كرزاي والمهمة شبه المستحيلة
توني كارون ـ مجلة تايم الأمريكية ـ 22 يناير 2010
ترجمة: محمد الزواوي
مفكرة الإسلام : استطاعت مجموعة من مقاتلي طالبان أن يحدثوا فوضى عارمة في غضون أربع ساعات فقط من تبادل لإطلاق النار في قلب العاصمة الأفغانية كابول في الثامن عشر من يناير الجاري، ولكن هذا لن ربما لن منع الرئيس حامد كرزاي من عرضه على مقاتلي الحركة صفقة من أجل المصالحة في البلاد؛ فيخطط كرزاي أن يستغل مؤتمر مانحي أفغانستان ـ الذي سيعقد الشهر القادم في لندن ـ من أجل الكشف عن خطة جديدة محسنة ومطورة يعرض فيها على مقاتلي طالبان ليس فقط العفو ولكن أيضًا وظائف ومعاشات ومزارع وأمن من العقاب في مقابل وضع اسلحتهم.
ويحظى هذا البرنامج بدعم الولايات المتحدة، والتي تدرك جيدًا أن طالبان لن يمكن يتم التغلب عليها في أرض المعركة وحدها، وأن إنهاء الحرب في أفغانستان يعتمد على إقناع معظم أولئك الذين يقاتلون حاليًا في صفوف طالبان بأن لديهم فرصة لجني المزيد من الأرباح والمزايا بوضعهم أسلحتهم.
بل إن كرزاي سيعرض أيضًا عقد محادثات مباشرة مع قيادات طالبان، بالإضافة إلى رفع اسم الملا عمر وغيره من قائمة الأمم المتحدة للمشتبهين بالإرهاب. وقد وردت تقارير بأن ممثلي كرزاي يتفاوضون بالفعل سرًا مع عناصر طالبان في محادثات تنظمها إحدى الدول العربية الكبرى، ولكن بدون إنجازات كبيرة تذكر حتى الآن.
فلا تزال حركة طالبان تصر على انسحاب كافة القوات الاجنبية من أفغانستان كشرط أساسي للسلام، كما عرضت باكستان أيضًا أن تقوم بالوساطة في المحادثات بين الأمريكان وقيادات طالبان.
ولكن الولايات المتحدة بالرغم من ذلك متشككة بشأن أية جهود تحاول التواصل مع قيادات الحركة في الوقت الراهن. وحتى إذا ما كانت بعض المصالحات مع العناصر التي أوت في السابق أسامة بن لادن يمكن أن تكون ممكنة، فيعتقد المسئولون الأمريكيون أن ذلك لن يحدث طالما أن طالبان تعتقد أن مقاتليها ينتصرون في الحرب هناك. وفي الوقت الراهن، ربما يرى كرزاي بأنه يقدم المفاوضات من موقف ضعف، وكما حذر قائد القوات الأمريكية الجنرال ستانلي ماكريستال في العام الماضي، أن المتمردين هم الذين لديهم اليد العليا في البلاد حاليًا.
ومن الواضح أن خطة ماكريستال لحشد مزيد من القوات هناك من أجل وقف ذلك ومن أجل عكس اتجاه الحرب ومن أجل أن يمنع طالبان من حيازتها وسيطرتها على المناطق الحضرية في البلاد. والهجوم الأخير الذي وقع الاثنين الماضي في العاصمة كابل والذي يعد الأكثر جرأة منذ غزو القوات الأمريكية في أواخر عام 2001، يؤكد على عمق وخطورة التحدي امام الولايات المتحدة.
ولكن أولئك الذين يميلون إلى التفاؤل ربما يتشجعون لأن هذا الهجوم تم صده بصورة كبيرة وتم احتواؤه، وتم تقليل المخاطر إلى أكبر حد، على يد القوات الأمنية الأفغانية التي تقاتل بدون الكثير من المساعدة من القوات الأجنبية.
وتأمل الولايات المتحدة أن جهود كرزاي في التواصل مع طالبان يمكن أن تزيح بعيدًا أولئك الغير متأثرين أيدلوجيًا بفكر طالبان من مقاتلي البشتون الذين يصفهم مسئولو الولايات المتحدة بأنهم عبارة عن مقاتلين يتقاضون عشرة دولارات في اليوم ليس إلا من مقاتلي طالبان نظير خدماتهم، ولكن ليسوا بالضرورة مقتنعين بفكر طالبان. ويعتقد المسئولون الأمريكيون أن أكثر من 70% من مقاتلي طالبان ليسوا مدفوعين أيدلوجيًا ويمكن إبعادهم عن الساحة، وبالرغم من أن وجهة النظر تلك يعتبرها مراقبون أنها مغرقة في التفاؤل، إلا أن مجرد العرض على مقاتلي طالبان حياة أفضل ومعاشات ورواتب وأمن من العقاب يمكن أن يجعل الحكومة الأفغانية تأمل أن كثيرًا من مقاتلي طالبان في مختلف الرتب يمكن تحييدهم.
ولكن هذا البرنامج يواجه صعوبات جسيمة، فمن الصعب الترويج له بين حتى الجنود صغار الرتب من مقاتلي الحركة طالما أن حركة طالبان تبدو أنها تنتصر، ويخشى بعض المراقبين من أن هذا البرنامج لن يكون له سوى قدر محدود من الإغراء، حتى تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها من عكس اتجاه الحرب في البلاد، كما أن هناك مخاوف من قدرة حكومة كرزاي ـ والتي لا تعد كفؤة على الإطلاق في الكثير من الأحوال وتغرق في حالة من الفوضى السياسية منذ انتخابات أغسطس الأخيرة ـ على إدارة برنامج طموح مثل ذلك والذي يهدف إلى جلب المئات من مقاتلي طالبان إلى شبكة اجتماعية آمنة، وأن تستطيع إدارة أية انتكاسات محتملة من القرويين الذين أحجموا عن الانضمام إلى حركة طالبان ولكنهم في الوقت ذاته سوف يرون العديد من أولئك المقاتلين السابقين ينعمون بمكافآت ضخمة.
ولا تزال شعبية كرزاي منخفضة، ولكن كرزاي هو كل ما تملكه الولايات المتحدة وحلفائها فيما يتعلق بالشراكة السياسية في أفغانستان، ولكن هجمات الاثنين الماضي وقعت أثناء ما كان كرزاي يستعد لاستقبال عدة وزراء جدد كانوا يقسمون اليمين الدستورية من أجل تعيينهم، فقد رفض البرلمان 17 من 24 اسمًا وضعهم كرزاي منذ أسبوعين، ففي 16 يناير رفض البرلمان 10 أسماء من السبع عشرة اسمًا والذين اقترحهم كرزاي في محاولته الثانية، هذا بالإضافة إلى تقرير أصدرته الأمم المتحدة في التاسع عشر من يناير يقدر أن الأفغان تحتم عليهم دفع رشاوى تقدر بـ 2.5 مليار دولار في العام الماضي وحده (وهو ما يقدر بربع إجمالي الدخل القومي لأفغانستان)، مما يؤكد عدم اقتناع الأفغان بتلك الحكومة التي تفتقد إلى ثقة شعبها في ظل هذا النظام الذي من المفترض أنه سوف يتقدم بعروض عفو إلى مقاتلي طالبان.
إن العقبة الأساسية التي تواجه برنامج المصالحة ربما تكون ببساطة هي الأمن، ولا يتضح حتى الآن إذا كانت الحكومة الأفغانية وداعميها من قوات التحالف سوف تكون قادرة على توفير بيئة آمنة لإقناع أولئك الذين يقاتلون تحت شعارات طالبان بأن يغيروا الجانب الذي يقاتلون من أجله، بدون الخوف من الانتقام. وفي النهاية أظهر المتمردون على مر العام الماضي أنهم استطاعوا أن يوسعوا من قاعدة عملياتهم بصورة كبيرة، وهو العامل الذي أكدته بقوة هجمات الاثنين الماضي على العاصمة كابول.
إن وضع المتمردين السابقين على قوائم رواتب الحكومة العراقية أدى إلى المساعدة في استقرار العراق (بالرغم من أن هذا الاستقرار ربما يقوضه العملية السياسية المذهبية هناك)، ويأمل كرزاي ومعه ماكريستال أن ذلك سيكون له أثر مشابه في أفغانستان، ولكن قبل اختبار تلك الاحتمالية سوف يكون أمامنا عدة أشهر أو حتى سنوات من القتال المرير لتغيير توازن القوة على الأرض هناك.