اليونان .. كلمة السر الصهيونية لإبتزاز تركيا

الخبر: قرر سلاح الجو "الإسرائيلي" وقف التدريبات الجوية المشتركة التي كان يجريها مع تركيا ونقل تدريباته مع الجيش اليوناني.
التعليق :
د. سـامح عبـاس
مفكرة الإسلام : كعادته في ممارسة الإبتزاز السياسي على المستوى الدولي، قام الكيان الصهيوني مؤخراً بمحاولة جديدة لإغراء تركيا وابتزازها بالورقة اليونانية، وقامت الحكومة الصهيونية بتسريب معلومات لوسائل الإعلام "الإسرائيلية" تفيد اعتزام تل أبيب توطيد علاقاتها مع أثينا - العدو التاريخي والتقليدي لأنقرة - وجعل اليونان البديل الاستراتيجي لها فى منطقة البحر المتوسط. وحسب ما ذكره الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي المعروف، عوديد عيران، فى ورقته البحثية التى نشرتها مجلة "مباط عال" للشؤون الاستراتيجية الصادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني فقد تبادل المسئولون فى أثينا وتل أبيب الزيارات المكثفة فى الفترة القصيرة الماضية، وتناولوا فيها موضوعات هى الأولى من نوعها فى تاريخ العلاقات بين البلدين. ولعل زيارة رئيس الوزراء اليوناني جورج بابانداريو لتل أبيب، والتى قابلتها زيارة من بنيامين نتنياهو لأثينا لخير دليل على تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه تركيا، وتحويل الدفة إلى اليونان.
وربما الخسائر التى تكبدتها "إسرائيل" من المواقف التركية الشجاعة بقيادة رئيس وزرائها رجب طيب أردوجان، وتمسك تركيا بضرورة قيام تل أبيب بتقديم إعتذارا رسمي لاعتدائها الغاشم على أفراد أسطول الحرية التركي لكسر الحصار عن قطاع غزة، جعلها تفكر فى البحث عن الوسائل المناسبة التى من خلالها يمكنها إبتزاز تركيا وإغرائها فى الوقت ذاته لعودة المياه العكرة بين البلدين إلى صفائها المعهود قبل العدوان الصهيوني على قطاع غزة فى مطلع عام 2009. وهناك عدة محاور رئيسية تدفع الكيان الصهيوني للعمل على إعادة العلاقات مع تركيا، لاسيما العلاقات العسكرية، التى كانت دوماً كلمة السر فى تحسن العلاقات بين البلدين:
- تركيا بوصفها من أكبر الدول الإسلامية خارج نطاق العالم العربي، كانت دوماً ورقة فى يد "إسرائيل" لإغراء العرب والدول الإسلامية الأخرى لفتح أبواب التطبيع معها، حيث منحتها العلاقات مع تركيا، الشرعية الدينية لإقامة علاقات مماثلة مع دول إسلامية أخرى ذات طابع علماني، مثل تركيا.
- التعاون العسكري الوطيد مع تركيا، أتاح "لإسرائيل" الفرصة لتجنب الدخول فى صراع مع قوة إقليمية كبرى تمتلك كافة المقومات مثل تركيا. وهو ما ثبت عقب تدهور العلاقات مع البلدين، فإسرائيل تخشى من قيام تركيا بالاستعانة بقوى إقليمية أخرى، مثل إيران أو سوريا، تهدد مكانتها وأمنها بل ووجودها.
- بتدهور العلاقات مع تركيا ستفقد "إسرائيل" أكبر شريك اقتصادي لها فى منطقة الشرق الأوسط، لاسيما فى مجال الطاقة، خاصة وأن أهمية تركيا الاقتصادية تتزايد يوماً بعد يوم، فى ظل تحولها لمركز دولي لتجميع الطاقة، لاسيما الغاز الطبيعي .
- إن الموقع الإقليمي لتركيا فى منطقة الشرق الأوسط ووجودها على حدود مع دول على عداء مستحكم مع إسرائيل، مثل سوريا، العراق وإيران يزيد المخاوف لدى قادة تل أبيب من إمكانية استخدام أي من تلك الدول للأراضي التركية لتنفيذ عمليات ضد الكيان الصهيوني، كما أن تركيا يمكن أن تكون محطة نقل جيدة للأسلحة العسكرية لهذه الدول. ولا يخفى اتهامات بعد القيادات العسكرية الصهيونية بضلوع تركيا فى عمليات نقل السلاح للبنان، ومنها لحزب الله.
الموساد فى قلب تركيا
وعلى ضوء المخاوف الصهيونية المتصاعدة مع حدوث قطيعة دائمة بين أنقرة وتل أبيب فى جميع المجالات، دعا الخبير الصهيوني عيران، فى ورقته البحثية، إلى ضرورة تركيز الموساد وباقي أجهزة المخابرات الإسرائيلية على التطورات والتحركات التى تشهدها الساحة الداخلية التركية، لما تمثله من أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل، خاصة وأن الأخيرة لم تكن تهتم مخابراتياً بتركيا وما يحدث فيها قبل ذلك، لكن التدهور الحاد الذى شهدته العلاقات الاستراتيجية بينهما يلزم قادة تل أبيب مراقبة تركيا مخابراتياً.
الخلل الاستراتيجي الصهيوني
وعلى الرغم من الأهمية الكبرى التى تمثلها تركيا بالنسبة لإسرائيل سواء من الناحية الأمنية، الاقتصادية والجغرافية، لكن اليونان لن تلبي كافة الطموحات الإقليمية الإسرائيلية، لذا فمن المرجح أن تقوم إسرائيل بمجرد التلويح بالورقة اليونانية فقط لإغراء أنقرة بإعادة العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل إلى ما كانت عليه.
وتحاول إسرائيل بالتقارب من اليونان - مستغلة أزمتها الاقتصادية الطاحنة التى تعاني منها - تقليل الخسائر والأضرار التى لحقت بها جراء تدهور علاقاتها مع تركيا، خاصة عقب التغير الجذري الذى شهدته السياسة الخارجية التركية فى الآونة الأخيرة وتقاربها مع كل من إيران، سوريا وحماس مما أدى إلى حدوث خلل فى الميزان الاستراتيجي مع إسرائيل، وأن هذا التغيير فى السياسة التركية لا يثير قلق الكيان الصهيوني فحسب، بل قلق عدد من دول منطقة الشرق الأوسط.
ومما شجع تل أبيب على استغلال الورقة اليونانية لتلاعب بها تركيا هو القلق الذى تشعر به أثينا من تعاظم قوة منافستها الإقليمية، أنقرة، خاصة مع احتدام الخلافات بينهما حول الجزيرة القبرصية، وفى الوقت ذاته هناك قلقاً يونانياً من تعاظم الدور الاقليمي لتركيا، وانعكاسات ذلك على الساحة الداخلية التركية.
تدريبات جوية
ومن ملامح التطور فى العلاقات بين تل أبيب وأثينا هو سماح الأخيرة لسلاح الطيران الصهيوني بإجراء تدريبات عسكرية فوق الأجواء اليونانية، بعد أن كانت تتم تلك التدريبات فى الأجواء التركية. إلى جانب ذلك تنظر تل أبيب إلى مجال الطاقة حالياً على أنه إحدى المجالات الاستراتيجية التى يمكن أن تتعاون فيها مع اليونان، حيث تعتزم جعل اليونان مركزاً لنقل الغاز الطبيعي فى منطقة البحر المتوسط بدلاً من تركيا، وتسعى لحشد تأييد قبرص ومصر والفلسطينيين لاستخدام اليونان كمحطة لنقل الغاز الطبيعي في أراضيها إلى أوروبا بدلاً من تركيا.
ومن بين المجالات الأخرى التى يمكن أن تكون فيها اليونان بديلاً لتركيا بالنسبة لإسرائيل، مجالات السياحة والاقتصاد، حيث من المقرر أن تتحول السياحة الإسرائيلية الدائمة لتركيا إلى اليونان وجزرها الشهيرة، الأمر الذى سيحدث انتعاشة ملحوظة فى قطاع السياحة اليوناني الذى لحق به أضراراً بالغة بسبب الأزمة الاقتصادية. كما أن تلك الأزمة ستجعل إسرائيل تقدم يد العون لليونان للخروج من كبوتها الاقتصادية، ما سيسهم فى دعم العلاقات بين البلدين.
ورطة الكيان الصهيوني
لكن مع ذلك تجد إسرائيل نفسها فى ورطة حقيقية بسبب تدهور علاقاتها مع تركيا، حيث أن هناك بعض المجالات لا يمكن لليونان أن تكون بديلاً لتركيا، خاصة فى مجال الصفقات العسكرية، حيث تواجه إسرائيل صعوبة بالغة فى اختراق سوق الأسلحة العسكرية اليوناني التى تسيطر عليه شركات الصناعات العسكرية الأمريكية والأوروبية. وهو ما يمثل صدمة قوية لشركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية التى كانت تعتمد على تركيا كزبون رئيسي لمنتجاتها العسكرية.
وعلى الرغم من التلاعب الإسرائيلي بالورقة اليونانية لإغراء تركيا، وإدراك تل أبيب أن البديل اليوناني لن يمكنه ملء الفراغ الاستراتيجي الذى نتج عن تدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل، لكن الخبير الإسرائيلي عوديد عيران يرى أن اليونان تُعد فرصة استثمار جيدة لإسرائيل للإنتقام من تركيا، التى أصابت تل أبيب بخيبة أمل فى علاقاتها معها.
إجمالاً نشير إلى أن حكومة أردوغان ذات التوجهات القومية الإسلامية نجحت فى إخراج الدولة التركية من تحت العباءة الصهيونية، التى كانت تسئ لها كثيراً باعتبارها من أكبر الدول فى العالم، وأن علاقاتها الوطيدة مع الكيان الصهيوني سحب كثير من رصيدها لدى الدول الدول العربية والإسلامية، والذي نجح أردوغان فى استعادته وبقوة، وباتت تركيا تحت قيادته مؤهلة للعودة للعب دورها الإقليمي والإسلامي فى شتى القضايا.