مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الله والمثل عند أفلاطون ...[7]

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

تحدثنا قبل ذلك عن أفلاطون ومنهجه الفلسفي الذي يعتبر عصر نضوج للفلسفة، واليوم نطلع على بعض آراء أفلاطون الفلسفية في بعض القضايا[1].

أولًا ـ الله عند أفلاطون:

لقد قاد أفلاطون تفكيره إلى إدراك الألوهية والاعتراف بوجود إله لهذا الكون مـدبر لـه ومهيمن عليه، وحكى عنه تلامذته أنه كان يقول:إن للعالم محدثًا مبدعًا، أزليًا واجبًا بذاته، عالم بجميع معلوماته على صفة الأسباب الكلية، كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالًا عند الباري تعالى.

والاعتقـاد في الألوهية واجـب علـى كـل إنسان، وهذا الاعتقاد ليس طارئًا ولا مكتسبًا، إنه مغروز في طبيعة الـنفس الإنسـانية، فالإنسانطُبِععلىالتدين،والاعتقادبوجودإلهأمرمركوزفيطبيعـةالإنسـانالتـي خُلِقتمعفطرتهالتيفطرهاللهعليها.

ولذا؛ فإن معرفة الله واجبة، وعبادة الله وتعظيمـه فرض على كل إنسان، وربما يعبر عن وجود الله بالهيولي، وربما يعبر عنه بالعنصر!! قال : ( أبـدع البـاري العقـل الأول ، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعث عن العقل انبعاث الصورة في المـرآة، وبتوسـطهما [ توسط العقل والنفس ] أبدع العنصر، وليس المقصود بهذا العنصر الهيولي التـي هـي موضوع الصور الحية إنما عنصر أخر.

ويثبت أفلاطون وجود الله تعالى بدليلين هما -1: دليل الحركة .2- دليل النظام

وهو يستمد هذين الدليلين من ظاهرتي الحركة الجارية في الوجـود والمتعاقبـة على كل موجوداته، وظاهرة النظام البادي في كل جزء من أجزاء الوجود.

أما عن وصف أفلاطون للإله؛ فقد وصف الله بالوجود والوحدة، ثم أضاف إليه من الصفات مـا يجعلـه موجودًا منفردًا عن كل ما سواه، وبما استحق به أن يكون فوق قمـة الموجـودات، وأن يكون مدبِّرها وصانعها.

فمن صفات الله أنه روح عاقل منظم، متصف بالجمال والخير والعدل والكمـال والبساطة، ثابت لا يعتريه تغير، صادق لا يعرض له الكذب، لا يخضع للزمان، يكـون وحده في حاضر مستمر، يتجه إلى العالم بعنايته التي لا تقتصر على كلي دون جزئي أو جزئي دون كلي.

ثانيًاـ الطبيعة عند أفلاطون:

يفسر أفلاطون الكون على أساس نظريته في المثل وثنائية العالم؛ فالعالم كان في المبدأ مادة مبهمة غير معينة، ولا يعرف عنها غير صلاحيتها لتقبُّل الصور، وأن هـذه المادة تحركت أولًا حركة اتفاقية باستمرار حتى اتحدت ذراتها المتشابهة بالشكل وكوَّنت العناصر الأربعة، وبعد أن وصلت تلك المادة إلى هذا النظام عَيَّن الصـانع لكـل منهـا مكانًا .

ولا يقصد أفلاطون بالحركة الاتفاقية ما قصده الطبيعيون من القول بالصدفة والاتفاق، بل قصد أن الصانع المبدع المدبر وضع الروح فوق المادة فأَلّفت الانسجام والنظام الحاصل بين الأشياء، والكمال الموجود بين الكائنات نظمته قوة عاقلة هي التي تسير العالم إلـى غاية، ويبدو من كلام أفلاطون أن العالم مكوَّن محدث، مما جعل أرسطو يعتبره مخالفًا للفلاسفة الأقدمين.

ثالثًا ـ المثلعندأفلاطون:

وصف أفلاطون العالم المعقول بأنه إلهي لاشتراكه مـع الإلـه فـي الروحيـة والعقـل، لكنـه يصنـف العالم العقلي في مراتب مختلفة أعلاها وفوق قمتهـا جميعـا الله عز وجل.

وكان كثيرًا ما يطلق اسم الإله أو الإلهي على بعض المثل :كمثال الخير ومثال الجمال، وآلهة الكواكب، وآلهة الجن!!! وكل ما عدا الله من مجردات هي مبادئ للتـدبير آلهة باشتراك الاسم فقط، لأن كل واحد منهم يمثل قمة نوع أو مقولة، ولا يأخذون كـل خصائص الله، وإنما يستمدون منه وحدة وجودهم وخلودهم.

ويرى أفلاطون أن المعاني الكلية المجردة لها وجود وتحقق ذاتـي فيمـا وراء الطبيعة، وهذه المعاني أو الجواهر المجردة لا تدركها الحواس ولا يطرأ عليهـا الفسـاد والفناء، ووجودها هو موضوع العلم اليقيني، ولولا وجود هذه الجواهر ما استفدنا العلم، وما استطعنا العلم بشيء علمًا يقينيًا، إنها العلم المعقول الذي هو أصل العالم المحسـوس ومثالٌ له، فالكليات هي الموجود الحقيقي.

أما هذا الموجود المادي فليس إلا ظلًا وخيـالًا له، فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية أو الهيولي، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي، وبين ذلك كائنات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي. وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصـاف أرباب، وبعضـها نفوس بشرية. وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحدُّه الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولَّت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة!!! فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين!!!

ومماسبقيتبينلناأنأفلاطونيرىأنهناكعالميناثنين:

العالمالأول: عالمالحسالمشاهد،دائمالتغير،عسيرالإدراك، ليسجديرًابـأنيسـمَّى موجودًا،ولايسمَّىإدراكهعلمًا،بلهوشبيهبالعلم؛لأنهظلوخيالللموجودالحقيقي .

العالمالثاني: عالمالمجردات،فيهأصولالعالمالحسيوهومثالهالذيصـيغتعليـه موجوداتهكلها؛ ففيعالمالمثليوجدلكلشيءمثالهوفيالحقيقةالموجودالكامللأنه مثالللنوعلاللجزءالمتغيرالناقص؛ ففيعالمالمثلإنسانيةالإنسانوحيوانيةالحيوان، وخيريةالخير،وشكليةالشكل ...وهكذا.

ومثالذلك: أنا إذا نظرنا في أفراد الإنسان الممثلة في إبراهيم وزيد وعلي؛ وجدنا كلًّا من هذه الأفراد جسمًا ناميًا ومتحركًا بإرادته، وهي ما نعبر عنه بقولنـا: حيـوان، ووجدناها تشترك أيضًا في التفكير بالقوة المعبرة عنه بـ "النطق"، وبجوار هذه الصـفات الجوهرية المشتركة بين جميع الأفراد توجد صفات عارضة؛ كالنوم والمرض والمشـي، فنستبعد الصفات العارضة ونبقي الصفات الجوهرية، مرتِّبين إياها في جـنس وفصـل، فيصبح التعريف حينئذ تعريفًا بالحد التام، حيث يكون تعريف الإنسان "حيـوان نـاطق"، وكل من الحيوان والناطق مُدرَك عقلي منتزع من أفراد الإنسان الحسية بعد تجريده من المادة، فهو صورة عقلية مجردة عن المادة.

وهذه الصورة العقلية المجردة لها حقيقة خارجية مجردة عن المادة، لهـا كيـان خارجي مستقل بحيث تكون تلك الصورة مرآة لها ومنطبعة عليها، هذه الحقيقة الخارجية المجردة التي تنطبق عليها الصورة العقلية الكلية هـي مـا يسـميها أفلاطـون"مثـال الإنسان".

فمثال الإنسان: هو تلك الحقيقة المجردة الكائنة في العالم المعقول وهو عالم المثل، نظر إليه الصانع وصنع على شكله أشخاص الإنسان المحسوسة، وبين العـالم الحسي وعالم المثل يوجد العقل الإنساني، الذي تتحقق فيه معرفة حالة من حـالات تلـك المعاني الكلية والجواهر المجردة.

وعلىهذا؛فإنالأشياءلهاثلاثوجودات:

الأول: أعلاهاوجودالمجرداتفيعالمالمثل.

الثاني: أوسطهاوجودهاالذهنيغيرالخارجي،وبواسطتهايمكنالحكمعلىالمحسوسات ومعرفةالمجرداتفيعالمالمثل.

الثالث: أدناهاوأحطهاوهووجودهاالمشاهدفيعالمالحس.

الهوامش:

[1] بغض النظر عما في هذه الأراء من انحراف وعدم صحة، وسوف نختم تلك السلسلة بمقال عن حكم الفلسفة وكلام العلماء ـ كالشهرستاني والغزالي وابن تيمية ـ عن الفلسفة وعلم المنطق.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 26 مايو 2007
  1. إني جاعل في الأرض خليفةتوقفنا في مقالة سابقة عند حقيقة هامة وهي أن الخلافة والعمارة هي من أهداف خلق الله للإنسان وهي أيضًا من أهداف الزواج واليوم نتعرف على المعنى الحقيقي للخلافة كما ذكر في كتاب الله إني جاعل في الأرض خليفة: وهنا نتوقف عند معنى الخلافة التي أرادهالبيت السعيد · 5 د قراءة
  2. أخاف العنوسةأولاً: التوافق الاجتماعي والفكري: كلما كان الزوجان من طبقات اجتماعية متقاربة كلما كان ذلك أدعى للتوافق وهناك استثناءات أيضاً لهذه القاعدة: التوافق الفكري الذي يجلب التوافق العاطفي= حياة ناجحة مليئة بالحب والاستقرار. الدين وحده لم يكن كافياًزهرة · 5 د قراءة
  3. عبود وطارق الزمر ينضمان إلى المؤيدين لمراجعات "الجهاد"حظيت المراجعات الفقهية لتنظيم "الجهاد" في مصر التي يقودها الدكتور سيد إمام عبد العزيز مفتي ومؤسس التنظيم بدعم قوي مع إعلان عبود وطارق الزمر القياديين البارزين بالتنظيم، والمتهمين في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات تأييدهما للمالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  4. بدعوى مكافحة "الإرهاب" .. عصابة من الشرطة الشيشانية تقتل المدنييناتهمت نيابة جمهورية الشيشان عددًا من أفراد الشرطة الشيشانية الموالين للاحتلال الروسي بجرائم قتل وخطف مدنيين كانوا يدعون أنها عمليات لمكافحة "الإرهابيين" من أجل الحصول على ترقيات. وأعلنت النيابة، بحسب وكالة فرانس برس، أنها اتهمت خصوصًا "رسلاأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  5. السلطات البريطانية تطرد الداعية الإسلامي "عبد الله الفيصل"مفكرة الاسلام: طردت بريطانيا اليوم الجمعة الداعية الإسلامي "عبد الله الفيصل" الذي تدعي السلطات أنه كان له نفوذٌ على أحد مرتكبي الهجمات التي هزت العاصمة البريطانية لندن في 2005، حسبما أعلن وزير الخارجية البريطاني "جون ريد". وأوضح ريد أنه قد أفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  6. العادة السريةمشكلة أرَّقت العديد من الشباب والفتيات، ونكاد نجزم أنها أساس مشكلة الشهوة التي يعانون، فأغلب من يطلب منك أن تنصحه في مشكلة الشهوة يكون من أجل أن يقلع عن هذه العادة؛ لأن هذه العادة دمرته نفسيًا وبدنيًا، وأصابته بالاكتئاب والضيق. كما وصل تأثيشباب · 8 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الله والمثل عند أفلاطون ...[7]