الله عند أرسطو ... [9]
أولًا ـ وجوداللهعندأرسطو:
اعتمد أرسطو على الحركة في إثبات وجود الله فقال: ( إن كل متحرك لا بد له من مُحرِّك، وهذا المحرك لا يمكن أن يحتاج إلى محرك آخر يستمد حركته من غيـره، وإلا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية؛ فلا بد من أن ينتهي الأمر إلى محرك أولي أزلي يُحرِّك ولا يتحرك، أو يفعل في غيره ولا ينفعل بغيره، وإلا لَمَا كان أولًا، وذلك المحرك الأول هو الله ).
فالله عند أرسطو هو العلَّة الأولى، أو المحرك الأول؛ يقول: ( فلا بد لهذه المتحركات من محرك، ولا بد للمحرك من محرك آخـر متقدم عليه ... وهكذا، حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته، أو محـرك لا يتحـرك، لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية.
ثانيًا ـ قدمالعالم:
إن القـول فـي قـدم العـالم وأزليـة الحركـات بعـد إثبـات الصانع والقول بالعلَّة الأولى إنما شهر بعد أرسطو لأنه خالف القدماء صريحًا، وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانًا، فنسج على منواله من كان من تلامذتـه وصـرحوا القـول فيـه مثـل: ( الإسكندر الأفروديسي، وثامسطيوس، وفورفوريوس ).
يقول أرسطو: ( وهذا المحرك الذي لا يتحرك لا بد أن يكون سرمدًا، لا أول له ولا آخر، وأن يكون كاملًا منزهًا عن النقص والتركيب والتعدد، وأن يكون مسـتغنيًا بوجوده عن كل موجود.
وهذا المحرك سابق للعالم في وجوده، سبق العلـة لا سـبق الزمان، كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل، ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني؛ لأن الزمان حركة العالم فهو لا يسبقه، أو كما قال: ( لا يُخلَق العالم في زمان ).
وعلى هذا، يقول أرسطو بقدم العالم على سبيل الترجيح الذي يقارن اليقين، إلا أنه يقرر فـي كتاب "الجدل": ( أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان ).
براهينهفيقدمالعالم:
إن إحداث العالم يستلزم تغييرًا في إرادة الله، والله منزه عن الغير؛ فهـو إذا أحدث العالم فإنّما يحدثه ليبق الله جل جلاله كما كان، أو يحدثه لما هو أفضـل، أو يحدثه لما هو مفضول.
وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حـق الله؛ فإذا حدث العالم وبقي الله كما كان، فذلك عبث والله منزه عن العبـث، وإذا أحدثـه ليصبح أفضل مما كان؛ فلا محل للزيادة على كماله، وإذا أحدثه ليصـبح مفضـولًا؛ فذلك نقص يتنزه عنه الكمال !
ويضيف أرسطو: ( وإذا كانت إرادة قديمة لا تتغير؛ فوجود العالم ينبغي أن يكون قديمًا كإرادة الله؛ لأن إرادة الله هي علة وجود العالم، وليست العلة مفتقرة إلى سبب خارج عنها؛ فلا موجب إذًا لتأخر المعلول عن علته، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب غيره.
فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئًا ثم يتأخر إنجازه، لنقص الوسـيلة أو لعارض طارئ أو لعدول عن الإرادة، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى!! ).
وقد أفرط أرسطو في هذا القياس، حتى قـال: ( إن الله جـل وعـز لا يعلـم الموجودات، لأنها أقل من أن يعلمها، وإنما يعقل الله أفضل المعقولان وليس أفضل من ذاته، فهو يعقل ذاته، وهو العاقل والعقل والمعقول، وذلك أفضل ما يكون !!).
ثالثًا ـصفاتهاللهفينظرأرسطو:
قال أرسطو: ( الله هو الكل )، وقال أيضًا: ( الله عقل وعاقل ومعقول )، فالله في نظـر أرسطو: ( ذات أزلية ليس جسمًا، وهو معقول ومعشوق، ليس فـي مكــان، تحريكــه للموجودات ليس عبثًا أو خبط عشواء، وإنما هو لقصد وغاية، وهو بسيط لا كثـرة فيـه بوجه من الوجوه، وإلا لكان ممكن الوجود جائز الانحلال).
يقول أهل الفلسفة في شرح هذه العبارة: ( إنه إذا جردت الذات تجريـدًا تامـًا؛ كانت عقلًا وماهية مجردة، وهذه الماهية المجردة، إذا نظرنا إليها من حيث هي كذلك، فهي عقل ومن حيث هي مجردة لشيء فهي معقولة، وذات الله مجـردة فهـي عقـل، ومجردة لذاته فهي معقولة لذاته، وباعتبار أن ذاته ماهية مجردة لذاتـه فهـو عاقـل لذاته ).
وبيان ذلك: أن واجب الوجود لذاته عقل لذاته، وعاقل ومعقول لذاته، عقل من غيره أو لم يعقل، أما أنه عقل؛ فلأنه مجرد عن المادة منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاتـه، وأما أنه عاقـل لذاتـه؛ فلأنـه مجرد لذاته، وأما أنه معقول لذاته؛ فلأنه غير محجوب عـن ذاتـه بذاتـه أو بغيره، قال الأول يعقل ذاته ثم مـن ذاتـه يعقـل كـل شـيء فهـو يعقـل العالم العقلي دفعة واحدة من غير احتياج إلى انتقال، وتردد من معقـول إلى معقول، وأنه ليس يعقل الأشياء.
وذهب أرسطو إلى أن الأول" الله "لا يعقل إلا ذاته، وينفي علم الله بالعالم؛ لأن في ذلك سقوطًا يجب تنزيه الله عنه، وأنه لا يليق بالله المتصف بالكمال أن يعلم العالم وهـو أقل منه، فلو علمه كان ناقصًا مثله، ومن ثم اتُّهِم أرسطو بالإلحاد، وإذا كان الله عنـده لا يتصل بالعالم من جهة الخلق والتدبير، ولا من جهة العلم؛ فما قيمة هذا الإله؟ وما منزلته؟ وما الفائدة من الإيمان بوجوده ووحدانيته، وكونه محركًا للعالم؟
إن هذا الرأي الذي نادى به أرسطو ـ أن الإله لا يعقل إلا ذاته ـ يسـتلزم أن الله لا يعلـم العالـم بحجة أن العالم شيء دنيء بالنسبة إلى الله، وأن الأشياء توجد وتنعدم دون أن يريد الله لها ذلك أو يعلم من أمرها شيئًا.
فالإله في نظر أرسطو سيكون منطويًا علـى نفسه، غير عالم بشيء من الكون، ولا مريدًا لما يجري فيه من أحداث، فهـو إذًا ينفـي التدبير الإلهي للعالم، ولقد تعرض أرسطو نتيجة هذا الرأي لحملة من الهجوم مـن قبل تلاميذه، وغيرهم من الحكماء[1].
[1] لا شك أن تلك الآراء ـ وغيرها مما سبق ـ به من التباين الواضح عن المعتقد الصحيح، وسيأتي معنا في آخر السلسلة حكم الفلسفة والرد على تلك الآراء، وإنما تأتي معنا تلك الآراء هنا من باب عرض وجهة نظر أرسطو وليس من باب النقد.