مأساة غزة والعنف القادم

افتتاحية صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : بعد مضي 12 شهرًا منذ الهجوم المدمر الذي شنته "إسرائيل" على قطاع غزة في عملية "الرصاص المصبوب"، لا تزال الأوضاع في القطاع "بائسة"، بحسب التعبير الذي استخدمته منظمة العفو الدولية. فقد ظل الحصار الاقتصادي الذي تفرضه "إسرائيل" على غزة منذ فوز حماس عام 2006 بالانتخابات الفلسطينية وفرضها السيطرة على القطاع. كما لم يتم تقريبًا فعل شيء حيال الدمار الذي تقدر قيمته بنحو مليار دولار وذلك نظرًا للقيود المفروضة على استيراد مواد البناء.
وفي الواقع، منذ نهاية المعركة في يناير، لم يدخل غزة سوى 41 شاحنة من مواد البناء بالرغم من حاجة الآلاف من المواطنين إليها. ولا يعتمد الاقتصاد إلا على عدد من الأنفاق التي تنظمها حماس على حدودها الجنوبية مع مصر.
أما على مستوى "إسرائيل" نفسها، فإن تداعيات حربها على غزة كانت أكثر صعوبة في التقييم. لقد توقفت إلى حد كبير الصواريخ التي تطلقها الفصائل الفلسطينية، إلا أن الثمن الذي تكبدته "إسرائيل" من حربها - التي أودت بحياة نحو 1.400 شخص من أبناء غزة - كان ثقيلاً. فقد تسبب استخدامها لمادة الفوسفور الأبيض ضد أهداف مدنية- فضلاً عن غيرها من الخروقات المشبوهة للقانون الإنساني- في النيل من صورتها الأخلاقية حتى بين أشد مناصريها. كما اضطر السياسيون والمسئولون "الإسرائيليون" إلى مواجهة حقيقة أنهم يواجهون احتمالات للاعتقال في عدد من الدول من بينها بريطانيا، على الأقل حتى الآن.
إن الآثار المترتبة كانت أيضًا مؤذية لـ "إسرائيل" على نحو آخر. فطالما كان مبدأ الردع أساسيًا بالنسبة لدفاعها؛ لذا فقد كان لإخفاقها في إبعاد حماس عن غزة- والذي جاء بعد فترة غير بعيدة من كارثة مغامرتها في لبنان عام 2006 – أثر في الحط من مكانة جيشها.
إلا أن العدوان على غزة كانت له تداعيات أخرى ربما من السهل ذهابها طي النسيان. فقد شنت "إسرائيل" الهجوم في خضم الأوضاع المحمومة التي سبقت الانتخابات العامة في "إسرائيل" والتي شهدت دعم قوي للحرب من قبل جميع الأحزاب الأساسية. وقد أسفرت هذه الانتخابات عن صعود "بنيامين نتنياهو" كرئيس لحكومة ائتلافية تضم "أفيجدور ليبرمان" كوزير للخارجية، وهو من عُرف بمطالبته بأن يُقسم عرب "إسرائيل" يمين ولاء لـ "إسرائيل" و إلا تعرضوا للطرد. لذا فلا غرو أن عملية السلام، المجمدة فعليًا، قد تعثرت على نحو أكبر.
وتمكن نتنياهو بحذر من إيجاد أسلوب جديد لعرقلة المطالب الأمريكية بتجميد بناء مستوطنات جديدة بالضفة الغربية؛ وذلك عن طريق تقديمه لأكثر خطة تجميد جزئي متحيزة، مع العلم أنها لا يمكن أن تكون مقبولة من القيادة الفلسطينية. وإذا كان نتنياهو قد نجح في هذه السياسة حتى الآن، فذلك لأنه سُمح له بذلك من قبل رئيس أمريكي كان قد تعهد بالكثير في خطاب له بالقاهرة ولم يقدم حتى الآن سوى النذر القليل. وبينما من الإنصاف القول أن "باراك أوباما" انهمك في قضايا أخرى، فإنه أيضًا من الحقائق البديهية فيما يتعلق بالمفاوضات "الإسرائيلية- الفلسطينية" أنها لم تشهد أي تقدم في أي وقت مضى دون وجود مشاركة كاملة ونشطة من جانب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
وبناءً عليه، فإن ما لدينا الآن هو حالة من الركود الخطير المتنامي الذي تقف فيه جميع القضايا معلقة، فيما عدا المفاوضات المتقطعة الخاصة بتبادل الأسرى. فالمصالحة الوطنية الفلسطينية بين حماس وفتح، في غزة والضفة الغربية- لم تحرز تقدمًا يُذكر- والمحادثات (الإسرائيلية- الفلسطينية) لا تزال معلقة، والحصار الاقتصادي لغزة لا يزال مستمرًا بينما يتجاهل المجتمع الدولي جميع ذلك إلى حد بعيد.
إن المخاطر التي يمثلها هذا الضعف في التحرك قد بزغت على نحو بالغ الأسبوع الماضي، حين أطلقت "إسرائيل" النار على ستة فلسطينيين وأردتهم قتلى في حادثين منفصلين في الضفة الغربية. إن المطلوب- إذا ما كان سيتم اتخاذ أي تحرك- هو إحساس جديد وعاجل بمسئولية الالتزام ويجب أن يبدأ في واشنطن. ولكن بالمثل يجب أن تكون هناك تحركات من أجل التخفيف من محنة أهالي غزة البالغ تعدادهم 1.5 مليون نسمة.
يجب السماح لهم بالوصول إلى الأسواق لكي يتمكنوا من إعادة البناء، وعلى الأقل محاولة عيش حياة كريمة. علاوة على ذلك، فالركود يمنح حماس شيئًا من الفرصة والعزم بين من تحكمهم. وليس من صالح العالم بأسره تجاهل هذه الأزمة في الوقت الذي ينمو فيه جيلاً جديدًا يشعر بالإحباط والعزلة بين جنبات ما هو فعليًا بمثابة سجن كبير. وليس هناك حل؛ فقط مأساة معلقة سيأتي العنف في أعقابها.