي، بل وأن يدفع ثمن انتكاساته العملية وما كلفته وحلفاءه من حرج وخلط أوراق للمشروع الأمريكي الهاجم على المنطقة، ليس ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا كما كان على مر عقود، بل عسكريًا كاسحًا هذه المرة، بعد "نضوج الظروف الموضوعية له –كما يرى - بتزايد عدد الاتباع والمواليين في المنطقة، بمواجهة تيار الممانعة الذي هو أيضًا أثبت نضوجه وبات أكثر خطورة طرديًا كلما تأخرت تلك الهجمة لكسر شوكة آخر حركات المقاومة العربية التي لا زالت تشكل العقبة الكأداء والشوكة في عين التنين، لا بد من انتزاعها حتى يتجلى الاحتلال.
سقط قناع الهجوم الأخير على غزة أو ما سمي بمعركة الأيام الخمسة، مع الكم الهائل من الشهداء الذي وصل في آخر إحصائياته إلى 125 شهيدًا، شكل انكسارًا حقيقيًا في السياسة الصهيونية، وشرخًا ستكون له انعكاساته على تيار السلطة في رام الله، التي باتت يومًا عن يوم تخسر آخر أوراقها في الشارع والنخبة الفلسطينية على حد سواء، بعد تماهيها المفجع مع الاحتلال، إما بالتصريحات أو بالممارسات على الأرض، وليخرج من الفوضى الإسرائيلية ما يدين تلك السلطة ويؤكد بعدها عن القضية الوطنية باتجاه مصالح غير مفهومة لم يثبت أي منها أنه كان لصالح القضية والشعب، خاصة وهي تختار الخندق المقابل للشعب الفلسطيني بمختلف اتجاهاته حتى تلك التي كانت فيما مضى شريكة في الهدف السياسي، فيما غزة تلهث ليل نهار في لملمة أشلاء أبنائها ورفع حطامها، وبعد أن صعدت السلطة في رام الله من لهجتها باتجاه قطاع غزة عمومًا والمقاومة خصوصًا، عبر اتهامات ابتدأت بتنامي القاعدة في القطاع ولم تنتهِ بإدانة صواريخ المقاومة.
ثم جاء الرد أخيرًا على هذه التهم ليس من حماس، بل وللمفاجئة جاء بتصريحات أولمرت وطاقمه الحربي بعيد إعلانه سحب قواته البرية من غزة حين قال في مؤتمره الصحافي: "إن الجيش لم يقم بعمليته الأخيرة في قطاع غزة في أعقاب تعرض عسقلان للرشقات الصاروخية، وإنما بعد أن أصبحت الظروف لها ناضجة" راميًا بعرض الحائط الحجة الأخيرة التي استخدمها النظام الرسمي العربي وسلطة رام الله لاتهام المقاومة بجلب الدمار على غزة، وبأنها كانت نتيجة ما سموه بـ"الصواريخ العبثية"، مؤكدًا في الوقت ذاته ما غيبه الإعلام العربي من أن تلك العملية لم تأت إلا ضمن خطة إستراتيجية كبرى كانت تنتظر نضوج الأوضاع الداخلية والدولية وتوفر الظروف الموضوعية العالمية التي هي بلا شك مستندة إلى الخطة الأمريكية تجاه كل من سوريا لبنان وإيران.
أما بالعودة إلى موضوع الصواريخ، فقد أثبتت المقاومة ارتقائها إلى مستوى جديد من التطور والنهج التقني الأكثر موضوعية بشهادات جنرالات العدو وإعلامه، خاصة باستخدامها للصواريخ التي جاءت ثمرة سنوات من الصراع التقني إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه، لتخلق توازن رعب جديد في هذه المرحل مع الكيان المحتل عبر وضعها في دائرة استهدافها أكثر من ربع مليون مستوطن، تكلف حكومة الاحتلال ميزانية ضخمة في مواجهة كل صاروخ وصلت وفق تقديرات إعلامية صهيونية إلى مائة ألف دولار، عدا ما يمكن أن يسببه الصاروخ من خراب وتدمير، وهو التدمير الذي كان شاهدًا عليه ما يسمى وزير الأمن الداخلي الصهيوني "إفي ديختر" الذي كان قاب قوسين من أن يسقط صريعًا بعد سقوط صاروخ على بعد أمتار من مكان وجوده وأدى إلى إصابة عدد من حراسه، علاوة على إصابة رئيس مستوطنة سيدوريت بشظايا صاروخ فلسطيني آخر، وهو ما يشير إضافة إلى التأثير النوعي للصواريخ ودقته، إلى القدرة الاستخبارية العالية وحجم الاختراق المذهل الذي نفذته المقاومة في صفوف العدو في معركة الردع.
كيف واجهت المقاومة الطيران ميدانيًا
إن حجم الدمار الهائل الذي خلفه العدوان على غزة وعدد الشهداء لا يدلل بأي حال على نجاح عسكري أو قدرات فذة، بقدر ما يدلل على الفوضى التي عانها الجيش وحجم الهلع والهستيريا التي عايشها مقاتلوه في القطاع، فأكثر من ربع الشهداء هم أطفال، والنصف موطنون في منازلهم، فيما أقل من الربع هم من المقاتلين الذين واجهوا تقدم الآليات البرية وتصدوا للطيران الحربي. ووفق شهادات وردت على مواقع المقاومة فقد تمكن المقاومون من التصدي لطيران العدو بالمدافع الرشاشة معتمدين على الدقة والخبرات العلمية أكثر من الاعتماد على نوع السلاح عبر ما أسموه "تقنية مواجهة الطيران بطريقة النجمة الخماسية" التي تربك الطيران وتوهمه بتعرضه لقوة نارية ضخمة، خاصة وأن رادارات الطيران لا تميز بين الطلقات الرشاشة والقذائف المضادة للطيران، وهو ما حصل فعلاً، فما كان من الطيران إلا إلقاء حمولته كيفما اتفق، والانسحاب على عجل.
وفي ظل عجز جيش الاحتلال الصهيوني عن الوصول إلى مخازن الصواريخ والقذائف التي تعتمد عليها المقاومة الفلسطينية في غزة لمواصلة صراعها مع الاحتلال، أقر مسئول عسكري صهيوني كبير بأن قواته عندما تفشل في الوصول إلى أماكن هذه الصواريخ تضرب في البيوت المدنية.
خسائر العدو الحقيقية
أما على الأرض فرغم تأخر المؤتمر الصحافي المنتظر من كتائب المقاومة، إلا أن نظرة تحليلية وقراءة مترابطة للأحداث تعطي شكلاً قريبًا للخسائر التي حصرها العدو بقتيلين وعشرين جريحًا. لقد اعتادت القوى الإمبريالية على إخفاء خسائرها دائمًا، والتغطية قدر الإمكان على قتلاها حفاظًا على معنويات الجماهير، ولتلمع مصداقيتها وتثبط من همم الحركات المقاومة، خاصة وأنها لا تستند عادة إلى على أهداف سياسية تقاومها معارضة داخلية بقدر ما تجد تأييدًا، وتستفيد من قدرتها الإعلامية وإمكانيتها في ترويج التصريحات الأولى التي تكون أكثر تأثيرًا حتى لو تم تكذيبها لاحقًا بعد أن تكون قد تجاوزت أخطار تغير الرأي العام في المراحل الحساسة، وحرب العراق شاهدة على ذلك، كما كانت بعده حرب تموز والقائمة تطول كلما تعمقنا بالتاريخ.
في معركة غزة، أعلنت مصادر للعدو عن سقوط ستة قتلى، قبل أن يعاد ويكذب الخبر وإبقاء الحال على اثنان، ومع نظرة للداخل الصهيوني لا بد أن نعيد النظر في هذا الرقم بناء على المعلومات الواردة منه.. ذكرت صحف وإذاعة العدو بعد انتهاء الأعمال القتالية عن مقتل ثلاثة شبان في حادث سير، تلاه خبر بعد ساعات عن مقتل اثنين من الجنود إثر انقلاب دبابة في مناورة تدريبية، وبعده بساعات أيضًا مقتل أربع شبان في حادث سير آخر (لاحظ أن الحديث لا يدور إلا عن شبان) وهذا يعيد إلى الأذهان تزايد أخبار قتلى حوادث السير في فترات الحروب التي يخوضها الكيان! من ناحية أخرى فإن مصادر المقاومة تحدثت عن عشرات القتلى، ووفق شهادات مقاتلين لموقع حركة حماس فإنهم واجهوا جنودا يصرخون بلغات ليس من بينها العبرية مما يعطي انطباعًا عن وجود مرتزقة (تذكر أخبار القتلى الفرنسيين والروس في معارك حزب الله والأوروبيين الشرقيين في الانتفاضة) ووفق مصادر حماس فإن قتلى الاحتلال لا يقلون عن عشرين جنديًا، وهو الرقم الأقرب إلى التصديق خاصة مع تصريحات جنود الاحتلال الذين تحدثوا عن معارك لم يشهدوها في حياتهم.
استراتيجية الاحتلال والجولة الجديدة
بلا شك فإنه مهما كانت الخسائر العسكرية والسياسية التي تعرض لها الكيان، فإنه لن يجد بُدًا من معاودة الكرة، وهو ما صرح به بطبيعة الحال أولمرت، فبقاء جيب من المقاومة المتقدمة بحجم غزة قائمًا حتى الآن لن يكون معطلاً للمشروع "الشرق أوسطي " الواسع تجاه المنطقة وحسب، بل سيكون بمثابة نافذة واسعة لامتداد الجيوب المقاومة وتوسعها وتكاثرها في المنطقة، وحافزًا لشعوب أخرى للاقتداء بالنموذج الفلسطيني الصامد.
تصريحات قادة الكيان قد تتباعد وقد تتقارب في بعض الأحيان، فهي لا تختلف إلا على نوع الهجوم على غزة، ولا تتفق إلا على إبادة المقاومة هناك وإعادة ما يسمى "التيار المعتدل" إلى هناك، فقد قالت مصادر إسرائيلية مطلعة: إن حشودًا عسكرية إسرائيلية تحيط بقطاع غزة من جميع الجهات، بما في ذلك من البحر، وأنها ستختار الوقت والمكان المناسبين لها لتوجيه ضربتها الجديدة.
الإستراتيجية العسكرية للكيان تعتمد على إستراتيجيات ثلاث، كما جاء في كتاب (أولاً ودائمًا! الخطة الخماسية للجيش الإسرائيلي) بأقلام نخبة من الخبراء العسكريين، وهي الردع، الحسم، والتحذير المبكر، وأضيف مركب رابع ألا وهو الدفاع، ويناقش في مؤتمر هرتسليا سنويًا كل الموضوعات في إطار تلك النظرية وهذا المؤتمر ينظمه (المركز الإسرائيلي العابر للتخصصات) وفي مؤتمر هرتسليا السابع الذي انعقد في 2007 حيث يعرض لتفصيلات الخطة الخماسية للجيش الإسرائيلي المسماة خطة تيفن 2012 والتي من المقرّر أن يبدأ العمل في تطبيقها في مطلع هذا العام 2008، وبحسب ما أعلن الناطق العسكريّ الإسرائيليّ، فإن هدف الخطة الرئيس هو بناء الجيش الإسرائيلي وتسليحه وتدريبه من أجل أن يكون في وسعه أن يؤدي مهمته وهي الدفاع عن دولة "إسرائيل" ومواطنيها، وبعبارة أخرى الاستعداد لحرب من نوع آخر.
في ثلاجة الموتى
إذن فهي الحرب المفتوحة، التي لم يكن تصريح حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بها عبثيًا، بل هو فهم منطقي للأحداث، وكان الرد عليه من قبل المقاومة الفلسطينية بإطلاق عملية "الحساب المفتوح" في تماهي آخر مع الفهم الموضوعي للأحداث، المقاومة الفلسطينية فهمت الخطة والدروس السابقة على خير وجه، وبالتالي فهي تعلم أن مراكبها العربية قد أحرقت عن بكرة أبيها وليس أمامها سوى القتال على الطريقة الإسبارطية مادام ظهرها إما للبحر، أو للجدار العربي المغلق بشراسة في وجه أي أمل لنصرة الشعب الفلسطيني.
وبعيدًا عن اللهجة الحادة، فإن النظام الرسمي العربي أثبت في عمومه أنه غير معني ببقاء حماس، وأن همه متقاطع مع الأهداف الأمريكية بعودة سلطة عباس لتقضي على أي بذور للمقاومة في غزة، ليصل الأمر إلى نتائج كارثية وصلت حتى الوضع الإنساني الذي يتجاوز أي حساسيات سياسية، ومثلته حكومة مصر بإغلاق حدودها في وجه جرحى العدوان، والاكتفاء بصور للاستهلاك الإعلامي عن بضعة جرحى تم استقبالهم في مشفى العريش الذي لا يتجاوز عمليًا بإمكاناته شكل مستوصف طوارئ، ما أدى حتى الآن إلى استشهاد أربعة فلسطينيين في هذا المستشفى، بسبب امتناع الحكومة المصرية عن استقبالهم في مستشفيات القاهرة ذات الإمكانات القادرة على معالجة مثل تلك الحالات، وهي تستعد لزيارة كونداليزا رايس، التي كانت موضع إصرار السلطة هناك لتناول وجبة الإفطار رغمًا عنها ـ ربما ليكون هناك عيش وملح بين الطرفين! ـ.
وإذا كان التعامل مع الحالات الإنسانية بهذه الطريقة، فإن المواقف السياسية ستكون أقل إثارة للاستغراب، بعد غياب أي إدانة رسمية للعدوان الصهيوني، بل والأكثر تناغمها مع لهجة الاحتلال بإدانة المقاومة كما جاء على لسان سفير مصر في الأمم المتحدة الذي أكد أن بلاده غير راضية عن إطلاق الصواريخ الفلسطينية وستسعى لإيجاد حل لها كما صرح لأحدى القنوات الأمريكية. ولعل لهذا ما يفسره بالرغبة العربية الملحة للانتهاء مما تسمى بقوى المقاومة العربية، خاصة وأن الملفات متشابكة في هذا الاتجاه، فدول الاعتدال تريد الخلاص من سيطرة سوريا على الوضع في لبنان حتى لو كان نتيجته حرب عليها، وتقوية سلطة عباس حتى لو أدى ذلك إلى مجازر، وهذان مترابطان بأكثر من رابط، وعليه فإن التصريحات في وسائل الإعلام من قبل المحللين والسياسيين الموالين للنظام العربي جاءت جميعها لتبرر هذا الصمت بهذا الاتجاه، لم يكن أقلها بطبيعة الحال تصريح وزير إعلام سلطة رام الله رياض المالكي حول التنديد بالمقاومة، ولا أكثرها إثارة للاستغراب، تنطع رئيس السلطة محمود عباس (الذي حيد قطاعًا مهمًا من المقاومة هم كتائب شهداء الأقصى بمنعهم من المشاركة في صد العدوان رغم تمرد جسم هائل على هذا القرار ـ بتصريح أثار الاستغراب حول استعداده للتوسط بين حماس و"إسرائيل" للتهدئة، وكأن من يتحدث هو رئيس دولة أوروبية أو آسيوية بعيدة عن الأحداث!!
"المحرقة" خرافة و(خُرافية) مرة أخرى
يعود الإعلام والسياسة العربية لإثبات ضياع هويته مقابل الآخرين في استخدامه المفرط لمصطلحات العدو بل وتكريرها بأكثر مما يحلم الطرف الآخر نفسه، في خدمة مجانية للأساطير المؤدلجة للصهيونية الحديثة. أبرز تجليات هذا الاختراق الثقافي اللغوي جاء عبر ترديد مصطلح ما يعرف "المحرقة" أو "الهولوكوست" الذي جاء على لسان مساعد وزير الحرب الصهيوني "ماتان فيلاني" متوعدًا غزة بما يدعى أن اليهود تعرضوا له على يد النظام الألماني قبيل الحرب العالمية الثانية، الذي تلقفته وسائل الإعلام والسياسة العربية كأنه مكسب إستراتيجي، في محاولة ساذجة لمقارنة المجازر اليومية التي يعيشها الشعب الفلسطيني بأكذوبة ما يسمى المحارق النازية وغرف الغاز، والتي أثبت بالدليل العلمي والتاريخي القاطع أنها محض خيال ودعاية ركيكة لم تترسخ في التاريخ إلا بفعل الكذب المتواصل والقمع الغربي لكل من يحاول مناقشة جدية هذه المعلومة، وهي الفكرة التي دفع في سبيلها العديد من الأساتذة والمؤرخين الأوروبيين سنوات من عمرهم خلف القضبان بسبب اقتراحهم بتفنيد هذه الأكذوبة، وقد ثبت أن غرف الغاز محض افتراء بسبب استحالة تنفيذها وفق تقنيات الزمن الحالي فما بالك بقبل سبعين عامًا، إضافة إلى أن ما يعرف بالمحارق كانت لحرق جثث الموتى التي انتشرت في شوارع المدن الألمانية من المدنيين الألمان وغيرهم من الأوروبيين منعًا لانتشار الأوبئة القاتلة بسبب وحشية القصف البريطاني عليه، الذي مثل بحد ذاته جريمة حرب، وهذا الكلام جاء على لسان قائد سلاح الجو البريطاني في تلك الفترة والذي صرح بأنه لولا انتصار الحلفاء لحوكم بصفته مجرم حرب.
وإذا كان العرب يعتقدون أنهم بهذه الطريقة يخطبون ود المشاعر الغربية، فهم من جانب إنما يكرسون الكذبة، ومن جانب آخر يحيلون المشكلة من أصوليتها المتمثلة في فرادة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، إلى فرعيات من قتل أكثر، هتلر أم الصهيونية، في جدلية ساذجة يرفضها أصلاً العالم الغربي لما يضفيه من قدسية على تلك الأكذوبة، فيما يقوم العرب بمحاول التطاول للمقارنة بها دون أن يصلوا عمليًا إلى هذا المكسب الوهمي، وهو إن دل على شيء فهو يدل على غياب الهوية وضياع الثقة وتفكك الإيمان القومي والوطني العربي لمواجهة أي تحديات، لن يخدم أبدًا أي نية صادقة تجاه القضايا العربية.