مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

المحطة الثالثة: الالتزام والوفاء بالالتزام

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد السيد عبد الرازق

إن التوقف عند محطة: تفجير الطاقات، ومحطة: دوائر الفاعلية، أمر بالغ الأهمية، وهو ما تم بالفعل في المقالات السابقة، غير أن الوصول إلى المبادرة لا يتم إلا إذا كانت هناك وقفة تزود من محطة الالتزام والوفاء به، فما هو الالتزام وكيف نفي به؟

أنت تستطيع

إذا أردت حقًا أن تصل إلى المبادرة وتغرسها في أعماق نفسك، فابدأ بقطع الالتزامات على نفسك والوفاء بهذه الالتزامات، اتفق مع نفسك واقطع عليها العهد أن تحافظ على فعل شئ معين ووف بهذا العهد والتزم به بالفعل فأنت بذلك تنمي ثقتك بنفسك، ومن ذلك تتولد قناعة داخلية بأنك تستطيع تحويل ما خططت له إلى حقيقة وواقع عملي، وأنك شخص جاد وإيجابي.

يقول ستيفن كوفي: (إن الالتزامات التي نقطعها على أنفسنا أو لغيرنا، وتمسكنا بهذه الالتزامات، هو الجوهر وأكثر الوسائل وضوحًا للإعلان عن إيجابيتنا.

وهكذا فإننا نكون بإزاء نهجين لجعل أنفسنا مسيطرين على حياتنا على الفور: إننا نستطيع أن نبذل وعدًا ثم نفي به ، أو نستطيع أن نضع هدفًا ونعمل من أجل تحقيقه.

وبقطع الالتزامات والوفاء بها، حتى الالتزامات البسيطة، فإننا نبدأ في تكوين استقامة باطنية تخلق لدينا الوعي بالتحكم في الذات والشجاعة والقوة لتقبل المزيد من المسئولية تجاه حياتنا، وببذل الوعود وإيفائها لأنفسنا وللآخرين فإن أمانتنا تكبر شيئًا فشيئًا) [العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، ستيفن كوفي، ص(128-129)].

إن الزام النفس بما نقطعه عليها من عهود ومواثيق لهو الطريق إلى القوة الذاتية الحقيقية وإلى ذرِّ الرماد عن جمرة الإيجابية المشتعلة داخل أنفسنا.

الطالب الياباني والالتزام:

(قرر طالب ياباني في عام 1938م أن يستثمر كل ما يملك في ورشة صغيرة، ليصنع محرك سيارة ويبيعه لشركة تويوتا، وبعد عمل مضنٍ متواصل، ترفض تويوتا شراء محركه؛ لأنه لا يتوافق مع مقاييس الشركة، عاد إلى دراسته ليتحمل سخرية مدرسيه وزملائه لفشله في صنع المحرك.

وفي عام 1940م ينجح في تصنيع المحرك، وتوقع معه شركة تويوتا عقدًا طالما حلم بتوقيعه، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وتعلن الحكومة اليابانية دخول الحرب العالمية الثانية، ولذا رفض طلبه للحصول على الأسمنت اللازم لبناء مصنعه، فماذا يصنع؟ قام هو وفريقه باختراع طريقة مبتكرة لإنتاج الإسمنت اللازم لهم ومن ثم بنوا مصنعهم.

ثم تأتي سنوات الحرب، ويتم قصف مصنعه مرتين، مما أدى إلى تدمير أجزاء رئيسة من هذا المرفق الصناعي، فكيف كانت استجابته؟ لقد جند فريقه على الفور وأخذوا يجمعون علب البنزين الفارغة التي كانت المقاتلات الأمريكية تتخلص منها، والتي وفرت له المواد الأولية التي يحتاجها لها، وهي مواد لم تكن متوفرة في اليابان حينذاك، ويبدأ المصنع في العمل، ولكن زلزال يضرب المصنع، فيضطر إلى بيع ما تبقى منه لشركة تويوتا.

بعد الحرب، تعاني اليابان من ندرة مريعة في مؤونات البنزين، فيقرر بطل قصتنا أن يركب محركًا صغيرًا لدراجته، وسرعان ما أخذ جيرانه يطلبون منه أن يصنع لهم دراجات، ولذا قرر أن يبني مصنعًا لصنع المحركات لاختراعه الجديد.

غير أنه لم يكن يملك رأس المال اللازم، فأخذ يناشد أصحاب محلات الدراجات في اليابان وعددهم (18000) أن يهبوا لمساعدته، وأخذ يكتب خطابات لهم ليبلغهم بأنه يسعى للعب دور في إعادة إحياء اليابان من خلال قوة الحركة التي يمكن لاختراعه أن يوفرها، واستطاع إقناع (5000) من هؤلاء البائعين بأن يقدموا له رأس المال اللازم.

غير أن دراجته النارية لم تبع إلا للأشخاص المغرمين جدًا بالدراجات، ولذا أجرى تعديلاً جديدًا لصنع دراجات أخف كثيرًا وأصغر من دراجته، وسرعان ما حققت الدراجة نجاحًا باهرًا.

بعد ذلك بوقت قصير يفوز بجائزة إمبراطور اليابان، ومن ثم يبدأ بتصدير دراجاته النارية إلى أوروبا والولايات المتحدة، إلى أن صنع أول سياراته في السبعينيات من القرن العشرين، وحظيت هذه السيارات برواج واسع النطاق) [كيف أصبحوا عظماء؟ د. سعد سعود الكريباني، ص(165-169)، بتصرف واختصار].

لقد كان الالتزام بل والوفاء التام بهذا الالتزام هو الجزء الأهم في قصة ذلك المهندس الياباني، وهو الذي أوصله إلى إنشاء شركة سيارات يابانية معروفة حملت اسمه، وهي شركة "هوندا".

الالتزام، لماذا؟

1. طريقك إلى النجاح:

هو أهم طرق النجاح، إذ أن الإنسان لا يسعى في طريق النجاح ويصبر عليه إلا بالالتزام، وكما يقول زيج زيجلير: (يفشل الناس أحيانًا، ليس بسبب نقص القدرات، ولكن بسبب النقص في الالتزام) [المفاتيح العشرة للنجاح، د.إبراهيم الفقي، ص(111)، بتصرف يسير].

2. تخطي الحواجز:

لعلنا تحدثنا من قبل عن عوائق وحواجز الفاعلية، والالتزام هو الذي يعبر بك هذه الحواجز ويقطع هذه العوائق، فكما يقول جون مكسويل في كتابه لليوم أهميته: (في أي وقت تقطع على نفسك عهدًا، فإن العهد سيواجه تحديات كثيرة) [لليوم أهميته، جون سي ماكسويل، ص(159)].

3. الوصول إلى القمة:

وحتى تصل إلى القمة في التميز، فإليك نصيحة دكتور روبرت شولر في كتابه قوة الأفكار، حين يقول: (ابذل قصارى جهدك وابدأ صغيرًا، ولكن فكر على مستوى كبير عليك باجتياز العواقب واستثمر كل ما عندك، وكن دائمًا مستعدًا للتصـرف وتوقع العقبات، ولكن لا تسمح لها بمنعك من التقدم) [المفاتيح العشرة للنجاح، د.إبراهيم الفقي، ص(116)].

إن الالتزام يمكن أن نعرفه على أنه (قوة دافعة تجعل الظروف الصعبة تحديات تذكي الهمم وتشعل الحماسة، وليست عقبات تعترض طريق المبادرة والفاعلية، فهي باختصار قوة تدفعنا لإنجاز الأعمال العظيمة والمواظبة والاستمرار عليها) [قوة المبادرة، د.محمد العطار].

الهرم الثلاثي:

وحتى نصل إلى ذلك الالتزام، عليك أن تبني هرم الالتزام ذا الدرجات الثلاث، كما يلي:

1. الهدف الواضح:

فكما يقول سيسل ديميل: (أغلبنا يسعى لتحقيق أهدافه بشكل يفتقر إلى المثابرة والمواظبة، إن الشخص الذي يحقق النجاح في الحياة، هو الذي يضع هدفه نصب عينيه بصفة مستمرة، ويتجه إليه بلا انحراف) [أفضل ما قيل في قوة الأهداف، كاثرين كارفيلاس، ص(23)].

2. أصدقاء الفاعلية:

فأنت تحتاج إلى مصادقة الفعالين الذين يقطعون الالتزامات ويوفون بها، كما يقول دونالد كليفتون: (إن العلاقات تساعدنا على تحديد هويتنا وإمكاناتنا المستقبلية، وأغلبنا يستطيع أن يقتفي أثر إنجازاته ليجدها مرتبطة بعلاقات محورية في حياته)[لليوم أهميته، جون سي ماكسويل، ص(220)].

3. العمل المتواصل:

فكما يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (لو تصفحتم يا أبنائي وبناتي سير عظماء الرجال وعظيمات النساء لوجدتم أنهم يشتركون في عدد من الصفات والعادات الحسنة، وهي التي جعلتهم عظماء ومتميزين وستجدون من بين تلك الصفات "المثابرة" والقدرة على الاستمرار في العمل؛ وذلك لأن الأعمال الصغيرة حين تستمر تتراكم وتتحول إلى أعمال عملاقة وكلكم يعرف ما تفعله قطرات الماء الواهية في الحجر الأصم إنها مع الاستمرار تحفر فيه الأخاديد، وتغير شكله) [50 شمعة لإضاءة دروبكم، د.عبد الكريم بكار، ص(107)].

وهكذا العمل الدائب، والسعي المستمر، يجعل من العمل البسيط المستمر قطرات تحفر أخدود المبادرة في نفس كل منا... والآن بعد أن توقفت في محطات المبادرة، ما عليك إلا أن تواصل المسير حتى تصل إلى القمة، وهناك تسعد بلقاء المبادرين والناجحين من أمثالك.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 16 يناير 2014
  1. بالفيديو.. شاهد رد فعل "عكاشة" بعد تسلمه مكافأة ضخمة من القضاءتداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مركب، يوضح رد فعل الإعلامي توفيق عكاشة بعد تسلمه مكافأة ضخمة من القضاء تقديرا لجهوده. ويوضح الفيديو وعد المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة لعكاشة بمكافأة ضخمة له، ليلة الاستفتاء على الدمحليات مصر · 1 د قراءة
  2. ‏الزند : حزب النور لم يستطع الحشد فى الاستفتاء كما وعدهاجم رئيس نادي القضاة المصري أحمد الزند حزب النور بسبب عدم تمكنه من حشد أتباعه للتصويت على الدستور. وقال ـ وفقا لبوابة الأهرام ـ:" لم أر السلفيين فى طوابير الاستفتاء على الدستور ويبدو أن القيادات فى ناحية والقواعد فى ناحية أخرى". وأضاف: ولكالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. تعليق ناري لـ"هويدي" على قيام الجيش بالترويج للدستوراستنكر الكاتب الصحافي فهمي هويدي ضلوع القوات المسلحة المصرية في حملة الدعاية لدستور الخمسين، وحث الناس على التصويت عليه. وذكر هويدي في مقال له على صحيفة الشروق بعنوان "في وهم صناعة التاريخ" اليوم الخميس؛ أنه "لو كان مقبولًا مشاركة الجيش في العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. القدوسي: فرنسا تحقق مع السفير المصري لبلاغه الكاذب بشأن المعتصمينذكر الكاتب الصحافي محمد القدوسي أن فرنسا قد استدعت السفير المصري؛ للتحقيق معه بسبب بلاغه الكاذب بشأن المعتصمين المصريين منذ أيام، والذي أبلغ فيه عن وجود إرهابيين بالسفارة يحملون الأسلحة البيضاء، الأمر الذي ترتب عليه معاملة الشرطة لهؤلاء المالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. "الأسعد": الصراعات ما هي إلا تمهيد لجنيف 2 التصفوي الخيانيأصدر مؤسس الجيش الحر العقيد رياض الأسعد بيانًا بشأن الاقتتال الدائر بين تنظيم الدولة في العراق والشام المعروف بـ"داعش" وبين الحر, مشددًا على أن "هذه الصراعات ما هي إلا تمهيد لمؤتمر جنيف 2 التصفوي الخياني". وقال الأسعد في بيان بعنوان "الفتنةسوريا الثورة · 1 د قراءة
  6. صحيفة مؤيدة للانقلاب: نسبة المشاركة في الاستفتاء بالإسكندرية 3%نقلت بوابة الوفد الإلكترونية المؤيدة للانقلاب العسكري عن رئيس اللجنة العليا للانتخابات بمحافظة الإسكندرية أن عدد المشاركين في الاستفتاء بلغ 102725 بنسبة 3% فقط. وقالت البوابة نصًّا: "قال رئيس اللجنة العليا للانتخابات بمحافظة الإسكندرية في ممحليات مصر · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: المحطة الثالثة: الالتزام والوفاء بالالتزام