مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

إيران و أمريكا انتصار الجيوبولتيكية

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

فجأة وبدون مقدمات مقنعة أخذت إدارة أوباما في المضي قدما في تغييرات دراماتيكية في بنية الأحلاف السياسية والإستراتيجية إقليميا ودوليا ، فبعد عهود سبعة من التحالف التقليدي بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج عامة والعربية السعودية خاصة ، هاهي إدارة أوباما تسير باتجاه تفكيك هذا الحلف التقليدي مع العالم العربي السني وتتحول بقوة ناحية العالم الفارسي الشيعي ، ومهما يقال من توتر العلاقات بين أمريكا والسعودية بسبب تطورات الأزمة السورية وتداعيات الانقلاب العسكري في مصر ، وطموحات بندر وسخط السعوديين من تلكؤ الأمريكان ، ومهما يقال أيضا من علاقات واسعة سرية بين الجانبين الأمريكي والإيراني ، فإن الإقدام على تفكيك حلف عريق بلغ السبعين عاما لصالح حلف جديد لا يعلم يقينا مستقبله وتفاعلاته مع الأحداث المتغيرة ، فإن الإقدام عليه هو نوع من المخاطرة الكبيرة التي ولاشك ستحمل في طياتها كثيرا من الآثار الإستراتيجية إقليميا ودوليا . فما هو الدافع الحقيقي وراء هذا التغير الدراماتيكي في العلاقات الدولية ؟

نستطيع أن نلخص الأمر كله في كلمة واحدة وهي " الجيوبولتيكية الإيرانية "

الجيوبولتيكية هي مصطلح مركب من قطعتين يقصد به " علم سياسة الأرض " وهي ثمرة الدمج بين علمي الجغرافيا والسياسة ، وقد نشأ هذا العلم الهام في الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وارتقى هذا العلم لمصاف العلوم العسكرية والسياسية الرفيعة في الحرب العالمية الثانية ، ونشأت له العديد من المدارس والنظريات والرواد ، وتطور تطورا هائلا بدخول القرن الحادي والعشرين . والجيوبولتيكا تضع الجغرافيا وحقائقها في خدمة حركة ونشاط الدولة السياسي ، بمعنى آخر وضع الجغرافيا كعنصر من أهم عناصر القوة في بناء الدولة السياسي .

ومن هنا برزت قوة إيران بصورة فرضت نفسها على الساحة إقليميا ودوليا ، فجيوبولتيكية إيران تعتبر من أهم عناصر قوة الدولة ، بل إنها تعتبر عند كثير من علماء الجيوبولتيكيا الدولة الأهم في تطبيقات هذا العلم الهام ، فإيران تطل على ثلاث مسطحات مائية هي الخليج العربي والمحيط الهندي وبحر قزوين بسواحل تقدر ب2500 كيلو متر ، كما تمتاز السواحل الإيرانية بعمق مياها مقارنة بالسواحل الغربية التي تطل عليها دول الخليج ، وهذا الطول البحري الكبير جعل إيران من القوى البحرية الكبرى التي يقدر حسابها في أي معادلة أو صراع ، كما أن هذا الطول جعلها تشرف على خطوط إمداد النفط عالميا ، وبالتالي تستطيع أن تؤثر بنسب متفاوتة في الاقتصاد العالمي . أما إطلالها على بحر قزوين فقد أعطاها كلمة مسموعة في تقاسم ثروات هذا البحر الذي اعتبر مع نهاية الحرب الباردة من أهم مناطق الطاقة في العالم . أما من الناحية البرية فلإيران حدود برية مع الكثير من الدول الهامة والإستراتيجية ، فهي تجاور من الشمال كل من تركمانستان وأذربيجان ، ومن الشرق أفغانستان وباكستان ، ومن الغرب العراق وتركيا ، وكلها بؤر ملتهبة في الصراع الدولي ، ولا يخفى على أحد أهمية كل هذه الدول في العلاقات الدولية والمعادلات الإستراتيجية .

علماء الجغرافيا يرون أن إيران هي الدولة الأهم جغرافيا على مستوى العالم ، فإطلالها على الخليج العربي جعلها تتحكم في كثير من شئونه ، والجغرافيون يقولون أن الخليج العربي هو مركز الكرة الأرضية ، وأمثل نقطة مركزية لاستمرار صحة اقتصاديات العالم واستقرارها ، وإيران تسيطر على مضيق هرمز الذي يتحكم في حركة النفط عالميا ، كما أن إيران تقع جغرافيا عند حافة اليابسة وفقا لنظرية الجغرافي الشهير " سبيكمان " والتي اعتبر السيطرة عليها أورآسيا ـ قلب الأرض ـ وبالتالي يسيطر على العالم ، كما أن حافة اليابسة هي نفسها منطقة " قوس الأزمات " عند السياسي الشهير " برجنسكي " وهو أحد مؤسسي السياسة الأمريكية الحديثة ، ويقصد بها العالم العربي الإسلامي أو الشرق الأوسط الكبير .

بالطبع هذه المزايا الجغرافية الفريدة لم تكن خافية على الأمريكان ، أو أنها طرأت فجأة على جغرافية إيران ، ولكن الذي طرأ هو الوضع الإستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط في عهد ما بعد النفط . فقد كان النفط على الدوام هو محور السياسات الإستراتيجية لأمريكا والدول الكبرى في الشرق الأوسط الغنية بمواردها النفطية ، حيث يلعب النفط العربي دورا هاما ومؤثرا في السياسة الخارجية الأمريكية ، وهنا حدث الاشتباك بين الأهمية الاقتصادية القصوى لنفط المنطقة ، وبين مشاكلها وأزماتها الكثيرة والمتكاثرة باستمرار مما يؤثر سلبا على الاتجاهات الأمريكية والعالمية ، فمن مرتكزات النظام العالمي : أنه متى تأثر الاقتصاد وازدادت مشاكله ، كلما ازدادت الأزمات السياسية وتعوقت الخطط الإستراتيجية ، وارتفعت معدلات الأخطار العالمية ، والدليل على ذلك أزمة النفط العربي سنة 1973 ، ثم ارتفاع أسعاره سنة 1974 ، ثم حروب الخليج المتتالية ، ومن ثم كانت الخطط طويلة الأجل في السياسة الأمريكية والأوروبية تبحث دائما عن تصور لمرحلة ما بعد النفط العربي ، والخروج من قبضة منظمة أوبك ، وقد وضعت أمريكا سياساتها الجديدة في أعقاب أحداث سبتمبر 2001 ، وذلك من خلال عدة خطوات منها : اللجوء إلى اكتشافات جديدة في بقاع مشاكلها أقل وتعقيداتها أيسر ، مثل بحر قزوين وغرب أفريقيا . ومنها اللجوء لبدائل جديدة مثل الغاز الصخري الذي تم اكتشاف احتياطيات ضخمة منه في أمريكا والصين ، وتم التغلب على مشكلة ارتفاع تكلفة الاستخراج وآثاره البيئية الضارة . ومنها السيطرة على نفط العراق صاحب ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ، وهو ما فعلته أمريكا فعلا منذ احتلال العراق سنة 2003 ، وبالتالي ضمن الأمريكان استمرار تدفق النفط بعيدا عن ضغوط منظمة أوبك عموما والعربية السعودية خصوصا .

الأمريكان بدءوا فعليا منذ الفترة الثانية لإدارة أوباما في المضي قدما نحو تغيير بنية الأحلاف الإقليمية ، فأحداث مثل اشتعال ثورات الربيع العربي التي أثبت فشل الأنظمة المتحالفة مع أمريكا ، وعجزها عن توفير نظام أمني مستقر ، فازدادت المشاكل والأزمات الإقليمية ، ثم جاءت الأزمة السورية لتمثل ذروة سنام الأزمة العالمية بعد أن أصبحت مخاضا لنظام دولي وإقليمي جديد ، ترتطم على أحداثه المتصاعدة كثير من المصالح المتعارضة ، كلها أمور دفعت الأمريكان مع دخول العهد الثاني للألفية الثالثة للتفكير جديا في نظام عالمي وإقليمي جديد .

أمريكا ترى اليوم في إيران عدوا يمكن التفاهم والتحالف معه ، خير من صديق وحليف مشاكله كثيرة وطلباته متزايدة ورغباته متعارضة . فإيران تحظى بكثير من المزايا التي لا توجد في دول الحلف القديم ، فهي دولة واحدة ، وليست عدة دول ، منسجمة داخليا إلى حد كبير ، ومشاكلها العرقية والطائفية أقل من دول الجوار ، وهي تملك وسائل التأثير في دول الجوار ، بإمداداتها الطائفية في هذه الدول ، في حين لا تملك دول الجوار نفس القدرة على التأثير على إيران ، وإيران أيضا دولة تمتلك الكثير من أدوات القوة من ضخامة المساحة ،وغنى الموارد ، وكثرة السكان ، وجيوبولتيكية فريدة لا يوجد مثلها في أي بقعة في العالم كله ، لهذه الأسباب وغيرها تمضي أمريكا قدما نحو تغيير شكل المنطقة بأسرها ، ولاشك أنه سيكون فاتحة أحداث ضخمة تقع في الأيام المقبلة ربما نرى معها انهيار ممالك وإمارات وقيام أخرى ، وربما انهيار حضارات وقوى عظمى ، من يدري ؟

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 18 نوفمبر 2013
  1. أبو تريكة يتضامن مع عبدالظاهر بقميص يحمل صورته بشارة رابعةصمم لاعب الأهلي والمنتخب المصري محمد أبو تريكة قميصا داخليا يحمل صورة زميله اللاعب أحمد عبد الظاهر وهو يشير بعلامة رابعة التي تسببت في أزمته مع النادي الأهلي الذي قرر بيعه في فترة الانتقالات الشتوية وحرمانه من المشاركة ببطولة العالم للأنديةمحليات مصر · 1 د قراءة
  2. فيديو.. اقتحام استوديو المنشد عبد الله الشريف بسبب أغنية «سيسي خناس»اقتحمت قوات الداخلية المصرية الأستوديو الخاص بالناشط والمنشد الشاب عبد الله الشريف، وقامت بتحطيم محتوياته من معدات وأجهزة صوتية. يأتي هذا الإجراء من قبل قوات الداخلية بعد أيام من نشر أغنية عبد الله الشريف الجديدة بعنوان «سيسي خناس»، والتي حالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. تحيةً لـ"أبوإسماعيل".. تحالف الشرعية يحشد لـ"مليونية المطلب الواحد" الاثنيندعا التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، مساء الأحد، أنصاره إلى المشاركة بفعاليات ومظاهرات "أسبوع الشهيد" في مليونية أطلق عليها اسم "مليونية المطلب الواحد". وجاء في بيان التحالف: "يدعو التحالف جموع المصريين شبابًا وشيوخًا رجالاً ونساءمحليات مصر · 4 د قراءة
  4. بالفيديو.. شلل في العديد من المدن بالإمارات بسبب سوء الطقستشهد الإمارات العربية المتحدة منخفضاً جوياً ماطراً، يستمر حتى نهاية عطلة الأسبوع، مع حالة عدم استقرار جوي ستؤدي لأمطار متباينة في شدتها، مع هبوب رياح مثيرة للغبار والأتربة على المناطق الداخلية في البلاد. وقال شهود عيان إن إمارة عجمان تشهد فمحليات عربية · 1 د قراءة
  5. إدارة الموارد البشرية ... النشأة والتاريخمصطفى كريم [email protected] لقد خلق الله البشر في أحسن تكوين وجعل منهم الذكر والأنثى الغني والفقير وجعلهم شعوب وقبائل ليتعارفوا، إن الإنسان أو العنصر البشري لا يستطيع إن يعيش بمفرده بمنأى عن الناس، إنما هو كائن اجتماعي تفاعلي يتأثر ويؤثر ففكر إداري · 5 د قراءة
  6. حاتم عزام: 19 نوفمبر سيشهد موجة ثورية تُسقط العسكرأكد حاتم عزام، نائب رئيس حزب الوسط، أن يوم الثلاثاء 19 نوفمبر سيشهد موجة ثورية تسقط حكم العسكر. وقال عزام "إن تظاهرات يوم 19 نوفمبر وذكرى تأبين ضحايا أحداث محمد محمود لها حالة وطبيعة خاصة، حيث إن هناك أعدادا كبيرة ستتظاهر من أجل الدفاع عن حمحليات مصر · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: إيران و أمريكا انتصار الجيوبولتيكية