مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

طفلي يتحدى الإعاقة

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عمر السبع

تحدثنا في المقال السابق عن أن أساليب التنشئة تختلف من مجتمع لآخر، ومن أسرة لأخرى، بل حتى داخل الأسرة الواحدة، وتعد حالة الطفل المعاق من الحالات التي تحتاج أساليب تنشئة فعالة وسليمة حتى يستطيع أن يستكمل رسالته في الحياة، وقد بينا في المقال السابق عددًا من أساليب التنشئة الخاصة بأطفالنا المعاقين، ونستكمل في هذا المقال الحديث عن أساليب التنشئة تجاه المعاقين من أطفالنا.

أسلوب التفرقــــة:

إن المقصود بالتفرقة هنا هو التمييز بين الأبناء في التعامل وقد يكون لأسباب غير منطقية كالجنس، أو أبناء الزوجة أو أبناء الزوجة، أو أن الولد الفلاني هو الأكبر.

وتظهر هذه التفرقة وهذا التمييز في عدم المساواة في معاملة بعض الأطفال عن بعضهم سواء عاطفيًا أو ماديًا ... إلخ، كأن تميز الأسرة الابن الأكبر على الأصغر أو العكس، أو تميز البنت على الأولاد أو أبناء الزوجة الجديدة على غيرهم.

(وهكذا يمكن القول أن التفرقة أسلوب من أساليب المعاملة الوالدية يدرك الطفل من خلال معاملة الوالدين له، أنهما لا يساويان بين الأخوة والأخوات في المعاملة، وأنهما قد يتحيزان لأحد الأخوة على حساب الآخرين. فقد يتحيزان للأكبر أو للأصغر، أو للمتفوق دراسيًا، أو لأي عامل آخر. ويزيد إدراك الطفل لهذا الأسلوب في المعاملة إذا كان هو شخصيا هدفا للتحيز ضده.

وكما تؤثر العلاقة بين الوالدين والاتجاهات الوالدية في نمو شخصية الطفل، تؤثر أيضًا العلاقات بين الأخوة في نمو شخصيته، فكلما كانت العلاقات منسجمة، وخلت معاملة الوالدين من تفضيل طفل علي آخر وما ينشأ من أنانية وغيرة وحقد .. كانت هناك فرصة للطفل لكي ينمو نموًا نفسيًا سليمًا.

فعلي الرغم من دعوي أحد الوالدين النمطية أنه يحب كل أبنائه سواء بسواء، فإن تصرفاته لا تكون في هذا الشأن مقنعة للصغار، فالصغير الذي يدرك أنه أثير والديه يعلم أنه يمكنه قول وفعل أشياء ربما يعاقب عليها الأشقاء الأقل تفضيلًا, والصغير الأقل تفضيلًا يدرك أيضًا مركزه ويستاء للمزايا التي تمنح للمفضل، والمفضل بطبيعة الحال يبدي رغبة كبيرة في إرضاء والديه، أما أشقاؤه يصبحون عدائيين، وكلما كان المفضل أكثر نجاحًا، ولامع الذكاء، ومتفوقًا، أصبح الوالد – أو الوالدة – أكثر رغبة في التضحية من أجله .. ولو استتبع ذلك الاستخفاف ببقية الأشقاء.

وتبدو التفرقة بين الأبناء من خلال الاهتمام الزائد بأحد الأبناء ومنحه الحب والمساعدة، ومنحه مصروفًا أكبر قدرًا من الأبناء الآخرين، وشراء مزيد من اللعب والهدايا والملابس أكثر من الأبناء الآخرين، وقد تتخذ التفرقة التفضيل الوالدى لجنس ما عن الجنس الآخر، فقد يفضل الأب أو الأم البنت عن الابن، أو العكس، وقد يعطي الوالدان أهمية ودورًا تسلطيًا للابن الأكبر دون الأصغر، أو يدللان الطفل الأصغر ويعطفان عليه لأنه "آخر العنقود"، ويهملان طفلهما الأكبر).

وبناء عليه ينبغي للآباء الانتباه، فإن وجود طفل معوق في الأسرة قد يؤثر على علاقة الوالدين بالأبناء فقد ينغمس الأهل في احتياجات الطفل المعوق مما يؤثر على بقية الأبناء، وقد يحدث العكس فيهملوا احتياجات الطفل المعوق، ولاشك أن كلا الحالتين يسبب توترًا داخل الأسرة، ويؤدي إلى اضطراب العلاقات بين الإخوة.

وكان هناك من يشير إلى أن وجود إخوة للطفل يشاركونه في حب الوالدين يثير قلق الطفل وأمنه، فهو ـ أي الطفل ـ لا يعرف معنى تجزئة الحب أو تساوية مع بقية إخوته، وكل ما يعرفه أن الحب له وحده وأن وجود من يشاركه فيه سيسبب له الألم والاضطراب العاطفي.

(وهكذا فإن الطفل المعوق قد نجده أكثر حساسية لأسلوب التفرقة من الأطفال العاديين الأسوياء، حيث إن تفضيل الأخوة الآخرين علي حساب ذلك الطفل يجعله يشعر بالغيرة منهم وأحيانا بالحقد عليهم وخاصة عندما تشعره هذه التفرقة بالإعاقة والقصور الذي ألمّ به .إن عدم العدل ما بين الأبناء بالمحبة أو العطاء له أسوأ النتائج على الطفل وقد لا يدرك الأهل أنهم يحابون أو يميزون بين أطفالهم وذلك لأن تصرفهم لا شعوريا، لذا فإن هذا التمييز قد يكون ظاهرا لكل الناس وخافيًا على الأهل أنفسهم، ولعل التمييز يحدث في أشياء صغيرة حقيرة بالنسبة للأهل ولكنها كبيرة بالنسبة للطفل. فقد تتسامح الأم مع ابنها المدلل عندما يفعل بعض الأشياء بينما تؤاخذ الآخرين على نفس الفعلة أو قد تعطيه بعض المال أو المآكل الإضافية، مثل هذه السلوكيات تؤدى إلى مشاكل سلوكية خطيرة من عدوانية وخوف وخجل وانطواء.... إلخ من المشاكل).

أسلوب القســــوة

تتعدد أساليب العقوبات التي يستخدمها الآباء والأمهات مع أبنائهم لتشجيعهم للقيام بشيء معين، فهناك من الآباء والأمهات من يستخدم الأسلوب التسطلي فيما يتعلق بالنظام، بمعنى أنهم المتحكمون الذين يضعون القواعد والضوابط ويتوقعون أن يطاعوا، ومنطقهم في ذلك: (أنا أعلم وأكثر خبرة ودراية ولذلك قلت كذا وأرى كذا...)، وغالبًا ما يستخدم هذا النوع العقاب البدني مع أبنائه.

(والقسوة تعبر عن مجموعة من الأساليب التي يتبعها الآباء لضبط سلوك الطفل المرغوب فيه (بالنسبة للآباء)، ويتضمن العقاب الجسمي كالصفع والضرب، أي كل ما يؤدي إلى آثاره الألم الجسمي، ويتسم هذا الأسلوب بالشدة المفرطة ومداومة عقاب الطفل بصورة مستمرة وعدم إتاحة الفرصة في التعبير عن مشاعره، وصده وزجره كلما حاول الاقتراب من الوالدين.

وقد يكون مصحوًبا بالتهديد اللفظي أو الحرمان، وقد يلجأ الآباء للضرب أحيانًا عندما يسئ الطفل التصرف، فالعقاب هنا قد يعدل السلوك حسب نظرية التعلم التي أظهرت أنه اتجاه أساسي لتغيير السلوك غير المرغوب فيه مقارنة بالأساليب الأخرى، لكنه يتضمن نتائج سلبية أكثرها وضوحًا تعلم السلوك العدواني).

نوع العقاب ودوره

إن العقاب كأحد أساليب التربية تأتي خطورته من ناحيتين: الأولى هي نوع العقاب، والثانية هي دور العقاب، فالبنسبة لنوع العقاب فإن كثيرًا من الآباء يتجهون في أساليب عقاب الابن إلى استخدام العقاب البدني الشديد نتيجة لسلوك سيء أو غير مرغوب فيه من الابن، بينما يميل البعض الآخر إلى توقيع العقاب النفسي على الابن، وهناك من الآباء من يجمع بين النوعين.

ومن حيث درجة العقوبة فهناك من الآباء من يفرط في استخدام العقاب، فيوقع الضرر الشديد بالابن، ولاشك أن هذا يترك آثارًا بالغة الخطورة في نفسية الابن وربما في بدنه.

وفي كثير من الأحيان تلعب الشخصية الانفعالية للآباء دورًا كبيرًا في إيقاع العقاب الشديد وإلحاق الضرر بالأبناء، فالانفعال الشديد يعطل قدرة الآباء على الحكم الموضوعي على المواقف والسلوكيات الخاصة بالأبناء، ولاشك أن هذا يؤدي لمزيد من النتائج السلبية سواء على مستوى النمو النفسي والاجتماعي للأبناء، أو في طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء.

(ومن هنا تأتي الخطورة في عقاب الطفل في أنه يمثل سلاحًا ذو حدين، فهو يجعله ـ على سبيل المثال ـ يكف عن العدوان ولكنه في الوقت نفسه يعطيه نموذجًا للسلوك العدواني الذي يحتمل أن يقلده في مواقف أخري، أو مع أشخاص آخرين وخاصة في غيبة من يقوم بعقابه.

وقد يكون الطفل ذو الاحتياجات الخاصة أكثر شعورا بقسوة والديه من الأطفال الأسوياء العاديين، ذلك لأن كثيرًا من الأوامر والنواهي التي يفرضها والداه عليه لا يفهم كثيرًا منها، وماذا تعني، ولذا يكون عقاب والديه نتيجة مخالفة هذه الأوامر فيه شعور بالإجحاف والظلم مما يؤثر علي نفسية الطفل، فالقسوة الشديدة تؤدي إلي تقوية النواحي الهدامة في الضمير، وكذا إضعاف الذات، وتأخير نضجها، وخلق شخصية علي درجة كبيرة من الحساسية المرضية، بما يجعلها حساسة لكل أمر حتى لو كان بسيطًا، ويعتقد الطفل أن صغائر الأمور تهديد لكيانه، ومن ثم نجده يتشبث بضرورة مقاومة ما يتعرض له وخاصة مقاومة كل أشــكال السلطة).

عرضنا فيما سبق بعض أساليب التنشئة وتأثيرها على الطفل الذي يتحدى الإعاقة داخل الأسرة، فينبغي علينا أن ننزلها منزل الاهتمام ونفهمها جيدًا حتى نتمكن من تنشئة أطفالنا بصورة صحيحة سليمة تدعم النمو النفسي والاجتماعي لهم، وتوطد العلاقة الطيبة بين الآباء والأمهات من جانب، والأطفال من جانب آخر.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 16 أبريل 2014
  1. فيديو: لغز جديد بالطائرة الماليزية.. هاتف مساعد الطيار كان بوضع التشغيلكشف تقرير إعلامي عن لغز جديد يتعلق بالطائرة الماليزية المفقودة منذ عدة أسابيع، وهو أن هاتف مساعد الطيار كان بوضع التشغيل. ونقل تقرير لشبكة سي ان ان الأمريكية عن مصادر لم تكشف عنها أن الهاتف الخلوي الخاص بمساعد طيار الرحلة الماليزية المفقودةآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  2. المنجد معلقًا على رحيل نجله: ما كنت لأوصيكم بالصبر وأخالفهعلَّق الشيخ محمد صالح المنجد على مقتل نجله أنس بقوله: إنه "إذا وقع القضاء فليس للإنسان إلا الرضا بقضاء ربه"، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي أن يوصي المرء غيره بالصبر على البلاء، ثم يخالف قوله فعله عند نزول البلاء به. وكتب المنجد عبر حسابه الشخصي عمحليات السعودية · 1 د قراءة
  3. هكذا يجنِّد "حزب الله" عناصره للقتال في سورياكشفت مصادر إعلامية أجنبية عن كيفية تجنيد تنظيم "حزب الله" الشيعي للمقاتلين الذين يدفع بهم إلى سوريا للقتال دفاعًا عن نظام الأسد. وأوضحت وكالة الأنباء الفرنسية أن المقاتلين يبدأ ضمهم وهم في سن 18 عامًا، ويتم تدريبهم في البقاع لمدة تتراوح ما العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. لماذا لا يثور الجزائريون ؟!تمثل الجزائر نموذجا فريدا في إقليمنا العربي ، حيث جمعت بين كل المتناقضات التي توافرت في دول الربيع العربي التي شهدت أحداثا درامية عاصفة منذ مطلع 2011 ، ومع ذلك ظلت الجزائر بمنأى عن هذه التغييرات الثورية ، ولم تطلها رياح التغيير التي أخذت ذامختارات وحوارات · 6 د قراءة
  5. وثائق سريّة: صدّام علم بـ"نووي إيران" قبل 10 سنوات من اكتشافهكشفت وثائق عراقيّة، صادرتها وكالة المخابرات المركزيّة (CIA) بعد احتلال العراق، النقاب عن علم الرئيس العراقيّ الراحل، صدّام حسين بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ منذ أوائل التسعينيات. ولفت المحلل للشؤون الإستراتيجيّة في صحيفة (هآرتس)، أمير أرون، العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. «رأس فتنة العوامية» يعطل المحاكمة ويرفض الرد على الاتهاماترفض المتهم المعروف بـ"رأس فتنة العوامية"، تقديم رده مجددًا على لائحة الاتهامات التي وجهتها إليه المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض، بزعم أن محاميه لم يستوف في مذكرته الرد المناسب، في حين وافق عليها سابقًا عندما طالب بورقة وقلم ليستكمل مذكرة محليات السعودية · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: طفلي يتحدى الإعاقة