الفتاة المسلمة... بين الوقاية والعلاج

الوقاية خير من العلاج..
حكمة جليلة لا يدرك قيمتها أكثر الناس إلا من رحم الله, فنحن لا ندرك قيمة الصحة إلا بعد أن نذوق مرارة المرض, ونتمنى العافية, ولهذا كانت الوقاية من الأمراض هي الحصن الحصين الذي يمنع عنا الكثير من الأمراض والأوبئة.
والنظافة هي أهم وسائل الوقاية من الأمراض، فبدن غير نظيف، وبيت غير نظيف، وشارع غير نظيف، هي أمور يترتب كل منها على الآخر، وتؤدي في النهاية إلى أمراض في الفرد والأسرة والمجتمع, ومن ثم حث الإسلام على إشاعة خلق النظافة في المجتمع ليكون وقاية من الأمراض.
نظافة البدن:
والنظافة عبادة، ولذلك فإن الإسلام يوجه المسلمين في كل عبادة إلى نظافة البدن، فجعل لعبادة الصلاة ركنًا قبلها وفرضًا لا تتم إلا به وهو الوضوء، وهو غسل الأطراف الظاهرة من الجسم والتي يكثر تعرضها للغبار وللاستخدام، ومنها مداخل ومخارج الجسم.
((يا أيُّها الَِّذين آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأََيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإَنْ كُنْتُمْ جُنُبًَا فَاطَّهَّرُوا))[المائدة:6].
فاليد إلى المرفق، والوجه، والرأس، والقدمان إلى الكعبين، تغسل في اليوم ـ على الأقل ـ خمس مرات بالماء الجاري الطاهر الذي لم يتغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، ولم يدخل فيه نجاسة.
وأهم أعضاء البدن والتي تحتاج لنظافة مستمرة هي اليد، فنغسلهما قبل الوضوء ومع الوضوء، وفي نهايته، ونغسلها قبل الطعام وبعده، ونغسلها عند الاستيقاظ من النوم، ونغسلها بعد الخروج من قضاء الحاجة, سواء أكان بولًا أم برازًا، ومن السنة تثليث الغسل؛ أي: جعله ثلاث مرات، واستخدام الصابون مستحب لزيادة النظافة.
طيب الطيب:
كان الصبي الذي يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه على رأسه يُعرَفُ وسط أقرانه؛ وذلك من أثر رائحة كفِّه الطيبة صلى الله عليه وسلم، وكان يُكثر من استخدام الطيب وهو العطر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((حبب إلي الطيب)) [حسنه الألباني].
الغسل سنة الحبيب:
أما البدن كله فقد أوجب الإسلام غسله كاملًا، مع التدليك والتأكد من وصول الماء إلى جميع أجزائه وثناياه في أحوال متعددة مثل: الجنابة، والحيض والنفاس للمرأة، وعند الإحرام للعمرة أو الحج، حيث ورد الكثير من الأحاديث التي تأمر به.
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت؛ فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا؟! وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل)، وفي رواية قال: ألم تسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)) [صححه الألباني]، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام؛ يغسل رأسه وجسده)) [متفق عليه]،وهكذا فلا يمر أسبوع بلا استحمام، وقمة النظافة أن يكثر الإنسان من هذا الاستحمام وخاصة في فصل الصيف، فهكذا رتب الإسلام نظافة البدن.
وللبيوت نصيب:
فقد سن الإسلام اتخاذ "الأكنفة" ـ أي دورات المياة ـ ودعا صلى الله عليه وسلم إلى تنظيفها، فعن ابن المسيب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود،فنظفوا ـ أراه قال: أفنيتكم ـ ولا تشبهوا باليهود)) [حسنه الألباني]، وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم عندما يأتي فراشه أن ينظفه بثوبه حتى لا تكون هناك حشرة ضارة فيه.
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها، بما تحفظ به عبادك الصالحين))[متفق عليه]، وهو إشارة إلى الاهتمام بالفراش، وتهويته وتشميسه، وفرق كبير بين فراش تعرض للشمس وآخَر لم يرها ولم تره.
أما نظافة المجتمع:
فقد جعل الإسلام من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))[متفق عليه].
وكان احتفائه صلى الله عليه وسلم بالرجل أو المرأة الذي كان ينظف المسجد دلالة على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بنظافة المرافق العامة، والمسجد النظيف هو القدوة للمجتمع كله.
عن أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شاب، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها ـ أو عنه ـ فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني؟))، قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: ((دلوني على قبره))، فدلوه، فصلى عليها، قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم))[متفق عليه، واللفظ لمسلم].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا اللاعنين))، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: ((الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم))[رواه مسلم].
والتخلي: هو قضاء الحاجة.
ونهى عن البول في الماء الراكد، كما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه، وهذه الإشارات النبوية تدعو لتنظيم النظافة في المجتمع والاهتمام بالمجاري والصرف الصحي اهتمامًا يساعد على عدم تفشي الأمراض.
وهكذا نظافة الأفراد والبيوت والمجتمع طريق من طرق قوة الجسم والعناية به، فهي أول باب من أبواب الوقاية من الأمراض.