مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

برقيات ويكيليكس .. مأدبة من الأسرار

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

تيموثي جارتون آش*/ الجارديان

ترجمة/ شيماء نعمان

مفكرة الإسلام : هي حلم للمؤرخ وكابوس للدبلوماسي. والآن هنا أمام الجميع، أسرار الأصدقاء والحلفاء والخصوم مزينة بتقييمات الدبلوماسيين الأمريكيين لها الصريحة أو المنتقدة في بعض الأحيان. وخلال الأسبوعين القادمين، سوف تتمتعون، أنتم قراء الجارديان، بمأدبة منوعة من تاريخ الحاضر.

ويتعين على المؤرخ عادة أن ينتظر 20 عامًا أو 30 ليعثر على مثل تلك الكنوز السرية. أما هنا، فإن أحدث المراسلات لا يتجاوز عمرها الثلاثين أسبوعًا إلا بقليل. فما أعظم قيمة هذه المجموعة النفيسة. فهي تضم أكثر من 250.000 وثيقة. ومعظم ما رأيته منها، خلال جولاتي المتحمسة في المحيط الواسع؛ تصل عدد كلماتها لأكثر من 1000 كلمة تقريبًا. وإذا كان ما اطلعت عليه نموذجًا لها على أي حال، فلابد أن هناك إجمالي لا يقل عن 250 مليون كلمة-- وربما يصل إلى نصف مليار كلمة. وكما يعرف جميع الباحثون في المحفوظات، فهناك طابع خاص للفهم الذي ينتج من الإطلاع على مجموعة كبيرة من المصادر، ولتكن خطابات أحد الكتاب، أو أوراق وزارية، أو مراسلات دبلوماسية، حتى إذا كان أغلب موادها روتينيًا. إلا أنك مع التدقيق العميق، تستطيع تكوين إحساس عميق بالأولويات وأنماط الشخصيات والتفكير.

ومعظم هذه المادة عبارة عن تقارير سياسية من أنحاء العالم يتراوح مستواها بين المتوسط والرفيع، بالإضافة إلى توجيهات من واشنطن. ومن الهام أن نتذكر أنه ليس لدينا هنا المراتب العليا من السرية كنظام نوديز Nodis الخاص بـ (الرئيس، ووزيرة الخارجية)، ونظام روجر Roger، ونظام إكسديس Exdis، ونظام دوكلامب Docklamp (والذي يكون بين ملحقات الدفاع ووكالة الاستخبارات الدفاعية فقط). لكن ما لدينا لا يزال مأدبة ملكية.

ولا عجب في الجلبة الغاضبة التي تثيرها وزارة الخارجية. ومع ذلك، من واقع ما رأيته، فإنه ليس هناك إلا نذر قليل يمكن أن يخجل منه الأعضاء المحنكين في خدمة الخارجية الأمريكية. نعم، هناك أصداء لعمليات خداع تاتي في الهوامش، لا سيما فيما يتعلق بـ "الحرب على الإرهاب" خلال حقبة بوش. إلا أن هناك أسئلة محددة يجب أن يتم طرحها والإجابة عليها. وبوجه عام، على الرغم من ذلك، فإن ما نشاهده الآن هو مسئولون دبلوماسيون يؤدون عملهم المناسب: يقفون على ما يحدث في المناطق المبعوثين إليها، ويعملون على تعزيز مصالح وطنهم وسياسات حكومتهم.

وفي الواقع، تحسنت وجهة نظري الشخصية في وزارة الخارجية عدة درجات. ففي غضون السنوات الأخيرة الماضية لاحظت أن خدمة الخارجية الأمريكية مخيبة للآمال إلى حد ما، ومحبطة، وخاصة عند مقارنتها مع غيرها من الهيئات ذات الثقة داخل الحكومة الأمريكية ؛ مثل وزارتي الدفاع والخزانة. غير أن ما نجده هنا غالبًا ما يكون من الدرجة الأولى.

وكما سيكتشف القراء، فالرجل الذي أصبح حاليًا الدبلوماسي المحترف الأعلى مكانة في أمريكا "وليام بيرنز" كان قد بعث من روسيا تقريرًا مسليًا للغاية- يكاد يكون جديرًا بالأديب "إيفلين وو"- عن حفل زفاف في داغستان حضره الرئيس الشيشاني المحتال، الذي كان يرقص بشكل أخرق "بينما يبرز سلاحه المطلي بالذهب أسفل الجزء الخلفي من سرواله الجينز".

وتحليلات بيرنز للسياسة الروسية تتمتع بالفطنة، كما هو الحال مع تقارير زملائه الواردة من برلين وباريس ولندن. ففي برقية من برلين عام 2008، تم وصف الحكومة الائتلافية في ألمانيا آنذاك والمؤلفة من الحزب الديموقراطي المسيحي، والحزب الديموقراطي الاشتراكي بأنهما يشبهان "الزوجين الذين يكرهان بعضهما البعض ولكن يظلان معًا من أجل أبناءهم". ومن باريس، يوجد تصوير بالقلم لطرائف تتعلق بـ "نيكولاس" و"كارلا" ساركوزي. أما بالنسبة لنا نحن البريطانيون سيكون من الجيد أن نلقي نظرة على هاجسنا العصبي المتعلق بما يطلق عليه "علاقتنا الخاصة" مع واشنطن، كما تعكسها المرآة غير العاطفية للبرقيات السرية الواردة من السفارة الأمريكية في لندن.

ومن المريح، أننا عثرنا أيضًا على دلائل عارضة تتعلق بدفاع وزارة الخارجية البريطانية عن قيمنا. ووفقًا لتقرير يعود لعام 2008، كانت "ماريوت ليزلي"- وهي مسئولة دبلوماسية بريطانية رفيعة المستوى-"واضحة للغاية في أن حكومة بريطانيا رفضت بعض ما تفعله حكومة الولايات المتحدة (مثل عمليات الترحيل الاستثنائي) ومن ثم لديها بعض الخطوط الحمراء".

ومن المقلق للغاية العثور على برقيات موقعة من "هيلاري كلينتون" تبدو تشير إلى أنه طُلب من دبلوماسيين أمريكيين محترفين فعل أشياء يمكنك عادة أن تتوقعها من جواسيس مبتدئين مثل جمع معلومات عن بطاقات ائتمان وتفاصيل بيومترية خاصة بمسئولين رفيعي المستوى بالأمم المتحدة. أما الآن فالحاجة ماسة إلى إيضاح من القاع الضبابي- واشنطن- (مقر وزارة الخارجية) بشأن من كان متوقع منه القيام بهذه التوجيهات الاستخبارية الشخصية.

وبشكل عام، فما تراه في هذه المراسلات الدبلوماسية يعكس إلى أي مدى سيطرت هواجس الأمن ومكافحة "الإرهاب" على كافة أوجه السياسة الخارجية الأمريكية. إلا أنك ترى أيضًا مدى جدية التهديدات، ومدى ضعف سيطرة الغرب عليها. فهناك أشياء مؤرقة بشأن البرنامج النووي الإيراني وحجم المخاوف ليس فقط "الإسرائيلية" بل العربية منه (فقد ذكر السفير السعودي أن العاهل السعودي حث الأمريكيين بقوله "اقطعوا رأس الأفعى")، وهناك كذلك قابلية اختراق مخزون باكستان النووي من قبل العناصر الإسلامية المراوغة، والفوضى والفساد واسع النطاق في أفغانستان، بالإضافة إلى القاعدة في اليمن، وحكايات نفوذ عصابات المافيا الروسية؛ ما يجعل رواية "جون لوكار" الأخيرة تبدو مظلومة في التقييم إلى حد كبير.

إن هناك مصلحة عامة حقيقية في معرفة هذه الأشياء. ولقد حاولت كلاً من "الجارديان"، و"نيويورك تايمز"، وغيرهما من وسائل الإعلام الإخباري المسئولة ضمان أن لا شيء مما ننشره يُعرض أي شخص للخطر. وينبغي علينا جميعًا أن نطالب موقع ويكيليكس بأن يفعل المثل.

ولا يزال يبقى سؤال واحد. كيف يمكن أن تدار الدبلوماسية في ظل هذه الظروف؟ بالتأكيد كان المتحدث باسم وزارة الخارجية محقًا حين قال أن التسريبات من شأنها أن "تخلق توترًا في العلاقات بين مسئولينا الدبلوماسيين وأصدقاءنا حول العالم". كما أن الخوف من التسريبات قد عرقل بالفعل أداء الحكومة.

وقد أخبرني صديق أكاديمي- كان قد عمل في وزارة الخارجية تحت إشراف "كوندوليزا رايس"- أنه اقترح ذات مرة كتابة مذكرة تطرح أسئلة محورية حول سياسة الولايات المتحدة في العراق، إلا أنه تلقى تحذيرًا مفاده: "لا تفكر حتى في ذلك" حيث سيكون من المؤكد ظهورها بصحيفة "نيويورك تايمز" صبيحة اليوم التالي.

إن هناك مصلحة عامة في فهم الكيفية التي يعمل بها العالم، وما يتم ارتكابه بأسمائنا. هناك مصلحة عامة في الإدارة السرية للسياسة الخارجية. غير أن هاتين المصلحتين متضاربتين.

بالرغم من ذلك، فإنني أراهن على شيء واحد وهو: أنه من المؤكد أن الحكومة الأمريكية تتندم حاليًا وتقوم بمراجعة عاجلة لقرارها الشاذ بوضع مكتبة كاملة من المراسلات الدبلوماسية الأخيرة على نظام حاسوب بارع التأمين لدرجة نجاح شاب في الثانية والعشرين من عمره في تحميله كاملاً على أسطوانة للمغنية "الليدي جاجا"، أليس كذلك؟

-------------------------------------------

*تيموثي جارتون آش: كاتب سياسي ومؤرخ بريطاني، يعمل أستاذًا للدراسات الأوروبية بجامعة أوكسفورد.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 5 ديسمبر 2010
  1. بالأرقام والوثائق .. ذبح الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستانبقلم: عامر عبد المنعم [email protected] الجيش الأمريكي منهك وغير قادر علي غزو أي دولة أخري، وأي تهديدات بغزو دولة إسلامية كاليمن أو باكستان أو السودان أو إيران مجرد كلام أجوف وغير واقعي. فالجيش الأمريكي بعد تكسير عظامه في العراق وفي أفغانستمقالات وتحليلات · 27 د قراءة
  2. الدلالات السياسية لفوز قطر بتنظيم المونديالبقلم : د.سامح عباس حقيقة أن اختيار قطر لاستضافة أكبر المنافسات والمحافل الرياضية على مستوى العالم، ونجاحها فى الفوز بشرف تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2022، قد اعتبرها الكثير من العرب مصدر فخر وانتصار، خاصة وأن الملف القطرى نجح فى التغلب مقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  3. قرش يقتل سائحة ألمانية في شرم الشيخلقيت سائحة ألمانية حتفها بعد أن هاجمها قرش اليوم الأحد في شاطىء مقابل أحد فنادق مدينة شرم الشيخ المصرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وقال مصدر طبي في شرم الشيخ إن السائحة ريتان تسكري البالغة من العمر 70 عامًا "أخرجت جثة هامدة بعد أن هاجمهمنوعات · 2 د قراءة
  4. معسكر إسلامي للأطفال بأكبر مساجد ماليزياقرر المسجد الوطني في العاصمة الماليزية كوالالامبور تنظيم معسكر ديني للأطفال، ما بين 9 إلى 11 عامًا، وذلك لمدة ثلاثة أيام بدءًا من 10 ديسمبر الجاري. وقال بيان صادر عن المسجد الوطني إن البرنامج الذي شارك في تنظيمه إدارة التنمية الإسلامية المامنوعات · 1 د قراءة
  5. ويكيليكس: خطة لاغتيال رئيس موريتانيا بمساعدة "إسرائيل"أماط عدد من الوثائق الدبلوماسية الأمريكية سربها موقع ويكيليكس الإلكتروني اللثام عن أن بعض معارضي الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز خططوا لاغتياله والتخلص منه وطلبوا من أجل هذا الهدف مساعدة "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية. ونشر الموثائق ويكيليكس · 1 د قراءة
  6. شرطة أبوظبي تحبط ترويج 14 مليون دولار مزورةتمكنت شرطة أبوظبي اليوم الأحد عن إحباط محاولة ترويج 14 مليون دولار مزورة، وأخرى مطلية بمادة سوداء يتم غسيلها بمادة كيميائية. وقال نائب مدير إدارة التحريات والمباحث الجنائية في شرطة أبو ظبي العقيد علي النعيمي إن القضية بدأت بوصول معلومات مؤكمنوعات · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: برقيات ويكيليكس .. مأدبة من الأسرار