مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

المصالح العرقية في العراق قد تتغلب على المنطق الاقتصادي

4 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: Joost Hiltermann*

تبدو مدينة إربيل هذه الأيام كواحدة من مدن الغرب الأميركي القديمة أيام البحث المحموم عن الذهب، إذ يتوافد المستثمرون من كل المشارب على «العاصمة الكردية العراقية» لإنفاق دولاراتهم مدفوعين بإغراءات الأرقام المرتفعة، والمبالغ فيها إلى حد كبير في الواقع، لما قد يكون احتياطات النفط والغاز، ووعود بعائدات تضاهي تلك الأرقام.

لا يحتاج بعض هؤلاء المستثمرين إلى الكثير من التشجيع. لكن، مع كل عقد يبرم، ومع ارتفاع معدلات الصادرات، تقوم حتى الشركات المحافظة نسبيًّا بتجريب حظها خشية أن تفوِّت على نفسها الفرصة إذا تبين أن كردستان هي حقًّا منجم الذهب الذي يصوِّره قادتها. وكانت «إكسون موبِل» آخر وأكبر تلك الشركات التي قررت خوض المغامرة.

قلة هم الذين يفهمون، أو حتى يكترثون لماهية الإستراتيجية التي تتبعها كردستان العراق. ويبدو أنهم راضون بأن يكونوا جزءًا من اللعبة إذا ما حققت أرباحًا كبيرة، إلا أن تلك الإستراتيجية - بنجاحها أو بفشلها - ستحدد كمية النفط والغاز الذي سيتم تصديره والأموال التي ستجنى جراء ذلك. وتتمثل عبقرية الحكومة الإقليمية في كردستان في الترويج لنفسها على أنها أراض عذراء غنية بالنفط ومثالية للمشاريع الخاصة، كما تقوم بعرض عقود تتضمن شروطًا أكثر سخاء بكثير من تلك التي تقدمها بغداد للتنقيب في حقول جنوب العراق الضخمة. فالحكومة الكردية لطالما اعتبرت أن محاولتها اجتذاب شركات النفط الدولية تمثل إستراتيجية حتمية، بدءًا بشركات صغيرة مثل شركة «دي أن أو» النروجية، ومرورًا بشركات أكبر مثل ماراثون أويل، وانتهاءً بالشركات العملاقة مثل «إكسون موبل».

وبذلت الحكومة كل جهد ممكن لتنويع بلدان المنشأ، حيث وقعت عقودًا مع شركات من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا والصين وبلدان أخرى، بغية الحصول على الاعتراف والشرعية الدوليين لنفسها، وربما أيضًا لضمان حماية المنطقة إذا دعت الحاجة، أو للحصول على الدعم في حال قررت أن تصبح دولة مستقلة.

ما يكمن وراء هذه الإستراتيجية هو مسعى القادة الأكراد الى توسيع المنطقة التي يسيطرون عليها إلى الحد الأقصى وتوسيع الصلاحيات التي يمارسونها داخل هذه الأراضي إلى أقصى حدٍّ ممكن. الأمر الذي يفسر تأويلهم الفضفاض للدستور العراقي الذي لعبوا دورًا حاسمًا في صوغه، وصراعهم المستمر لضم «المناطق المتنازع عليها» التي يزعمون أنها كانت جزءًا من كردستان التاريخية، على رغم أن هذه الأراضي غير مُرسمة الحدود. إلا أن هناك عددًا من العوامل التي قد تقيِّد محاولات القيادة الكردية في تحرير الإقليم من السلاسل التي تربطه بالعراق في علاقة بائسة تجمع نزعتين قوميتين متضادتين:

العامل الأول: الأراضي المتنازع عليها. فعندما يصرح القادة الأكراد بأن لديهم احتياطات نفطية تقدر بـ 45 بليون برميل من النفط وأكثر من 100 ألف بليون قدم مكعبة من الغاز، فإنهم يتجاهلون حقيقة أن معظم هذه الاحتياطات توجد خارج إقليم كردستان في مناطق لم يتم تحديد وضعها بعد، والتي قد تتحول ثرواتها إلى فتيل يطلق شرارة النزاع في بغداد وإربيل على حدٍّ سواء.

وعندما دخلت شركة «إكسون موبِل» غمار مشكلة الأراضي المتنازع عليها في تشرين الأول (أكتوبر) بتوقيعها على عقود استكشاف عبر الخط الأخضر الذي يمثل الحد الدستوري لإقليم كردستان، فإنها بذلك زادت من أهمية المنطقة الإستراتيجية.

العامل الثاني: العلاقة التي لم تتم تسويتها بعد مع باقي أنحاء العراق. فقد امتد لسنوات أمد المفاوضات بخصوص صوغ مسودة قانون للنفط والغاز من شأنه تحديد سلطات إربيل، خصوصًا فيما يتعلق بإبرام العقود، وكذلك بحقها في تصدير النفط والغاز الموجودين في الإقليم من طريق شبكة الأنابيب الوطنية.

إلا أن الطرفين يتخذان موقفين متباعدين جدًّا إزاء قضية تشكل محور الترتيبات الفيدرالية بين بغداد وأربيل. فالأولى تتهم الأخيرة بالسعي إلى تمزيق البلاد، ما دفع بالأكراد إلى الرد بالمثل واتهام حكام العراق بأنهم من القوميين العرب المتخلفين الذين يقودون أنظمة حكم بالية.

العامل الثالث: عدم وجود منفذ لكردستان على البحر، وبالتالي عليها الاعتماد على جيرانها للوصول إلى الأسواق العالمية. وقد قامت تركيا، وهي المرشح الأوفر حظًّا للاضطلاع بذلك الدور، وعلى رغم رغبتها الشديدة في أن توفر القناة الرئيسة لتصدير النفط والغاز من الإقليم، قامت بالإشارة إلى أن على الحكومة الكردية أن تنسق مبيعاتها من خلال مجلس التسويق التابع للدولة العراقية، الأمر الذي يعيد الأكراد إلى بغداد ونزعاتها المركزية.

أما القيد الأخير فيتمثل في السقف الذي سيوضع أخيرًا للصادرات النفطية للعراق. إذ تكتفي بغداد في الوقت الراهن بجعل الصادرات الكردية جزءًا من الإيرادات الوطنية. لكن، إذا نجح العراق في إنتاج الكميات التي يتم الترويج لها حاليًا، حتى وفق الحد الأدنى من التقديرات، حينئذٍ سيستعمل جيرانه نفوذهم من خلال أوبك وغيرها للحد من الصادرات العراقية من أجل المحافظة على سيطرتهم على الأسعار العالمية وحماية مكانتهم كمنتجين. وحالما يتم الوصول إلى ذلك الحد الأقصى خلال السنوات القليلة المقبلة، وفي حال تمكنت حقول العراق الجنوبية من تلبية الطلب بمفردها، فهل ستفكر بغداد عندها بإعطاء حصة لأولئك الأكراد المزعجين؟

تكمن مصلحة كل من بغداد وإربيل على حد سواء في التوصل إلى اتفاق جوهري لتسوية هذه المخاوف. إلا أن صراعهما لن يكون أول صراع يسمح فيه للمصالح العرقية - القومية بالتغلب على المنطق الاقتصادي والتجاري السليم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، وهي منظمة غير حكومية معنية بتسوية الصراعات

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 يناير 2012
  1. كيف تقتل خوفك من مواجهة الجماهير؟مصطفى كريم "ليس هناك من إنجاز يستطيع أي إنسان أن يحقق من خلاله ذاته ويضمن لنفسه مقامًا رفيعًا مثل القدرة على التحدث أمام الناس بشكل مقبول" تشونسي م. ديبيو قال لي: "إن نبضي سريع وحلقي جاف وقدماي واهنتان مرتعشتان وأنفاسي تهرب مني، وصوتي ضعيف مهارات إدارية · 6 د قراءة
  2. كيف تتعامل مع أناس لا تحبهم؟مصطفى كريم عندما كنت في المرحلة الثانوية كان لدي أستاذ لمادة الفيزياء، ولأول مرة كنت أسمع مصطلح "الذكاء الاجتماعي" كانت منه، كان لديه صديق مزعج على حد تعبيره، وكان كثيرًا ما يتصل به، ويطلب منه أمورًا ويستفسر عن أشياء، فسألته مرة: (ولماذا علإدارة الذات · 7 د قراءة
  3. وثيقة من سفارة واشنطن: نجيب ساويرس "مواطن أمريكي"كشفت وثيقة صادرة من السفارة الأمريكية في القاهرة موجهة إلى الخارجية الأمريكية في واشنطن عن أن رجل الأعمال "المسيحي" نجيب ساويرس يحمل الجنسية الأمريكية. الوثيقة التي نشرتها صحيفة "المصريون" تتعلق بأزمة شركة أوراسكوم تيليكوم الجزائر، والضرائبالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. ضربة موجعة لمنطقة اليوروخسر بَلدانِ في منطقة اليورو أحدهما فرنسا تصنيفهما الممتاز "آيه آيه آيه"، فيما خفض تصنيف سبع دول أخرى لا تزال كلها مهددة بتخفيض إضافي باستثناء ألمانيا التي حيدتها وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني. ولم تحصل ألمانيا - أكبر الاقتصاداتثقافة واقتصاد · 1 د قراءة
  5. الزنداني يهدد بمقاضاة طبيبة سعودية لتشكيكها في علاجه "الإيدز"هدد الشيخ عبدالمجيد الزنداني - رئيس جامعة الإيمان - مديرة البرنامج الوطني السعودي لمكافحة الإيدز الدكتورة سناء فلمبان، بمقاضاتها أمام القضاء السعودي؛ لتشكيكها في علاجه لمرض الإيدز. وأكد بيان صادر عن مركز أبحاث الطب النبوي بجامعة الإيمان أنهمنوعات · 1 د قراءة
  6. عقبات أساسية أمام المصالحة الفلسطينيةبقلم: مجدي داود مفكرة الإسلام : اجتمعت الفصائل الفلسطينية من جديد في القاهرة لبحث موضوع المصالحة ولمِّ الشمل، وبعد محادثات وجولات مكوكية للقيادات من هنا وهناك، اتفقت الفصائل على المضي قدمًا في طريق المصالحة، وقرروا أن يتفقوا قواسم مشتركة معمقالات وتحليلات · 6 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: المصالح العرقية في العراق قد تتغلب على المنطق الاقتصادي