التوقيت المناسب لاستقلال الأطفال

مفكرة الإسلام :
بعد العودة من المدرسة ..
الولد: أمي لقد أعطانا المدرس واجبات كثيرة جداً.
الأم: حقاً, لا تحزن يا بني سأساعدك فيها.
الولد: حسن يا أماه سأذهب لألعب بالكرة بعض الوقت لأرفه عن نفسي.
الأم: تفضل يا ولدي ولكن لا تتأخر حتى نقوم بعمل واجباتك المدرسية.
وفي تمام الساعة الحادية عشر مساءً:
الولد: هيا يا أمي لنعمل الواجبات المدرسية , فإني أخاف أن يغضب مني الأستاذ.
الأم: حسن يا ولدي هيا بنا.
الولد: لا, أكتب أنا بنفسي.
الأم: لا عليك يا ولدي تقول أنت وأكتب أنا حتى يكون خطك جميلاً ..
الولد: ولكن الأستاذ يغضب مني عندما تقومين أنت بكتابة الواجب.
الأم: قل له أنك أنت الذي كتبت الواجب , وأنا عندما أذهب إلى المدرسة سأخبره بذلك.
وهكذا قاد الإهمال إلى إهمال ثم إلى كذب واحتيال وتأخر وتقهقر في المآل فاللهم أصلح أحوال العيال .
(لقد نسيت، لم يكن خطئي، أديت جزءاً منه ولكنني نسيته في الحافلة، لاأدري أين وضعته، هذه هي عبارات الطفل المدلل الذي لا يتحمل المسئولية وهي أحد أكبر العيوب التي يمكن أن يصاب بها الطفل.
إن الطفل يجيد العثور على الأعذار التي تبرر إهماله، حيث ينفي ويبرر ويوبخ ويلقي بالتهم على الآخرين، هذه هي بعض الاستراتيجيات القليلة التي يستخدمها مثل هذا الطفل لكي يبرر سلوكه.
الطفل غير المسئول نادرًا مايتروى ليفكر في عواقب أو تأثير سلوكه على الآخرين، وهذا يعني أن سلوكه يكون أنانيًا، إنه يشعر أن العالم يدور من حوله، أي إن هناك شخصًا آخر يجب عليه من وجهة نظره أن يؤدي مهامه ويوقظه من نومه ويبحث له عن لعبه، ويعيد أشياءه المبعثرة إلى مكانها.
أما إن أخطأ فإنه لا يقر بخطئه أبدًا أو يعتذر أو يتحمل نتيجة خطئه لأن الخطأ يكون من وجهة نظره خطأ شخص آخر ) [لاتعاملني بهذا الأسلوب د.ميشيلي بوربا ص(263)].
متى سيبدأ طفلك تحمل المسؤلية والتعرف على معالم الاستقلالية؟
إن لم يتعلم طفلك تحمل المسؤلية وهو الآن قد أصبح من طلبة المدارس فمتى سيتعلمها, هل سيتعلمها عندما يصبح رجلاً كبيراً ينفق على عيال, إن كثيرًا من الأمهات والآباء لايدركون أهمية هذا الجانب من جوانب شخصية الطفل وهو تحمل المسئولية ونمو الاستقلالية, وبالتالي لا يسعون جاهدين لإنمائه, ويؤخرونه كثيرًا حتى يمر الوقت وينقضي من غير فائدة.
وقليل هم من الآباء من يستغلون الفرص لتعليم أطفالهم تحمل المسؤلية, فإذا كانت الأم تقوم بعمل الواجبات المدرسية للطفل وتقوم بإطعامه وإلباسه حتى بعد أن كبر وجاوز مرحلة الحضانة لم يبق لها إذن إلا أن تحمله!
(إن تحمل المسؤلية يتطلب وقتًا طويلًا, وتحقيقه لا يتأتى دفعة واحدة, ولكن من الخطأ أن نرجيء البدء فيه, وعندما يبدي الطفل رغبة واستعدادًا لأن يقوم بنفسه بعمل من الأعمال, مهما كانت سنه, فإن هذا يكون هو الوقت المناسب لتعلم تحمل المسئولية.
وسواء أكان الصغير في سنته الأولى أم الثانية أم الثالثة فمن الواجب أن يُعطى قدرًا من المسئولية عندما يكون مستعدًا لذلك كارتداء الملابس وعنايته بشئون نفسه, وبالأشياء التي يملكها والقيام ببعض الأعمال الصغيرة حول المنزل, فهذه هي الطريقة التي يتعلم بها الاتجاه السليم نحو القيام بنصيبه من العمل) [تربية الشعور بالمسؤولية عند الأطفال].
متى ننميالاستقلاليةوالمبادأة عند أطفالنا؟
هل تعلم عزيزي المربي أن تنمية الاستقلالية لدى الطفل وتعويده تحمل المسؤلية من أسهل ما يمكن بشهادة خبراء التربية, يقول الدكتور محمد عماد الدين اسماعيل: الواقع أنه ليس أيسر على الآباء من تنمية الاستقلالية عند أطفالهم في هذه المرحلة بالذات, ذلك أن أطفال هذه الفترة يميلون بطبيعة نموهم إلى الاستقلال والانطلاق وتقليد الكبار.
ولكن رغم ذلك هناك متغيراتهامةلابدمنأخذهافيالاعتبارعندالكلامعنرغبةالآباءفي تنميةالاستقلاليةعندأطفالهم :
1. التوقيت الذي يتوقع فيه الآباء من أبنائهم إنجاز واجبات معينة .
2. الأسلوب الذي يعامل به الطفل إذا فشل في إنجاز تلك المهام أو الواجبات.
وحول هذين المتغيرين الرئسيين انقسم الآباء في تعويدهم أبنائهم الاستقلالية إلى ثلاثة أقسام:
1. يتوقع بعض الآباء من أبنائهم أن يبرهنوا على أنهم قد أصبحوا قادرين على الاستقلال والضبط في مرحلة متقدمة أكثر من اللازم, وإذًا لو فشلوا في ذلك كان العقاب من نصيبهم.
2. والبعض الآخر من الآباء قد لا يطلب من أطفاله سوى القليل من السلوك الاستقلالي, ويظل مستمرًا في مساعدتهم لمدة طويلة, حتى بعد أن يصبحوا قادرين على أداء تلك الواجبات بأنفسهم.
3. على أن هناك فريقًا ثالثًا من الآباء, لا يطلب من أطفاله القيام بسلوك استقلالي إلا في "الوقت المناسب" أي حين يظهرون رغبتهم في ذلك ويكافئهم على نجاحهم في أداه تلك الواجبات بدلا من عقابهم على الفشل فيها.
وقد أثبتت الدراسات ( Winlerbottom) ١٩٥٨ أن هذا الأخير هو الأسلوب الناجح في التدريب على الاستقلال, ذلك لأنه يؤدي إلى رفع مستوى الدافع إلى الحصول على النجاح, وبالتالي فانه يؤدي إلى توسيع حدود قدرات الطفل وإنجازاته.
وتأكيدا لصدق هذا التحليل يصح أن نورد بحثا قامت به بومرنيد(- Baum-rind 1967)
عن علاقة الاتجاهات الوالدية من ناحية , نمو الشخصية وخصائص السلوك الاجتماعي من ناحية أخرى, وقد أجرت بومرنيد بحثها على مجموعات من أطفال مدارس الحضانة ووجدت الآتي:
١- أن الأطفال الذين يتميزون أكثر من غيرهم بالاعتماد على النفس والضبط والاستقلالية, هم أولئك الذين يقوم آباؤهم بممارسة الضبط عليهم, ويطلبون منهم أداء واجباتهم دون أن يغفلوا عن إشعارهم دائما بحرارة العاطفة نحوهم وتقبلهم كما هم, وتشجيعهم باستمرار في كل مرة ينجحون فيها في أداء الواجبات الطويلة منهم, وقد سمت "بومرنيد" هذا الاتجاه باتجاه الحزم .
٢- أما الأطفال الذين تميزوا نسبيا بعدم الثقة في أنفسهم وبالانعزالي , كانوا أقل من غيرهم من حيث إمكانية الاعتماد عليهم, ومن حيث القدرة على الضبط فكان آباؤهم:
أ-إما من ذلك النوع الذي يمارس ضبطا متشددا على أبنائهم, مع كونهم في نفس الوقت على درجة أقل من حيث حرارة العاطف , وعلى درجة أكبر من حيث الاغتراب والتباعد بالنسبة لأطفالهم وهؤلاء وصفتهم الباحثة بالمتسلطين.
ب -وإما ذلك النوع الذي وإن كان يتميز بحرارة العاطفة إلا أنهم لا يطلبون من أبنائهم أن يقوموا بأي ضبط أو أداء للواجب وقد يقومون عنهم بذلك, وهؤلاء وصفتهم الباحثة بالمتساهلين) [الأطفال مرآة المجتمع محمد عماد الدين اسماعيل بتصرف يسير].
وبعد هذا التحليل المتعمق اتضح أن عليك عزيزي المربي أن تنتهج نهج ما سماه الخبراء باتجاه الحزم والذي يعني فسح المجال للطفل عندما يرغب في الاستقلال وتحمل المسؤولية مع التشجيع والإطراء.
أهمية التدرج:
(ويتدرج الأبوان في تنبيه الطفل إلى اتساع مسؤولياته فالعجلة والتركيز السريع في هذه الأمور ضار جدًا بالصحة النفسية للأطفال، وكثيراً ما يؤدي إلى تمرد الطفل أو سآمته أو انحرافه عند الكبر ولعل في تعاملنا مع الطفل في موضوع الصلاة عبرة وعظة حيث يؤمر الصغير بالصلاة وهو ابن سبع سنين وإذا وجدنا استجابته ضعيفة.
فربما زدنا في الحث إلى حد التأنيب الشديد ثم إلى حد الضرب إذا بلغ العاشرة، لكنها لا تصير فرضاً عليه ولا يحاسب عليها حتى يبلغ الحلم.
إن الأشياء التي يمكن تحميل مسئوليتها للأطفال كثيرة في الحقيقة منها ما تعلق بأموره وتصرفاته الخاصة ومنها مايتعلق بالأسرة والدوائر الاجتماعية الأوسع.
شيء جميل أن تحمل الأم أطفالها مسئولية المحافظة على ثيابهم نظيفة قدر الإمكان والمحافظة على نظافة غرفتهم الخاصة وأسرتهم بالإضافة إلى المحافظة على كتبهم ودفاترهم وأدواتهم المدرسية، وقد يحمل الصغير مسؤولية شراء بعض الأشياء من البقالة المجاورة كالخبز مثلاً كما أنه قد يكلف برعاية أخيه الأصغر منه وتولي بعض الخدمات أثناء الرحلات وهكذا) [دليل التربية الأسرية د.عبد الكريم بكار ص85].
وختاماً عزيزي المربي نسأل الله تعالى أن يصلح حال أولادنا وبناتنا وأن يجعلهم ذخرا للإسلام والمسلمين.
أهم المراجع:
1. تربية الشعور بالمسؤولية عند الأطفال.
2. الأطفال مرآة المجتمع محمد عماد الدين اسماعيل بتصرف بسيط.
3. دليل التربية الأسرية د.عبد الكريم بكار ص85.
4. لاتعاملين بهذا الأسلوب د.ميشيلي بوربا ص263.