سلسلة الرقابة الإدارية (5) ما هي الرقابة المالية؟

محمد أحمد العطار
يقول الدكتور فايز الزغبي: (لا تقل أهمية الرقابة المالية عن أهمية الرقابة في الجوانب الوظيفية الآخرى في المنظمة، ولا يكتفي بالرقابة على كمية وجودة الإنتاج والشراء والتخزين وعلى الأفراد والتسويق ما لم يكن هناك أيضًا نشاط رقابي فاعل يَحكُم التصرفات المالية؛ لضمان سير الأمور كما يجب ولغاية الوصول إلى أهداف المنظمة)، لهذا عزيزي القارئ سنتعرف سويًّا على الرقابة المالية وأهميتها.
أولًا ـ الرقابة على الوظيفة المالية:
تتعلق الوظيفة المالية في المنظمات بشكل عام بالشؤون المالية من حيث تدبير الأموال للمنظمة من مصادرها المعروفة (الاستدانة، التمويل الذاتي)، واستخدامها بتوجيهها لمجالات استثمارية تناسب طبيعة النشاط الذي تمارسه المنظمة بتوفيرها لعناصر الأصول الثابتة من آلات ومعدات، وعناصر الأصول المتداولة من مواد ومصروفات إلزامية بما يسمح في النهاية بتحقيق معدل عائد كافٍ لإشباع رغبات الملاك من حملة الأسهم.
ويقول الدكتور زكي محمود هاشم عن الرقابة المالية: (ويشمل ذلك الرقابة على تكاليف العمليات وعلى الاستثمارات وعلى المركز النقدي للتأكد من قدرة المشروع على الوفاء بالتزاماته في مواعيدها، ومقارنة الوضع الفعلي بالموازنة التخطيطية النقدية، والموازنة التخطيطية للمصروفات الرأسمالية وغيرها.
كذلك الرقابة على مدى استخدام الاعتمادات المالية استخدامًا اقتصاديًا مُثمرًا، وذلك بمراقبة الأرباح والخسائر سواءً بالنسبة لوحدات المشروع أو لمنتجاته، والوقوف على أسباب ذلك، ومدى إمكانية تلافي الخسائر إن وجدت).
ويُضِيف ميشيل أرمسترونج عن مبادئ المراقبة المالية فيقول: (مبادئ المراقبة الخمسة هي: تخطيط ما يجب تحقيقه، قياس ما تم تحقيقه، مقارنة الإنجازات الفعلية مع الخطة، إتخاذ إجراء لتصحيح الإنحرافات عن الخطة، نتائج التغذية الاسترجاعية لكي يتم تعديل الخطة عند الحاجة).
ويقول الدكتور فايز الزغبي: (وتنبع أهمية الرقابة المالية من كَونِها رقابة قانونية ومالية تحكم التصرفات المالية والمحاسبية والإدارية ذات الطابع المالي، والميزانيات بأنواعها في المنظمة، وقوائم الإيرادات والنفقات والسجلات المحاسبية، وذلك لغرض التأكد من مطابقتها للقواعد والقيود والمعايير والصلاحيات المالية.
كما تنبع أهميتها من كونها رقابة مالية تقوم بمراقبة القوائم المالية بأنواعها كميزانية المنظمة العامة، وقائمة الأرباح والخسائر، وميزانية تدفق الأموال، بالإضافة إلى رقابة وتقييم ربحية المنظمة ومديونيتها، هذا بالإضافة إلى القيام بعملية الرقابة على التصرفات الإدارية ذات الطابع المالي، والتي تؤثر بشكل مباشر على تكلفة وربحية المنظمة خلال فترة زمنية محددة.
أي أن الرقابة المالية تستمد أهميتها من كونها نظام شامل، يتطلب التكامل بين المفاهيم القانونية كالأنظمة والتعليمات والمفاهيم والمبادئ الاقتصادية والمحاسبية والإدارية، والتي تهدف في النهاية إلى المحافظة على أموال المنظمة، وضمان استغلالها بالطريقة التي تؤدي إلى رفع كفاءة المنظمة، والنهوض بفاعلية نشاطتها وتحقيق أهدافها).
ثانيًا ـ أنواع الرقابة المالية:
إن الحديث عن أنواع الرقابة المالية لا يُقصد به استقلالية كل نوع من الآخر على المستوى العملي، بل جاء هذا التقسيم تبعًا للزاوية التي ينظر إلى الرقابة المالية من خلالها، وبهذا تُصنَّف الرقابة المالية إلى أنواع حسب الزمن الذي تُمارس فيه وبحسب الموقع الذي تمارس منه.
أ- الرقابة المالية من حيث الزمن:
تُقسَّم الرقابة هنا إلى ثلاثة أنواع وعادة تسمى مراحل الرقابة، ويتم القيام بإجراءات الرقابة في كل نوع أو مرحلة وفقًا لفلسفة الرقابة المُطبَّقة في المنظمة، وقد لا يَلغي الأخذ بأي من هذه الأنواع تطبيق الأنواع الأخرى في عملية الرقابة المالية.
1. الرقابة السابقة:
يهدف هذا النوع من الرقابة إلى التأكد من مشروعية التصرف المالي قبل القيام به، وعادة ما يتم القيام بهذا النوع من الرقابة بالإعتماد على الإجراءات الخاصة بالتصرف المالي، وعلى الإلتزام بالارتباطات المالية مثل رقابة إجراءات التصرف النقدي أو الإجراءات الخاصة بدفع النقود أو تحصيلها.
ومن العادة أن تقوم بهذه الممارسات الرقابية دائرة أو قسم المحاسبة في المنظمة، ويسمى هذا النوع من الرقابة بالرقابة التوجيهية أو الوقائية، حيث يتم منع الوقوع في الخطأ قبل حدوثه.
2. الرقابة الملازمة:
بسبب تعقيد العمليات الإدارية والتشغيلية في المنظمات الصناعية والتجارية، وضرورة إنجاز المهام الإدارية في عالم يتصف بالسرعة والتغيير وخاصة في بيئات الأعمال، أصبح الاعتماد على الرقابة الملازمة ضرورة حتمية، وتتصف الرقابة الملازمة بالمراجعة المتدرجة والمتلاحقة لتنفيذ الاعمال، ومقارنة الأرقام الفعلية مع الأرقام المتوقعة بشكل متواصل.
3. الرقابة اللاحقة:
يُقصد بهذا النوع من الرقابة بمراجعة التصرفات المالية في نهاية فترة التنفيذ، فمن وجهة النظر المحاسبية يتم وفقًا لهذا النوع من الرقابة مراجعة وفحص السجلات المالية، والمستندات المحاسبية الخاصة بصرف وتحصيل الاموال.
أما من الناحية المالية فيتم مراجعة النتائج المالية وخاصة ما يتعلق منها بنسب الارباح، ونسب المديونية والسيولة، ومعدلات دوران رأس المال والمخزون السلعي، ومعدلات العائد على رأس المال .. إلخ، وذلك لهدف معرفة المخالفات المالية وطبيعة الأخطاء التي ارتكبها المنفذون، كما تتم مراجعة الأساليب والطرق والكيفيات التي تمت بواسطتها الممارسات المالية موضع التقييم.
ب- الرقابة المالية من حيث المكان:
تنقسم الرقابة هنا إلى نوعين: رقابة داخلية ورقابة خارجية.
1. الرقابة الداخلية:
يُمَارَس هذا النوع من الرقابة من داخل الوحدة الإدارية، أي من داخل الإطار التنظيمي للوحدة الإدارية التي تقوم بتنفيذ الممارسات المالية، ويتم ذلك بواسطة شخص أو جهاز رقابي تكون مهمته القيام بمراقبة التصرفات المالية والمحاسبية، وعادة ما يتم الأخذ بفلسفة الرقابة الملازمة أو السابقة في هذه الحالة.
أما إذا وُكِّلت مهمة الرقابة بمدير الوحدة الإدارية، فإنه يتم تطبيق الرقابة اللاحقة، وذلك لغرض تسهيل عملية تنفيذ النشاطات والمهام الإدارية والمالية في الوحدة الإدارية المَعنية.
2. الرقابة الخارجية:
وهذا النوع من الرقابة عادةً يُمَارَس من قبل أشخاص أو جهات خارجية، أي من خارج الوحدة الإدارية أو من خارج المنظمة، ويعتمد تحديد مسؤولية الرقابة الخارجية على نوع التصرف المالي ومجالاته، فقد يُوكل لجهاز الرقابة في المنظمة بمراقبة التصرفات المالية والمحاسبية ذات الطابع الإجرائي في الوحدات الإدارية في المنظمة.
بينما قد تُوكل مهمة رقابة وتقييم التصرفات المالية ذات الأثر الملموس على النتائج والأهداف المالية السنوية للإدارة العليا في المنظمة، أو لجهة خارجية استشارية متخصصة في عمليات التدقيق والتحليل المالي، كما هو الحال في مجالات تحليل نسب الأرباح والإيراد والمديونية ومعدلات الدوران السنوية ... إلخ.
ثالثًا ـ مراحل الرقابة المالية:
تسير عملية الرقابة المالية عادة ضمن الخطوات التالية:
1. مرحلة التوقع: والتي يقوم من خلالها المسؤولون عن الرقابة المالية بوضع التصورات والتوقعات المترجمة إلى نتائج وأهداف يرغب بالوصول إليها خلال فترة زمنية محددة.
2. مرحلة جمع المعلومات: تعني هذه المرحلة بجمع المعلومات من المصادر أو نقاط تجمع المعلومات والمحددة في نظام الرقابة مُسبقًا.
3. مرحلة التحليل وإعداد التقارير المالية: يتم في هذه المرحلة تحليل المعلومات المالية حسب الطرق والوسائل المحددة، ومقارنة النتائج مع الأرقام أو النسب المعيارية لمعرفة فيما إذا كانت النتائج الفعلية مقبولة ومتفقة مع المعايير النموذجية أم لا.
رابعًا ـ طرق رقابة وتقييم المعلومات المالية:
· طريقة المقارنة التاريخية: يقصد بهذه الطريقة القيام بمقارنة المعلومات لفترة زمنية بمعلومات فترة زمنية سابقة أو بمتوسط ملعومات فترات سابقة.
فمثلًا بعد القيام بجمع المعلومات المالية عن نشاط الإنتاج وتحليلها لمعرفة كفاءة إدارة الإنتاج فيما يتعلق بتكلفة السلعة المصنعة، وجد أن تكلفة العمل كعنصر رئيسي من عناصر عملية الإنتاج قد إزداد لسنة 1988 مقارنة بنسبة 1987 كما هو مبين في المثال أدناه، على افتراض ثبات الأجور وكمية الإنتاج وجودته، كما تدل المقارنة على أن تكلفة المواد الأولية قد انخفضت لنفس السنة مقارنة بأرقام السنوات السابقة:
| 1986 | 1987 | 1988 | |
| تكلفة العمالة المباشرة تكلفة المواد الأولية تكلفة المواد المساعدة تكلفة الطاقة صيانة آلات ومعدات تكلفة الإشراف | 450 500 90 60 50 70 | 450 500 90 60 50 70 | 550 450 120 50 50 60 |
| الإجمالي | 1220 | 1220 | 1280 |
ولكن المشكلة في استخدام هذه الطريقة أنها تفترض ثابت العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على النشاط المعني بالتقييم، لهاذ لابد من استخدام طرق أخرى أكثر واقعية.
· طريقة المقارنة بالمعايير المتوقعة: تعتبر هذه الطريقة هي الأفضل والأنسب للحكم على كفاءة وفعالية النشاطات الإدارية والأعمال ذات الطبيعة المالية، ووفقًا لهذه الطريقة يتم الرجوع إلى الأهداف والمعايير التي تم تحديدها في الخطط أو في البرامج الفرعية؛ لغرض مقارنتها بمستويات الأداء المالي الفعلي، ومن ثَمَّ تحديد مقدار الانحراف أو الاختلاف بين المستويين.
فمثلًا يتم تحديد طرق القيام بالعمل لأغراض الرقابة على النشاطات المالية في دائرة الإنتاج من خلال وضع برامج وجداول الإنتاج، والتي تُحدِّد بموجبها كميات السلع المنوي إنتاجها، ومكونات أو عناصر السلعة وتكاليفها، والأوقات الزمنية اللازمة لإتمام كل برنامج أو جدول إنتاجي، والتفصيلات الفنية وكمية المواد الأولية والمساعدة والآلات والمعدات، والأجهزة وأسعار شراء المواد وتكاليف شحنها وتخزينها ... إلخ.
وعلى ضوء ما سبق يتم احتساب أرقام ونسب التكاليف المتوقعة حيث تسمى معايير التكلفة والتي على ضوئها يتم وضع ميزانيات التشغيل التي تتضمن معاييرًا مالية يجب الوصول إليها خلال الفترة الزمنية المحددة.
وبعد إتمام العملية الإنتاجية أو خلال القيام بها يتم القيام بعملية الرقابة المالية على نشاطات الإنتاج لتحديد كفاءة إدارة الإنتاج ماليًا وذلك من خلال مقارنة الأرقام الفعلية للنشاطات المالية مع المعايير الواردة في ميزانيات التشغيل.
وأخيرًا نختم بما قاله الدكتور فايز الزغبي: (إن وجود نظام رقابي مختص بالأمور المالية في المنظمة يعتبر ضرورة حتمية|؛ وذلك لضمان التكامل والتنسيق بين الأفراد المعنيين أو المكلفين بتخطيط النشاطات المالية وبين المكلفين بتنفيذ تلك النشاطات).
لهذا فإن للرقابة المالية دورًا مهمًّا في المنظمة، لهذا عليك عزيزي القارئ أن تهتم بتلك الرقابة وذلك من خلال الطرق التي قد شرحناها حتى تنجح شركتك وتكون من أقوى الشركات.
أهم المراجع:
1. مبادئ إدارة الأعمال، أ.د.أحمد بن عبد الرحمن الشميمري، أ.د.عبد الرحمن بن أحمد هيجان، د.بشري بنت بدير المرسي غنام.
2. أساسيات الإدارة، د.زكي محمود هاشم.
3. الرقابة الإدارية في منظمات الأعمال، د.فايز الزغبي.
4. تقنيات الإدارة، ميشيل أرمسترونج.