مهارة يحتاج إليها الشباب
محمد السيد عبد الرازق
اسمح لي أن أوجه لك سؤالًا: إذا حدث وقابلتُك في يوم من الأيام فأيهما تفضل، أن أظل أتحدث أنا إليك وأنصحك وأوجهك، وأنفرد بالحديث كله، ولا أترك لك فرصة للكلام؟
أم تريد أن تحاورني وتناقشني، وتحكي لي عن حياتك وإنجازاتك ومشاكلك، وتأخذ برأيي في بعض الأمور؟ بالتأكيد ستتوق نفسك للاختيار الثاني.
فلماذا ننسى أحيانًا ونحرص على الانفراد بالحديث وعرض آرائنا، وعدم إتاحة فرصة للآخر لكي يتكلم أويعلِّق؟! إننا بذلك نخسر الأشخاص، ولذلك جاء كلام الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه ليضع النقاط على الحروف، فيقول: (أنصف أذنيك من فيك، فإنما جُعل لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تتكلم) [مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة، ص(171)].
المحاور الصامت:
ربما تعجب من العنوان، فتقول: وكيف يكون محاورًا وصامتًا في نفس الوقت؟! ولكن قد يزول العجب حينما تسمع تلك القصة التي يحكي فيها توني بوزان عن تجربة شخصية وقعت له شخصيًّا، فيقول: (أُصبت بعدوى حادة في الحلق قبل إحدى المناسبات الاجتماعية، ولشدة إحباطي لم أستطع النطق ولو بكلمة واحدة إلا بصعوبة بالغة.
وقابلت في الحفل شخصًا كان متحمسًا لعدة أشياء، واسترسلنا في محادثة مفعمة بالحيوية، ولكن دوري في المحادثة اقتصر على الإيماء بالرأس؛ بسبب ضعف صوتي، وكنت أوصل ما أريد قوله عن طريق الهمهمة، وقلما كنت أطرح عليه أسئلة؛ مما أتاح الفرصة لصاحبي للخوض في محادثة أخرى لمدة خمس دقائق بحماس منقطع النظير.
وعندما افترقنا في النهاية؛ كنت أعتقد أنه قد يظنني شخصًا مملًّا في الحديث؛ حيث أني قد أسهمت بنسبة أقل من خمسة بالمائة من المحادثة، بينما وصلت نسبته فيها إلى أكثر من خمسة وتسعين بالمائة، وكان من دواعي دهشتي أنني سمعت فيما بعد أنه اعتبرني محاورًا مدهشًا) [قوة الذكاء الاجتماعي، توني بوزان، ص(39-40)].
احذر من هذه الخمسة:
توجد خمس عادات سلبية يقع فيها البعض حينما يستمعون إلى الآخرين، وهي تُضعِف من تواصل المرء مع غيره؛ ومن أهمها ما يلي:
1. التظاهر بالإصغاء بينما تكون على خلاف ذلك في الحقيقة.
2. محاولة القيام بأشياء أخرى في أثناء الاستماع.
3. الحكم على الموضوع بعدم الأهمية.
4. الذهول من طريقة المتحدث في الكلام أو من تكلُّفه.
5. الإفراط في الانغماس في الحديث؛ ومن ثَم نفتقد الخيط الرئيسي للنقاش.
إلى الآباء:
وإن كنا في حاجة إلى تطبيق قاعدة الإنصات الفعال في علاقاتنا مع الآخرين، فإن المربين سواء أكانوا آباء أو أمهات أو مربون، في حاجة شديدة إلى تطبيق مثل تلك القاعدة، فإن فقه هؤلاء المربين لتلك القاعدة يمنحهم كلمة السر في علاقة سوية وقوية مع المتربين.
ولنشاهد هذه القصة لإحدى الأمهات مع ابنتها، تحكي إحدى الأمهات فتقول: (ذات يوم كنت قد يئست معها حين تمردت لورى عليَّ، وتركت المنزل لتزور إحدى صديقاتها قبل أن تنتهي من واجباتها، وعندما عادت كنت على وشك أن أصيح فيها للمرة الألف، ولكنني لم أجد لدي القوة لأفعل هذا، وما كان مني إلا أن نظرت لها وقلت في حزن: لماذا يا لورى؟ لماذا؟
ولاحظت لورى حالتي، وقالت لي بصوت هادئ: هل تريدين حقًّا أن تعرفي؟ فأومأتُ لها بالإيجاب، وأخذت لورى تحكي لي بتردد في البداية، ولكنها بعد ذلك تحدثت بتلقائية، ولم أكن قد أنصتُّ لها من قبل، حيث إنني دائمًا أخبرها بأن تفعل هذا أو ذاك، وعندما كانت تريد إخباري بما يدور في خلدها وبمشاعرها وأفكارها، كنت أقاطعها بمزيد من الأوامر.
وبدأت أدرك أنها كانت بحاجة لي ليس كأم متسلطة ولكن ككاتمة أسرار، وكمتنفس لملل الاضطرابات التي تعاني منها بشأن البلوغ، وكل ما كنت أفعله هو التكلم في الوقت الذي كان عليَّ أن أنصت لها، فقد كنت لا أسمع لها أبدًا.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتركها تتحدث بما تريد، حيث تخبرني بما في ذهنها وقلبها، وتحسنت علاقتنا بشكل هائل، وأصبحت مرة أخرى شخصية متعاونة) [كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي، ص(182)].
إن الاستماع للآخرين باهتمام؛ يفتح لك آفاقًا من معرفة الشخص الآخر وفهم شخصيته، والإحاطة بأوضاعه وظروفه، وهذا بدون شك يعطيك مفتاح التأثير في الشخص، وتغييره للأفضل.
كيف السبيل؟
1. اترك للآخرين دفة الحديث:
فعندما تنصت للآخرين أكثر فأكثر؛ فإنك تسبر أغوارهم، وتكشف اللثام عن عالمهم؛ مما يجعلك أكثر فهمًا لهم، وأقرب إلى إنشاء صلات قوية بهم؛ ولذا فما أجمل تلك الحكمة التي صاغها واحد من السلف حين قال: (الصمت يجمع للرجل فضيلتين: السلامة في دينه، والفهم عن صاحبه) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/311)]، فاحرص ـ عزيزي الشاب ـ أن تستمع أكثر مما تتحدث، ودرِّب نفسك على ذلك.
2. أكثِر من الأسئلة المفتوحة:
وهي تلك الأسئلة التي لا تكون الإجابة عليها بنعم أو لا،وغالبًا ما تكون أداة السؤال هي: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ مَنْ؟ أين؟ متى؟وبالتالي تحتاج إلى الاسترسال في الإجابة عليها؛ مما يفسح المجال للطرف الآخر للتحدث بحُرية؛ ويساعد ذلك أيضًا في كسر الجليد الذي يتراكم على الحوار في دقائقه الأولى.
3. أين أنت الآن؟
إليك هذا الاختبار، والذي نرجو أن تخوضه بصدق وتجرد كما هو الظن فيك ـ إن شاء الله تعالى ـ لكي تحدد درجة فاعليتك في الاتصال مع الآخرين، وليس عليك سوى أن ترصد درجات الأسئلة الآتية، وذلك باستخدام مفاتيح التقويم التالية:
| دائمًا: (5)، غالبًا: (4)، أحيانًا: (3)، نادرًا: (2)، بتاتًا: (1). | |||
م | الأسئـــــــلة | الدرجة | |
| 1 | أجد سهولة في مقابلة الناس وبناء علاقات جديدة، وأحب الانضمام إلى مجموعات جديدة. | ||
| 2 | لدي أصدقاء وإخوة كثيرون أثق فيهم، وأجد متعة في بناء علاقات جيدة مع الناس. | ||
| 3 | دائمًا ما أبدأ التعارف على أشخاص لا أعرفهم، ولا أنتظر أن يقوموا هم بالتعرف عليَّ. | ||
| 4 | أنا شخصية مؤثرة وسط أصحابي وزملائي، ودائمًا ما يقصدونني في الخدمات. | ||
| 5 | أحرِص على بذل الهدايا للآخرين؛ لزيادة المودة والمحبة. | ||
| 6 | حينما أتعامل مع الآخرين، دائمًا أحاول أن أفهمهم، وأن أرى الأمور من وجهة نظرهم، لا من وجهة نظري الخاصة. | ||
| 7 | أستمع بإنصات وتركيز لما يقوله الآخرون، ويظهر الاهتمام على وجهي، ولا أقوم بعمل آخر أثناء استماعي للآخرين. | ||
| 8 | لا أقاطع الآخرين أثناء حديثهم، وأنتظر حتى يفرغ الشخص من كلامه لأتكلم. | ||
| 9 | أحب التعبير عن مشاعري تجاه الآخرين، ولا أجد في ذلك صعوبة بتاتًا. | ||
| 10 | أراعي مشاعر الآخرين ولا أجرحها، وأتجنب اللوم والتقريع في تعاملي مع الآخرين. | ||
| 11 | وجهي دائمًا مبتسم في وجوه الناس، ولا أجد صعوبة في التبسم في وجه أي شخص. | ||
| 12 | أحرص على بناء علاقاتي مع أي شخص على أساس التعاون، والنفع المتبادل بيني وبينه. | ||
| 13 | أُفضِّل العمل الجماعي ضمن فريق عمل، على العمل بمفردي. | ||
| 14 | أهتم في حديثي مع الآخرين بالبدء بالنقاط المشتركة بيني وبينهم، ثم التدرج في الحديث معهم لحل النقاط المختلف فيها. | ||
| 15 | لا أطلب من أي شخص القيام بأي عمل، إلا وأنا أعرف مسبقًا أنه غالبًا سيقوم بتنفيذ هذا العمل. | ||
| 16 | أعرف أن كل شخص له لغته الخاصة التي يفهمها وتناسبه، وأتعامل معه على وفق لغته. | ||
| 17 | أرصد التغيرات الجسدية التي تطرأ على الشخص أثناء الحديث، وأتعامل معها بما يناسبها. | ||
| 18 | أحرِص على الثناء المخلص على الآخرين، والتقدير الحقيقي لما يعملونه، وتشجيعهم. | ||
| 19 | أحرِص على كسب الجميع، وعدم خسارة أي شخص، وعدم تكوين عداوات. | ||
| 20 | لدي العديد من الأصدقاء، يعتبرونني أهم شخصية في حياتهم. | ||
| 21 | أشعر أن الناس يُسرون بوجودي معهم، وأنني موضع الترحيب في كل مكان. | ||
| 22 | صوتي دائمًا هادئ، ولا يشكو الناس أبدًا من ارتفاع صوتي أثناء الكلام. | ||
| 23 | لا أنزعج إذا اختلف معي الشخص الآخر في الرأي، وخصوصًا إذا لم يكن لدى هذا الشخص نفس نصيبي من الخبرة. | ||
| 24 | لا أقلق من التعبير عن رأيي في صراحة ووضوح، حتى ولو كان يخالف الآخرين. | ||
| 25 | لدي الثقة بالنفس في أنني أستطيع بناء علاقة قوية مع أي شخص، في أي وقت، وأي مكان. |
قيِّم نفسك:
إذا أحرزت أكثر من 85%؛ فإن فاعليتك في الاتصال مرتفعة، وبتواصلك معنا عبر هذا الكتاب؛ يمكن أن تصل إلى أقصى درجة ممكنة إن شاء الله.
أما إذا تراوحت درجتك بين 60%-85%؛ فهذا معناه أنك جيد في الاتصال مع الآخرين، ولكن هناك العديد من المهارات التي تنقصك، والتي تحتاج منك إلى التطوير؛ لتصبح متميزًا في الاتصال مع الآخرين؛ ولذا فاصحبنا في رحلة تطويرية لمهاراتك عبر هذا الكتاب، لتصل إلى الامتياز إن شاء الله.
أما إذا كانت درجتك أقل من 60%؛ فهذا معناه أنك تعاني من مشكلة حقيقية في الاتصال، وأنك بحاجة ماسة لقراءة هذا الكتاب، وأنك تحتاج إلى تغيير ليس بالقليل في أفكارك ومشاعرك ومهاراتك لتصل إلى الامتياز، ولكن نبشرك أنك أعلى المستفيدين من قراءة هذا الكتاب، وأنك أول من ستشعر بالتغير والتقدم والتطور في مستواك إن شاء الله.
المصادر:
· إحياء علوم الدين، الغزالي.
· كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، ديل كارنيجي.
· مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة.
· قوة الذكاء الاجتماعي، توني بوزان.