أنابوليس.. التطور الطبيعي للسلام

وليد نور
noor1425@hotmail.com
الخبر
أماط الرئيس الأمريكي جورج بوش اللثام عن هدف مؤتمره في "أنابوليس" عندما أبلغ ضيوفه العرب الذين لبوا نداءه واستجابوا لدعوته بحضور المؤتمر، باعترافه بالكيان الصهيوني "كوطن قومي للشعب اليهودي".
وجدد بوش بذلك ما كان قد طرحه خلال قمة العقبة، التي انعقدت في يونيو من العام 2003، عندما أعلن بوش في خطابه "أن من شأن قيام دولة فلسطينية ديمقراطية تعيش في سلام كامل مع "إسرائيل" أن يدفع إلى الأمام أمن وازدهار دولة إسرائيل، باعتبارها دولة يهودية".
التعليق
لعله لم يحظ مؤتمر من مؤتمرات "السلام" بمثل الضجيج الذي حظي به مؤتمر "أنابوليس"، ولعله لم يشهد مؤتمر من الخلاف الذي سبقه مثلما شهد ذلك المؤتمر، فحتى ساعات أخيرة قبيل انعقاده كان المجتمعون مختلفون فيما بينهم حتى في اسم الوثيقة التي يصدرونها.
أما الضجيج الذي سبق "أنابوليس" فلعل ذلك لأن المؤتمرين يريدون أن تكون أنابوليس مقبرة القضية الفلسطينية، ليس لتصفيتها في الاتفاقات والمعاهدات فحسب، فلعل ذلك أمر مفروغ منه عند المجتمعين، ولكن لتصفيتها في قلوب المسلمين ولمحو القدس من تاريخ المسلمين وعقولهم وقلوبهم قبل محوه من أرض الواقع كما يحلمون.
أما الخلاف فجوهره ضعف المتآمرين، فمحمود عباس يعلم أنه لا يستطيع التنازل أكثر، ليس كرامة ودفاعًا، ولكن لأنه يعلم أن الاقتراب الأكثر يعنى موتًا أسرع، وإن كان البقاء في الكرسي هدفًا، فالبقاء على قيد الحياة أسمى غاية.
عباس يعلم أنه ليس "ياسر عرفات"، ليعود فلسطين وهو يرفع شعار "سلام الشجعان"، ليس هو عرفات ليهتف به الفلسطينيون "يا جبل ما يهزك ريح".
ولكن عباس أيضًا يعلم أنه ما جاء إلا ليكمل ما عجز عرفات عن إتمامه، عندما رفض خطة باراك لبيع القدس.
لذلك فإن عباس ضعيف، يريد أن يكمل مهمته ولكن يخشى من العاقبة، غير أن أمريكا حاولت أن تسهل عليه مهمته فحشدت له دول التحدي والصمود وكثيرين خلفهم ليدفعوا عباس نحو الخطوة الأخيرة.
التطور الطبيعي للسلام:
هل تكون مصادفة أن يعقد مؤتمر أنابوليس في الشهر نفسه الذي شهد أولى خطوات "السلام" عندما توجه الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" إلى فلسطين المحتلة في 19 نوفمبر 1977.
وهي الخطوة التي أثارت العرب والمسلمين وقاطعت على إثرها مصر، غير أن أمريكا وإسرائيل نجحت بعد ثلاثين عامًا أن تجمع في مشهد واحد دولاً لم يتصور في يوم ما أن تجتمع مع إسرائيل.
لقد بدأ طريق "السلام" بزيارة إلى القدس، وها هو الآن يصل إلى محطة "بيع القدس"، أليس هاهو أولمرت وزمرته يطرحون في مؤتمر أنابوليس أمورًا لم يكن يحلم إسحاق شامير أو أريئيل شارون بمجرد طرحها سابقًا، ومنها يهودية الدولة وترحيل فلسطينيي الـ48 من داخل الكيان الصهيوني إلى الدولة الفلسطينية، وإلغاء حق العودة في مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكذلك تطبيع العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني قبل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والأخطر من ذلك التأكيد على أن "القدس" عاصمة أبدية لدولة "إسرائيل" المزعومة.
بدأ طريق "السلام" برفض عربي، وهاهو أولمرت ينتظر من العرب أن يهرعوا إلى فلسطين المحتلة لفتح مكاتب قنصلية وعلاقات دبلوماسية مع "شذاذ الآفاق".
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن وزيرة الخارجية الصهيونية "تسيبي ليفني" تضيف محطة جديدة في طريق السلام، حيث تقول "ليفني": "إن الصراعالحقيقي في المنطقة ليس صراعًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا حتى صراعًا بين العرب واليهود، إنّما هو في الحقيقة صراع بين (المعتدلين)، و(المتطرفين).
وتضيف: "إنّ السياسة الإسرائيلية يجب أن تكون سياسة مزدوجة، بحيث تقوم بمهمتين في وقت واحد:
1- محاربة المتطرفين وعزلهم.
2- تقوية المعتدلين وبناء جسور التفاهم والتعاون معهم".
وهكذا يكون التطور الطبيعي للسلام، فكل من يعارض "إسرائيل" فهو إرهابي، ومتطرف، ويجب أن يحتشد العالم الإسلامي لمحاربته وقتله.
ولنا كلمة:
يستطيع المشاركون في أنابوليس أن يقدموا من الحجج والبراهين ما يجعل مشاركتهم ضرورة وفرض عين، ولكن أيًا كان ما قدموه فقد قدم مثله أناس قبلهم، ولكن أين هم، وإلى أين ألقى بهم التاريخ.
إن على المشاركين في أنابوليس، وعلى إسرائيل وأمريكا أن يعودوا إلى التاريخ ليقرءوه، ليقرءوا تاريخ منطقة الشام، ليقرءوا تاريخ فلسطين، لقد مر على تلك الأرض كثيرون، منهم من باع دمه وحياته من أجلها، ومنهم من باعها من أجل دمه وحياته، وذهب الجميع وبقيت فلسطين.