معركة الصباح

عمر السبع
في الوقت الذي يغادر فيه أطفالي للذهاب إلى المدرسة في الصباح تنهار أعصابي تمامًا، وأكاد أبكي من جراء الشجار معهم حتى يستعدوا، وعندما يصبحون أخيرًا خارج المنزل أجد أمامي هالة من الفوضى لكي أنظمها، فأجد نفسي وقد خارت قواي في حاجة إلى راحة قبل أن أعاود الكرة مرة أخرى استعدادا لاستقبالهم وتجهيز متطلباتهم من طعام وغيره، هل هناك بديل لهذه البداية المؤلمة؟
إنها المعركة المتجددة مع بداية اليوم، فما أن تشرق شمس يوم جديد حتى يشرق معها معاناة جديدة مع الأولاد في إيقاظهم وتجهيزهم للمدرسة، مما يؤثر على صفاء اليوم بأكلمه.
أنت مفتاح الحل:
إن الجو العام للعائلة يؤسسه الأبوان، وإن شكل اليوم يتحدد منذ صباحه، والكثير من الأطفال والآباء يبدأون كل يوم بالصراع، وذلك لأنهم لا يأخذون الوقت الكافي لوضع روتين صباحي يخدم مصالح الجميع، والأطفال يحتاجون الكبار لكي يشرفوا عليهم في وضع أي روتين، وبمجرد أن يتعلم الأطفال كيف يخططون لوقتهم في الصباح فسوف يشعرون بالتحسن، وسوف يمر اليوم أكثر سلامة على كل الأفراد.
ويمكن أن تحدد موعدًا نهائيًّا للقيام بالأعمال الصباحية، وفي الكثير من العائلات يكون الموعد النهائي هو الإفطار، ويمكنك أن تشير لأطفالك دون أن تتحدث حتى تذكرهم بالأشياء التي لم يقوموا بها، ويمكنك الاتفاق كأسرة واحدة على شكل هذه الإشارات غير الصوتية التي ستستخدمها لتذكيرهم.
الروتين اليومي:
مع تسارع الأحداث اليومية يجد الإنسان نفسه في مهب الريح تقبله بين متطلبات الساعة المتلاحقة، فيحتاج المرء أن يجعل في يوميه نصيبًا من الروتين الذي ينظم اليوم ويعيد إليه تماسكه، وكما تحتاج أنت لهذا الروتين الجزئي فإن أبناءك أيضًا في حاجة إليه.
فقم بوضع جدول الأعمال الروتينية الصباحية، اجلس مع أطفالك في وقت تشعر فيه بالهدوء وساعدهم على وضع قوائم بالأشياء التي يجب عليهم أداؤها حتى يستعدوا للذهاب إلى المدرسة كل يوم، قم بمساعدتهم في وضع هذا الجدول الذي سيساعدهم على تذكر المهام الموجودة في تلك القائمة، ويجب استخدام ذلك الجدول كأداة تنبيه، وليس كوسيلة لمكافأة الأطفال على أداء الأمور التي يحتاجون إلى أدائها.
ويمكن أن تضع عملًا إضافيًّا يساعد الطفل به العائلة كجزء من قوائم الأعمال الواجب أدائها، مثل: إعداد مائدة الطعام، أو صب أكواب الشراب، أو ترتيب حجرة المعيشة.
وما إن يوضع الروتين محل التنفيذ بعناية حتى يصبح وقت الصباح وقتًا خاصًّا ومبهجًا تقضيه مع أطفالك، وبذلك سوف يذهبون إلى مدارسهم وهم يشعرون بالسعادة، وكذلك تذهب أنت إلى عملك ويغمرك نفس الشعور.
مهارات حياتية يتعلمها الطفل:
ومن جدول المهام اليومية يتعلم الأبناء كيف يخططون لأوقاتهم وكيف يسهمون في خدمة أسرتهم، ويمكنهم كذلك أن يتعلموا أنهم المتحكمون في أوقاتهم، ويمكنهم أن يشعروا بالفرق بين التسرع في إنجاز الأشياء وبين الهدوء، وأن يختاروا ما يناسبهم، يجب أن يتعلموا أنهم قادرون، وأنهم لا يحتاجون إلى تدليل للقيام بما عليهم فعله، وأنهم أصبحوا مستقلين قادرين على اتخاذ القرارات.
إن بداية نجاح الابن في حياته هي الانتقال من التبعية إلى الاستقلالية، وهذا لا يعني عدم التعاون مع الآخرين أو الأنانية وحب الذات، وإنما يعني الاعتماد على الذات، والطفل لكي ينمو نموًّا نفسيًّا طبيعيًّا، لابد له من الشعور بالحرية والاستقلال، والإحساس بأنه قادر على تسيير أموره بنفسه دون معاونة الآخرين، فهذه الأمور هي المقدمة الصحيحة لثقته بنفسه، ومن ثم قدرته على تحمل المسئوليات في مستقبل حياته.
ومن هنا وجب علينا كآباء البعد عن التدليل وتلبية جميع رغبات الأبناء، لأن هذا اللون من التربية التي تتسم بالحماية الزائدة يؤدي إلى عدم القدرة على مواجهة الواقع، كما يخرج شخصية تعاني من الخضوع وعدم الاتزان الانفعالي، والاعتماد السلبي الآخرين.
ولكن عدم التدليل مخافة الرخاوة النفسية والاعتماد السلبي على الآخرين لا يعني القسوة في التربية على الأبناء، والإكثار من زجرهم وضربهم على الأخطاء التي يقعون فيها، أو النقد المستمر لهم من قبل الأبوين، وملاحقتهم على كل كبيرة وصغيرة حتى يتصورون أنفسهم منغمسين في الأخطاء.
فهذه العوامل تضعف من ثقة الابن بنفسه وتؤهل الابن إلى قبول الوصاية من الغير، بل والتطلع إلى هذه الوصاية والرغبة فيها.
ومن هنا نهيب بك أيها المربي بأن لا تفعل أبدًا للأطفال ما يمكنهم القيام به بأنفسهم، حفز أطفالك عن طريق تعليمهم بدلًا من أن تكون عبدًا لهم.
لا تغضب:
في أغلب الأحيان يكون الأبوان هم بداية شرارة المعركة الصباحية، فتجدهم وقد زمجروا واستعدوا للمعركة، يدخلون على أبنائهم بالصياح والضجر والشجار، في حين أنه من الممكن أن تستثمر وقتك في القيام بأعمالك اليومية، ولا تتشاجر، وتذكر الأطفال بما عليهم القيام به، ثم تدعهم يختبروا الآثار والعواقب المترتبة على نسيانهم.
فمثلًا: إذا جاء طفلك إلى المائدة قبل أن يؤدي ما عليه من واجبات فقم بقلب طبقه إلى أسفل، ثم دعه يذهب إلى آداء عمله قبل أن يشارك العائلة طعام الإفطار، وهذه الإشارة يجب الاتفاق عليها مع طفلك مسبقًا.
ويمكن أن تضع اتفاقًا مع أبنائك على أن جهاز التلفاز لن يعمل في الصباح حتى يتم أداء كل الواجبات المنزلية، فإذا شاهد أطفالك يشاهدون التلفاز بدون أن يكلموا أعمالهم المنزلية فقم بإغلاقه بمنتهى البساطة.
إن الغضب يشعل المعركة ولا تصل معه إلى نتيجة، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فقال: (لا تغضب) وكررها مرارًا [رواه البخاري]، ومع الغضب يفعل الطفل ما تأمره به دون أن يعيه بل في أغلب الأحيان يفعله وهو مضجرًا، ثم ينتظر اللحظة التي تغفل عنه فيعاود الفعل مرة أخرى.
خطوات عملية:
وقبل أن أتركك أيها المربي الفاضل أضع بين يديك جدولًا عمليًّا تتفادى به معركة الصباح ليحل السلم والوئام في بيتكم الدافئ:
- ضع جدولًا للأعمال اليومية التي يبدأ بيها ابنك صباحه، وحافظ على هذا الروتين اليومي.
- اجعل بداية اليوم سعيدة بعيدة عن الشجار، ثم دع الأبناء يختبرون الآثار والعواقب المترتبة على نسيانهم.
- من رعايتك لطفلك واهتمامك به أن تعلمه الاستقلالية وقدرته على اتخاذ قراره وتنظيم وقته.
- اجعل أطفالك ينجزون بعض الاستعدادت للصباح قبل النوم، مثل: أن يجهزوا ما سيرتدونه من ملابس، أو إعداد حقائبهم، وهناك الكثير من المشاحنات الصباحية يمكن إيقافها عن طريق هذه الاستعدادات المسائية.
المصادر:
- دليل التربية الأسرية، أ.د. عبد الكريم بكار.
- اللمسة الإنسانية، د. محمد بدري
- التهذيب الإيجابي من الألف إلى الياء، نيلسن، لوت، جلين.