مسلمون منسيون في تراقيا الغربية (3)

تختلف الأقليات الإسلامية في أوروبا عن غيرها من الأقليات الإسلامية الموجودة في العالم من عدة جوانب منها عددهم الضخم،وأصولهم المختلفة والتي ترجع إلى معظم الدول الإسلامية, بالإضافة لمن أسلموا من تلك البلاد,إلا أنهم يواجهون تحديات كثيرة ومشاكل متعددة. منها مشكلات الإقامة والعمل، ومنها الصعوبات الخاصة بتوفير التعليم الإسلامي لأبناء المسلمين، والحفاظ على الهوية الإسلامية في ظل هذه المجتمعات الإباحية التي تنتشر فيها الانحرافات الأخلاقية كذلك الاضطهاد لغالب الأقليات المسلمة,والهجوم على الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية -الذي يعد من أكبر المشاكل التي تواجه الأقليات- التي يسيطر عليها أناس يكرهون الإسلام. ويحاولون الكيد له وتنفير الناس منه.
في تلك الحلقة نعرض للصعوبات والمشكلات والتحديات التي يتعرض لها إخواننا المسلمين في تراقيا الغربية, علنا نستطيع إظهار معاناة هؤلاء الأحباب وإخراجها من ظلمات التجاهل والغفلة والتناسي إلى حيز النور لنعيشها معهم علها تجد قلوبًا غيورة تسعى لأجل المساعدة في رفع هذا الظلم وتلك المعاناة المعتم عليها.
ذكرنا في حلقة سابقة أن هذه المنطقة كانت تابعة لتركيا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ثم احتلتها اليونان بعد ذلك وقد كفلت معاهدة لوزان تحقيق المساواة والعدالة للمسلمين ، وعدم المساس بمعتقداتهم ومساجدهم ومدارسهم وأوقافهم لكن المعاهدة لم تحترم, وعلى أثر ذلك ترتبت مختلف صور المعاناة التي تعيشها تلك الأقلية المسلمة المنسية.
ورد في الحلقة السابقة نصوص الدستور اليوناني الذي يفترض تطبيقه على كل فئات الشعب اليوناني بكافة طوائفه ومعتقداته, وسنرى كيف خرقت الحكومة اليونانية دستورها بشأن معاملة الأقلية المسلمة خاصة في النصوص التالية.
أولا في الحرمان من حق المواطنة والجنسية وقد حصل هذا لأشخاص زاروا تركيا ومنهم عسكريون خرجوا مع الجيش اليوناني ومنهم صحفيون فضلًا عن المخالفة لقرارات مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي عام 1989 الذي ينص على ضرورة احترام الدول الموقعة وفيه عدم حرمان المواطن المغادر لبلده من العودة إليه متى شاء ، ولقد حرم بضعة آلاف من المسلمين لخروجهم من اليونان لتركيا أو ألبانيا من العودة لبلادهم .
ثانيًا حرية التنقل واحتجاز الجوازات فالحكومة اليونانية تمنع مسلمي اليونان من حرية السفر حيث تحجز جوازاتهم بعده طرق منها دخول البوليس لمنازل المسلمين وطلب الجوازات ثم أخذها,ومنها أن شرطة الجوازات عند الحدود تخير العائدين من المسلمين عند دخولهم للبلاد بأن جوازاتهم لم تعد صالحة وبالتالي تحجزها لديها وفي معظم الحالات يتم إعادة الجوازات في فترة بين شهرين إلى 8 أشهر وبدون ذكر للأسباب. إن حجز الجوازات بدون سبب وبدون محاكمة وبدون مواجهة قضائية يخرق
مواد الدستور اليوناني والاتفاقيات الدولية لحرية السفر كما يشكل مضايقة للمسلمين في اليونان وإنكار لحقهم في السفر.
ثالثًا في حرية الحركة والسفر في المناطق " المقيدة " فمعظم تراقيا الغربية منطقة عسكرية مقيدة يحتاج فيها المرء لترخيص رسمي لدخولها وبخاصة المحاذية لبلغاريا ويذكر بعض أفراد الأقلية المسلمة أن هناك 25000 مسلم من البوماك يعيشون في المناطق المقيدة من اكسانثي, و10.000 في المنطقة المقيدة من كوموتيني،وهناك تشديد قوي على حركة وتنقل سكان تلك المناطق كما تغلق المنطقة كلها بين منتصف الليل حتى الخامسة صباحًا ويمنع السكان من تجاوز دائرة قطرها 30 كم من قراهم في جميع الأوقات.
وهناك أيضًا إنكار الأصل العرقي فالحكومة اليونانية ترفض الاعتراف بوجود أقلية تركية في اليونان وبخاصة في تراقيا الغربية كما ذكر رئيس الوزراء بأنه يوجد مسلمون يونانيون في تراقيا الغربية ولا يوجد أتراك يونانيون هناك.
ناهيك عن المعاملة المتردية والسيئة على الرغم من توقيع اليونان على الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تنص على عدم تعريض الأفراد لمعاملة غير إنسانية أو سيئة فإن مسلمي تراقيا الغربية يتعرضون لمضايقات كثيرة من قبل البوليس مثل :
- استدعاء من يتعاونون مع منظمات حقوق الإنسان والمراقبين الدوليين من المسلمين وذلك لاستجوابهم والتحقيق معه في قسم الشرطة.
- مضايقة المحامين من المسلمين من قبل البوليس بين وقت وآخر.
- قيام رئيس المباحث بإعطاء أوامر لمراقبة كثير من الأتراك المسلمين .
- مضايقة المراقبين الخارجين والمنظمات الإنسانية التي تحقق في انتهاكات حقوق الأقلية المسلمة التركية.
- تهديد المسلمين من قبل البوليس بالضرب والإيذاء في حالة تقديمهم أي شكوى.
- أما عن حرية التعبير فحدث ولا حرج فالدستور اليوناني ينص في مادته الرابعة عشرة على حرية التعبير والنشر للآراء والمعتقدات كما ينص على حرية الصحافة ومنع الرقابة عليها .وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الحرية بالنسبة لمسلمي تراقيا الغربية مقيدة ويمنع دخول الصحف والكتب التركية إلى المنطقة ويتم التشويش أحيانًا على الإذاعة والتلفزة التركية،ويوجد حاليًا 5 صحف باللغة التركية محدودة الطبعات قليلة الصفحات تصدر أسبوعيًا في كوموتيني وإكساتي مع مجلتين شهريتين ويحظر نشر أي انتقاد للحكومة عما يصيب المسلمين من مضايقات .
وإذا تكلمنا عن الحرية الدينية التي يقصد بها حرية العبادة حيث نصت معاهدة لوزان على حق مسلمي اليونان في حرية الدين وحق التصرف في المعاهد الوقفية كما نصت الوثيقة الختامية لاجتماع فينا في يناير 1989م على حرية الأفراد في تنظيم مؤسساتهم الدينية وهياكلها الإدارية،وقد خرقت الحكومة اليونانية هذه المعاهدة بعدة أشكال منها :
- عدم إعطاء التصاريح لترميم أو إعادة بناء المساجد القائمة ومنع التصريح ببناء المساجد الجديدة.
- عدم منح المسلمين حق اختيار مفتٍ لهم.
- محاولة الحكومة التصرف في أوقاف المسلمين.
هذا ومن جهة الحرية السياسية تقوم الحكومة اليونانية بعدة إجراءات للتضييق على المسلمين في محاولة منها للتقليل من عدد أصواتهم والحد من وزنهم في الانتخابات ومن هذه الإجراءات :
- إغلاق الحدود مع تركيا قبيل الانتخابات لمنع المسلمين اليونانيين من الذي يكونون في زيارة لتركيا من العودة للتصويت.
- إيقاف جميع المواصلات الداخلية الحيوية والبرية بين تراقيا الغربية وبقية أجزاء اليونان في أسبوع الانتخابات.
- رفض طلبات الترشيح للانتخابات.
- الزج بآلاف الجنود اليونانيين في تراقيا الغربية ليصوتوا هناك في محاولة للتقليل من أصوات المسلمين.
- التخفيض التدريجي لعدد صناديق الاقتراع في المنطقة والمباعدة بينها لتصبح عملية الاقتراع شاقة وتحتاج لسفر لا يقل عن ساعة للوصول إليها.
- إغلاق بعض الصناديق في تراقيا الغربية قبل انتهاء فترة التصويت للتقليل من أصوات المسلمين .
- تعرض بعض المسلمين للضرب في مراكز الاقتراع .
من المعلوم أن معاهدة لوزان تنص أيضًا على ضرورة حصول المسلمين في اليونان على حقوق متساوية مع غيرهم من المواطنين كما ينص الدستور اليوناني على أن جميع اليونانيين سواء أمام القانون,ومع ذلك يعاني المسلمون في اليونان من عدم تمكينهم من بيع وشراء الأراضي وكذلك بيع وشراء أو إصلاح المنازل أو بنائها وكذلك منع بناء المدارس والمساجد,ويشترط لذلك الحصول على ترخيص من حاكم المنطقة ولا يتم ذلك إلا بمضايقات كبيرة,بينما يحصل المواطن اليوناني النصراني على الترخيص بكل يسر وسهولة.
وكذلك الحال في قطاع التجارة إذ يمنع المسلمون من الترخيص بمزاولة التجارة أو ممارسة المهن الحرفية وتملك المعدات الصناعية اللازمة للمصانع,وبناءً على ذلك فلا يوجد مصانع مملوكة للمسلمين ولا محطات وقود ولا حتى صيدليات ويجدون صعوبة بالغة في الحصول على رخص القيادة عامة أو حتى خاصة.
عمومًا يستطيع المرء ملاحظة الفرق بين مناطق المسلمين والنصارى في المساكن حيث مساكن المسلمين صغيرة وتعاني من القدم ومعظمها من طابق واحد أما مساكن النصارى فهي غالبًا من طابقين وذات مظهر أفضل والشوارع والملاعب ومباني المدارس أفضل حالًا، كما أن البلديات في قرى المسلمين لا تمنح التراخيص بتعبيد طرق جديدة أو إصلاح الطرق الحالية وتتعرض لغرامات فادحة في حالة مخالفة الأوامر،وهناك الكثير من القرى المسلمة التي لا تصلها الكهرباء والمياه.
تقوم الحكومة اليونانية وبصورة سافرة بنزع ملكية الأراضي ففي عام 1978م وضعت الحكومة اليد على مساحة من الأراضي مساحتها من 3000 - 4000 فدانًا لبناء جامعة تراقيا في ضواحي كوموتيني ولم يستغل إلا جزء بسيط من الأرض لمباني الجامعة وقد أدى هذا الإجراء ضد الملاك المسلمين من الفلاحين إلى أن يهاجروا إلى تركيا.
ويذكر بعض المزارعين أنهم عرضوا 500 فدانًا على الحكومة بدون مقابل بشرط أن تترك لهم باقي الأرض إلا أن طلبهم رفض,وتتكرر حوادث نزع الملكية كثيرًا خاصة بين المسلمين, وتؤدي عملية انتزاع الملكية وبخاصة للأراضي الزراعية إلى إيجاد صعوبات لملاكها المسلمين الذين حتى لو تم تعويضهم ماديًا لا يتمكنون من شراء أراضٍ جديدة لزراعتها مما يؤدي بهم إلى الهجرة إلى تركيا .
هذا ولا يتم منح المسلمين الفرصة للعمل بأعمال الخدمة المدنية ، وهناك على سبيل المثال 300 موظف في مكتب السلطة المحلية في كوموتيني لا يوجد بينهم أي مسلم ومن الألف موظف في مكتب السلطة المحلية في إكسانثي لا يوجد مسلم واحد وتدعي السلطات أن السبب يعود إلى أن المسلمين لم يتقدموا أصلًا لشغل هذه الوظائف ، وهذا غير صحيح كما يذكر المسلمون هناك . كما لا يمنح المسلمون المتقدمون لشغل وظائف حكومية مهنية الفرصة كغيرهم .
ويذكر أيضًا أن المسلمين في تراقيا الغربية لا يمكنون من بناء مدارس جديدة أو ترميم القديمة،كما لا يسمح لهم بتعيين المدرسين ويدرس أبناؤهم مناهج قديمة باللغة التركية لم يتم تطويرها ومازالت الطبعات مثلًا تعود إلى عام 1970م، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتب ذات الطبعات الأحدث التي ترسلها الحكومة التركية تحتاج إلى موافقة الحكومة اليونانية التي تتلكأ في ذلك ، على الرغم من عمل التعديلات المطلوبة،أما في المدارس الابتدائية يدرس أبناء المسلمين الأتراك 70% من المناهج باللغة اليونانية والتي كانت قبل 20 سنة لا تشكل إلا 40% فقط ، ويتم تعيين المدرسين من قبل الحكومة.
ويوجد حوالي 250 مدرسة ابتدائية (تركية) في تراقيا الغربية يدرس فيها حوالي 12000 طالب ومدرستان تركيتان ثانويتان واحدة في أكسانثي والأخرى في كوموتيني تستوعب كل منهما قرابة 150 طالبًا،وتشترط هاتان المدرستان اجتياز الطالب لاختبارات قبول يجرى باللغة اليونانية،ويضطر الطلبة الذين لم يجتازوا الاختبار للسفر إلى تركيا لإكمال دراستهم الثانوية هناك.
إلى هنا نتوقف لنواصل المسير في رحلة معاناة مسلمي تراقيا الغربية في حلقتنا الأخيرة إن شاء الله.