ساركوزي.. "بوش الصغير" في فرنسا

إعداد: سارة عبد الحميد
" إذا كنتُ عقب مرور 25 عامًا في الحياة السياسية، وكان اللوم الوحيد القوى تجاهي هو أني قريب جدًا من دولة لم ندخل معها قط في حروب، دولة قمنا سويًّا في الماضي بالمكافحة لاستئصال النازية، ونحارب اليوم سويًّا لقهر الإرهاب الدولي؛ فإني أشعر أني قادر على تحمل المسئولية".
" إنها دولة تعرف منذ ما يقرب من 15 عامًا توظيف كامل للأيدي العاملة، دولة نموها الاقتصادي يتفوق علينا سنويًّا بدرجة أو درجة ونصف، دولة تسودها الديمقراطية التي تخلط بانسجام بين التوفيق والاستقرار السياسي".
" لست من المصابين بالحب الأعمى للولايات المتحدة، ولكن أيّ مراقب حَسن النية، ينبغي عليه أن يرى هذه الحصيلة غير المخزية، وليس لدينا أي سبب للغضب من الشعب الأمريكي".
"من وجهة نظري، تعتبر أزمة عام 2003 أكثر الأزمات التي عايشتها فرنسا مع الولايات المتحدة ،منذ عام 1966 ورحيل الأمريكيين عن قواعدهم بفرنسا، بناءً على طلب من الجنرال "دو جول". تعد الأزمة التي نشأت إبان حرب العراق خطيرة، لأنها كانت أزمة انفعالية، لقد شعر الأمريكيون أن الأمة التي يشعرون بالقرب منها بالقيم والتاريخ تركتهم".
تلك هي الكلمات التي أدلى بها "نيكولا ساركوزي" ,وزير الداخلية الفرنسي والمرشح الأوفر حظًا في الانتخابات الفرنسية المقبلة تعليقًا على سفره للولايات المتحدة، والذي أثار انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية في فرنسا، وحسبما ذكر موقع "صوت المظلومين" الناطق بالفرنسية.
...وكانت هذه الزيارةالتي يقوم "ساركوزي" تتجسد في شخصيتين، الأولى: قيام "ساركوزي" بزيارة رسمية بمثابة وزير داخلية ووزير دولة ،والرجل الثاني بالحكومة الفرنسية، أما الثانية: فهي شخصية "متخفية" تهدف لتعزيز وضعه الدولي وتأكيد مساندة الفرنسيين للولايات المتحدة.
وذكرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، رأي المفكر والنائب الفرنسي "بيير لولوش" الصهيوني :أن انتشار الأسلحة النووية على مشارف المدن الأوروبية وعدم اندماج عدد من الدول في النطاق الأوروبي، وتعدد صراعات العالم العربي، كل هذه القضايا تتطلب" في رأيه", اتحادًا لكبرى الدول الديمقراطية أكثر من الأول، ليتم اتخاذ قرارات مشتركة وتصبح الاستراتيجيات مشتركة في مجال الاستخبارات ومكافحة "الإرهاب" وكذلك لتنمية وإعلاء الديمقراطية.
واستطرد في كتابته قائلًا : إن التحالف الفرنسي الأمريكي يجب أن يظل متماسكًا ولكن هذا لا يعني أي "انضمام" ولكنه يعني ويوضح كيفية الدفاع عن مصالحها ،دون الخوض في حرب كلامية عقيمة،و التي ظهرت في بداية القضية العراقية المحزنة.
وقال النائب الفرنسي :" لقد تمكنا من إحلال السلام في دول البلقان لأننا تعاملنًَا معًا، إني أذكر أنه بفضل "الناتو" ودون تفويض واضح من الأمم المتحدة، حاربنا سويًا "الإرهاب" في أفغانستان ،ونسعى في إطار الجهود المشتركة من منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في العالم".
إلا أن بعض الخبراء الفرنسيين, رأوا أن هذه الزيارة هي سياسة جديدة، فقد أشار "دومينيك مويسي" خبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية":نيكولا ساركوزي يتحدث بلهجة جديدة مع أمريكا، فليس لديه الخلفية القديمة المناهضة لأمريكا، التي يحملها أغلب رجال السياسة الفرنسيين؛ وبخلاف "دو فيلبان" الذي قال: نحن لا نركض وراء الولايات المتحدة ولكن بجانبها". فإن "ساركوزي" الذي يتوخى الحذر، لعدم تلقى الكلام اللاذع من شيراك، يٌعِد أفكار الفرنسيين لتغيير جذري تجاه الولايات المتحدة.
وقد استطرد" دومينيك مويسي" قائلاً: "إن ساركوزي قد يشكل مخاطر حقيقية برفضه السير في اتجاه مناهضة الأمريكيين مثل الرأي العام الحكومي"، في حين أن معارضة الولايات المتحدة كان حدثًَا مؤثرًا في شخصية "دومينيك دو فيلبان"، وأن قرار عدم المشاركة في حرب العراق تظل الورقة الأكثر ثقلًا في حصيلة "شيراك".
ووفقًا لأحد المقربين من وزير الداخلية الفرنسي، يعتبر "ساركوزي" رئيس حزب الاتحاد من الحركة الشعبية الحاكمة، أنه لا ينبغي أن تغضب فرنسا مع القوة الأولى في العالم، وأنها تشاركها نفس القيم التي تسري عليها، فهل نواصل عدائنا أم هل ننضم جنبًا إلى جنب للتعاون بشكل جيد؟".
وكانت الصحف الأمريكية والفرنسية قد أشارت إلى الصفة الاستثنائية, لمستوى اللقاءات التي أجراها وزير فرنسي.
وها نحن على مشارف الانتخابات الفرنسية ،التي يتبقى عليها سبعة أشهر، فالبعض يرى أن "ساركوزي الأمريكي" سيقتفي أثر مواقف واشنطن؛ وبالنسبة لآخرين فإنه " سيأخذ أوامره من البيت الأبيض" ,في إطار الرئاسة القادمة.
وكانت هذه الزيارة قد أثارت تساؤلات عديدة من مختلف الأحزاب، وكان منها الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي طلب "توضيحًا" حول تصرفات رئيس حزب الأغلبية اليميني الحاكم في نيويورك، حيث لعب دور "الوزير بتكريم رجال الإطفاء" في نيويورك، كما لعب دور "مرشح للرئاسة بمقابلته عدد من كبار المسئولين الأمريكيين".
هذا وقد اتهمه الحزب الاشتراكي باستخدام الأموال العامة, في إجراء حملته الرئاسية الخاصة بالانتخابات.
وكان ساركوزي "المتخفي"، قد ألقى خطابًا أمام مجموعة من الفرنسيين قبل أن يقوم بإهداء كتابه، وقد تضمنت خطبته بالحديث عن العمل والتغريب، وكذلك انتقاد نظام العمل لمدة 35 ساعة، مما يحمل ملامح حملته الانتخابية.
وقد تم إعداد جدول عمله بعناية بشدة خلال زيارته للولايات المتحدة؛ فقد التقى أيضًا بمنظمات يهودية في نيويورك للتعبير بشكل خاص عن مكافحة ما يسمى بمناهضة "السامية" في فرنسا.
ثم يقوم "ساركوزي" بعقد لقاء مع السكرتير العام للأمم المتحدة "كوفي أنان"، مؤكدًا أنه لم يخرج عن إطار دوره كوزير داخلية إن :" القضايا العالمية الكبيرة لها تداعيات على الإرهاب وتحقيق الأمن للفرنسيين"، وهذا ما "أقوم به أيضًا هنا"، إلا أن لقاءاته التي أجراها يوم الثلاثاء في واشنطن مع وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" وستيفن هدلي (مستشار الأمن القومي الأمريكي) والسيناتور الجمهوري "جون ماكين" والديمقراطي "باراك أوباما" ،كانت من الصعب إيجاد تبرير لها مثل زيارة الأمين العام بالأمم المتحدة.
وقد بلغ هجوم "لوران فابيوس" داخل الحزب الاشتراكي على "ساركوزي" عندما لجأ إلى تعبير فرنسي لاذع قائلًا "لا ينبغي أن يتولى قيادة فرنسا شخص يحدد برنامجه بكونه "كلب كانيش"وهي ( سلسلة من الكلاب تتبع سيدها خطوة بخطوة ) لرئيس الولايات المتحدة "جورج بوش"، كما وصفت "ماري جورج بوفيه" سكرتيرة الحزب الشيوعي" ساركوزي "أنه "بوش الصغير" مطالبة الحزب اليساري المناهضة لليبرالية بعرقلة حركته في الانتخابات الرئاسية لعام 2007.
واستطرد فابيوس قائلًا: السيد "ساركوزي", ليس شخصًا أوروبيًا مقنعًا مثلنا، يدافع عن المصالح الفرنسية، إنه قبل أي شيء موالي للأمركة وأحد أكبر المتحمسين لبوش". إن "ساركوزي" لا يكّف عن مدح أمريكا ومداهنة رئيسها، إنه يقوم بإظهار الإخلاص والولاء لـ"بوش"، الأصل الذي يحلم بأنه يكون النسخة المستنسخة منه.
يرى جميع المتقدمين للترشيح من التيارات اليسارية والحزب الاشتراكي أن" ساركوزي" (المهاجر من الجيل الثاني، بأم يهودية يونانية، وأب مجري) ،يمثل خطرًا داهمًا على تحقيق استقلال السياسة الخارجية الفرنسية ،وعلى نسيج المجتمع الداخلي من خلال سياسته الليبرالية، والتي تهتم بالأمن أكثر من إيجاد حلول للمشاكل الأساسية الاقتصادية والاجتماعية.