كرة أم قنبلة؟!

هذا الشيء المستدير، هل هو وسيلة ترفيه، أم قنبلة تنفجر في مجتمعاتنا فتأتي على لُحْمته، وتشرخ بنيان الترابط الاجتماعي فيه؟!
الواقع يؤكد على أن كثيرًا من المشكلات الاجتماعية تنشأ بسبب مباريات الكرة، والتشجيع المحموم والتعصب الأعمى لفريق من الفرق، مما يجعلنا نقف بوضوح على ذلك المخطط الصهيوني الذي حيك في الظلام ضد هذه الأمة، كعامل من العوامل التي تجعلها تغرق في المنازعات والشقاقات، ولا يستقيم لها ساق على طريق الوحدة، وتغرقها في لجج التفاهات لكي لا تبصر الحقيقة، وتنأى عن القضايا العظيمة، وقد جاء في كتاب بوتوكولات حكماء صهيون: "اشغلوهم بالأفلام والأغاني والكرة".
ولما انشغل القوم بما أريد لهم الاشتغال به، تهدمت قائمة الأولويات في حياتهم، فصار أمر ترفيهي كمباريات الكرة يعد من أشد الأشياء -عند البعض- فتكًا بالروابط الأسرية، وعلاقات الجوار، والصداقات، وحتى بين الشعوب المسلمة، لما تحتله من مكانة عظيمة لدى الكثيرين.
عندما تصبح الكرة ضرة:
تشتكي كثير من النساء من ولع أزواجهن بالكرة، ويشعرن أنها ضرة لهن يفضلها الرجال عليهن، مما يعرض حياتهن الزوجية للدمار، ويزداد الأمر سوءًا حين يصاب الزوج بالعته الكروي، ويعتدي بالسباب والضرب على زوجته المسكينة وأبنائه رموز البراءة، لا لشيء إلا لأنه يريد لفريقه الفوز لكنه أخفق.
نشرت صحيفة "الوطن" السعودية الأربعاء 21-6-2006م عن إحدى الزوجات قولها في وصف متابعة زوجها للمباريات بأنها تشبه الإدمان إلى حد كبير، وقالت إن زوجها أعد نفسه لهذه الاحتفالية الكروية وطلب إجازة لمدة شهر من العمل، واتفق مع الأصدقاء على أن تكون متابعة المباريات في المقهى، حتى لا يعكر أحد عليه صفو متابعة هذه المباريات, فشهر كامل تعطل فيه المصالح، وتعطل فيه مسيرة الحياة الزوجية الخضراء، وتكون البطولة هي الشغل الشاغل للزوج الذي يحصر اهتماماته في هذا الجانب.
وبعد زواج دام 12 عامًا لجأت زوجة مصرية إلى مكتب تسوية المنازعات بمحكمة الأسرة بالقاهرة لتقيم دعوى خلع من زوجها المتعصب كرويًا, وذكرت صحيفة "الأخبار" القاهرية أن الزوجة عللت طلبها بأن الزوج يعتدي عليها وعلى أولادها بالضرب بعد كل هزيمة لفريقه.
وأكدت الزوجة أن زوجها اعتاد حبسها مع الأولاد أثناء مباريات فريقه، وعند تعرضه لأي هزيمة ينهال عليهم جميعًا بالسب والضرب [جريدة الرياض اليومية، نقلًا عن الأخبار القاهرية].
فهذا هو ما جنته الأسرة من هذا الهراء، بيوت تتفكك، وقلوب تحترق، ودموع تسيل من أجل هذه الضرة، كيف نستطيع تقييم عقل إنسان قد أمر زوجته أن تعيش عند أهلها حتى نهاية المونديال، أو طلق امرأته لخسارة فريقه، أو ذلك الذي ترملت زوجته وتيتم أولاده بسبب التشجيع الحار الهستيري لفريقه حتى مات بالسكتة القلبية، إنها أشبه بالخمر التي تذهب العقول، بل هي أعظم تأثيرًا، فالسكران يفيق، أما هذا فهو في سكر دائم.
سكرة الكرة:
إنها سكرة مستمرة جعلت الصديق يفقد صديقه، والجار يخسر جاره، والأخ يقتل أخاه، كل هذا من أجل ماذا؟ علام يخسر الناس بعضهم بعضًا؟ علام تتبدد أواصر المجتمع؟ كل ذلك من أجل تلك المستديرة التي لا يكف الناس عن ركلها؟!
صدق أو لا تصدق:
أعرف عائلة من تلك العائلات التي أسكرتها الكرة وذهبت بعقول أفرادها، إذا أحرز فريقهم هدفًا، تنادوا فرحين رجالًا ونساءً، تسمع زغردة نسائهم كما لو تزوج أحدهم أو حصل على شهادة الدكتوراه، والأدهى والأمر أنهم يعتلون سطح منزلهم، ثم يتوجهون إلى جيرانهم الذين يشجعون الفريق المنافس، وينهالون عليهم بالسباب والشتائم في غير مزاح، وإنما هو عداء حقيقي، وذات مرة وعقب إحدى هذه المباريات، اشتبك العائلاتان بالأيدي واستخدمت فيها العصي واشترك فيها الرجال والنساء، وسالت دماء، وكادت تكون مجزرة حقيقية.
فكاهة مبكية:
قد وقفت على أحداثها بنفسي أيضًا: رجل من أولئك القوم الذين غرقوا في سكرة الكرة، قد كوَّن في الحي الذي يقطن فيه رابطة لمشجعي الفريق(..)، وذات مرة خسر فريقه الذي يشجع، فبالتالي استفزه مشجعو الفريق المنافس بالكلمات الساخرة الشامتة، فإذا به يحمل التلفاز إلى الشرفة، فيلقي به فيتحطم، ليذهب إلى الشرطة متهمًا منافسيه بتكسير الجهاز. فانظر إلى أي مدى بلغ الهوس منهم مبلغه، ما الذي يساوي أن يخسر الجار جاره الذي أوصى به جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم، مما حمل أمين الأرض على أن يقول: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))[متفق عليه].
السفَّاح:
ليس هذا إعلانًا عن فيلم رعب سينمائي، وإنما هو أقل ما توصف به الكره عندما تكون سببًا في إراقة دماء العشرات، "فمع حمى التنافس الرياضي ، وحرارة التشجيع الكروي شهدت المجتمعات ألوانًا من الانحراف السلوكي متمثلة في الشغب الرياضي وما يتبعه من آثار سلبية 0
الحقيبة التاريخية الرياضية مليئة بكوارث الشغب الرياضي ولعل من آخرها ما نشرته وسائل الإعلام من مقتل ما يزيد على (130) شخصًا في غانا، بعد مباراة بين الفريقين التقليدين للكرة الغانية، وكان سبب الكارثة ثورة جماهير الفريق المهزوم مما دعا الشرطة إلى التدخل وتفريقهم بالغاز المسيل للدموع" [شبابنا بعد المباريات تشجيع أم ترويع, سامي بن خالد الحمود].
كم يأسف المرء لوصول الإنسان الذي أكرمه الله بالعقل إلى هذا المستوى الفكري المتردي، حيث جعل من تشجيع الكرة سكينًا تريق الدماء البريئة.
إن مظاهر المأساة لا يستوعبها مقامنا هذا، لذلك كانت هذه السطور وسابقتها من المقالات الفائتة إشارة تكفي اللبيب، ولكن هل فهم القارئ أن هذه دعوة مني للقضاء على الساحرة المستديرة ونبذ أي اهتمام بمتابعتها؟ هذا ما سيجيب عنه مقالي الأخير في هذا الملف إن شاء الله تعالى، وإلى أن ألقاكم لكم مني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته