لماذا رفع السيسي الدعم؟

كتبه للمفكرة / حازم البارودي
شهدت مصر خلال الثلاث سنوات الماضية ثورتين ضد نظامين مختلفين عبر أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية ، الأولى كانت شعبية بامتياز ، والثانية كانت مضادة باقتدار ، تبادل خلالهما النظامان المثار عليهما الأماكن والآليات ، ولكن العجيب أن رغم مرور عام على الثورة الثانية ـ المضادة ـ إلا إن الأوضاع الاقتصادية تدهورت بشدة ، وأخذت المؤشرات الاقتصادية في الهبوط سريعا رغم الجرعات المكثفة من المساعدات الخليجية التي جاوزت العشرين مليار دولار نقدا ، غير المساعدات العينية ، ومعدلات التضخم والبطالة والعجز في الموازنة بلغ حدا تنادى معها الجميع بوقوف مصر على أعتاب أسوأ أنواع الثورات الشعبية وأشدها ضررا وخطرا ، وهي ثورة الجياع ، ومن نوادر التاريخ أن أول ثورة شعبية سجلتها الحوليات التاريخية كانت ثورة مصرية ! فقد قام بها المصريون ضد الملك بيبي الثاني فحسب ما ورد في بردية ايبوير من وجود حالة مجاعة وفقر وتردّى أحوال مصر في عهد الملك ووجود ثورة شعبية وكذلك حسب ما ورد في حجر جنوب سقّارة وهرم بيبى الثاني ونصوص الأهرام التي وجدت في أهرامات عائلة الملك بيبى الثاني في جنوب سقّارة من وصف لعصر بيبى الثاني فهل تشهد مصر فعلا ثورة للجياع ؟
هذه الثورة تمهد إليها الحكومة المصرية على مراحل منذ بداية الانقلاب ، كأنها تسعى لحتفها بظلفها ، وعلى الرغم من أن الحكومة الحالية ليست حكومة ليست منتخبة وصلاحياتها منقوصة كثيرا،إلا أن رئيس الوزراء إبراهيم محلب بدأ يدخل في ملفات تحتاج إلى حكومة منتخبة ومستقرة لتنفيذ مشروعات عبر فترات طويلة ومتوسطة، خاصة أن معظم هذه الملفات التي تهدد بثورة للجياع تتعلق بمعضلة الدعم الموضوعة، منذ عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، ووصلت إلى حد التهالك في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. فالنظام الاستهلاكي في مصر من أكثر الأنظمة المنهارة اقتصاديا في المنطقة وربما العالم ، حيث لا يوجد نظام لضبط السوق والسيطرة على تحركاته صعودا وهبوطا ، وفي ظل هذا النظام المتهرئ يكون رفع أي سلعة ولو كانت غير أساسية إيذانا ببدء حملة محمومة لرفع أسعار كثير من السلع ، حتى تلك التي لا ترتبط معها من قريب أو بعيد . وبينما ينصب الاهتمام الإعلامي على الصراع السياسي في قمة الدولة المصرية، ربما لا يقدر كثيرون خطورة ما يحدث في قواعدها العتيدة من تآكل وغياب للأدوات التنفيذية نتيجة تراكم ميراث من الفساد والإهمال والبيروقراطية، يجعل تطبيق أي برامج إصلاحية محل شكوك واسعة. ويفسر هذا الوهن او الارهاق عدم قدرة التغييرات السياسية في قمة السلطة وحدها على احداث اي انجاز حقيقي يشعر به المواطنون.
أولى إرهاصات هذه الثورة تمثل مع تغيير منظومة دعم الخبز والتي كان العبث بها من قبل سببا في اضطرابات شعبية واسعة سنة 1977 ، وذلك عندما ارتفعت أسعار اللحوم بصورة كبيرة خلال عامي 76 ، و77 ، وفقد المصريون الأمل في هذه العروة ، فانتقلوا للعروة التي تليها ؛ الخبز ، لذلك لما حاولت الحكومة رفع سعره كان بركان الغضب الشعبي الذي انفجر بقوة ، ولكن كان السادات من الحكمة بمكان جعلته يتراجع عن القرار سريعا ، فأنطفئ نار الثورة سريعا . وبعد تعديل منظومة الخبز والرفع الجزئي للدعم عنه ، أخذت أزمات انقطاع الكهرباء التي وصلت لمعدلات غير مسبوقة في التصاعد ، مما خلق ضغطا كبيرا على المواطن الذي كانت أزمة الكهرباء والبنزين أحد أهم أسباب ثورته ضد نظام مرسي ، ولكن القشة التي على وشك أن تقصم ظهر البعير هي القرارات الصادمة والصعبة جدا التي اتخذتها حكومة محلب في اليومين الماضيين برفع أسعار المحروقات والكهرباء والاتصالات في دفعة واحدة ، وفي صورة جلية من صور الاغترار بقوة القبضة الأمنية التي يخيل لمن يمتلكها إمكانية جبر الناس على قبول القرارات الصادرة عنه مهما كانت صعوبتها وضررها ومساسها بالأوضاع المعيشية اليومية لعموم المواطنين أصر النظام على تنفيذ قراراته الصعبة وتعاملت بقسوة مفرطة مع المحتجين عليها .
السيسي من أشد المؤمنين بفلسفة الليبرالية المتطرفة ، وهي المدرسة الأكثر تطرفا في تصورها الاقتصادي ، فهي تنادي بتقليص دولة الرعاية الاجتماعية لأدنى مستوياتها ، ومن أهم مبادئها : خصخصة الشركات الحكومية ، وتحرير الاقتصاد من أي قيود تحد من حركته ، كما أنها ترفض تماما فكرة التخطيط بدعوى أنه نوع من الوصاية والاستبداد ، كما لا تعير هذه الفلسفة أي اهتمام بالتفاوت الطبقي الرهيب الذي ينتج عن اقتصاديات السوق الحر، على أساس أن هذا التفاوت ظاهرة اجتماعية مقبولة ، كما أن هذه الفلسفة تعتبر دولة الرفاهية الاجتماعية هي أكبر أعدائها.
وقد تبنت هذه الفلسفة كلٌّ من انجلترا وأمريكا في الثمانينيات من القرن الماضي في عهد تاتشر في انجلترا وريجان في أمريكا . وقد أدى ذلك التبني لتحول المؤسسات والمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأدوات في يد أمريكا وانجلترا لتمرير هذه السياسات الاقتصادية المتطرفة على الصعيد الدولي . وقد أسهم تفكك الاتحاد السوفيتي ، وسقوط الأيديولوجية الشيوعية في إطلاق يد السوق وتقليص دور الدولة وتحويل ملكية عدد غير قليل من مرافق الخدمات إلى القطاع الخاص ، مما ساهم في زيادة الهيمنة الأمريكية على العالم ، ولكنها أيضا ساهمت في تفاقم الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم بصورة كشفت عن وحشية هذه الليبرالية المتطرفة . غير أن أخطر ما في هذه الفلسفة المتطرفة أن تؤدي إلى حالة من الانقسام والاستقطاب داخل المجتمع الواحد مهما كانت قوته الاقتصادية وثباته الاجتماعي ، ففي أمريكا مثلا أدت هذه السياسات إلى تعميق حالة الانقسام داخل المجتمع بسبب رفض كثير من الأمريكان تعديل قوانين الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية ، وتصاعد الجدل الإعلامي والنخبوي عن جدوى هذه التعديلات و أثرها الاجتماعي ، حتى إن مجلة الإيكونومست التي تدعم خيار الليبرالية المتطرفة اضطرت إلى الاعتراف بدور هذه الفلسفة في خلق هذا الاستقطاب، فلماذا يصر السيسي على هذه السياسة الاقتصادية المحفوفة بالمخاطر ؟
فالبعض يري أن السبب الرئيسي في المسألة هو العجز الضخم للموازنة والذي يفوق قدرة أي حكومة ونظام على مواجتهه دون مثل هذه الاجراءات الاستثنائية ، والبعض يري أن السبب في ذلك هو تلويح دول الدعم والإسناد بضرورة اعتماد مصر على نفسها ، حيث لن يكون في مقدور الخلايجة مواصلة دعم النظام القائم في مصر ، والانفاق على الشعب المصري ذي التسعين مليون نسمة أي ما يفوق ضعف شعوب الخليج مجتمعة !!.في حين يري فريق ثالث أن إصلاح وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية للجيش والدولة هو السر الحقيقي وراء رفع الدعم، وإعادة ترسيم النطاقات الاقتصادية لمؤسسة الجيش الاقتصادية بحيث تحد من نفوذ وهيمنة، كبار رجال أعمال مبارك .ولكن بالنظر لسير الأحداث وخطابات السيسي المعلنة وغير المعلنة حول الشأن الاقتصادي يتضح لنا أن كل ما ذكر بمثابة الأمور الثانوية للسبب الرئيسي في هذه القرارات الصعبة والموجعة للشعب المصري .
فرفع الدعم بهذه الصورة القاسية ما هو إلا إعلان صريح من السيسي أنه منحاز للمشروع الاقتصادي لأمريكا ، وأنه من أشد انصار السوق المفتوح أو العولمة الاقتصادية ، وبالتالي هو يقدم عرابين الرضا الأمريكي ، والولاء والتبعية للمشروع الأمريكي في المنطقة ، فمع دخول عصر العولمة عملت أمريكا عبر أدواتها ومؤسساتها الدولية في فرض نظريتها الاقتصادية على العالم ، وجعلت من مسألة تحرير التجارة العالمية والحفاظ على حرية السوق العالمي أولوية تعادل أولوية الحفاظ على الأمن القومي وأمن الكيان الصهيوني ، فراحت تستخدم المؤسسات الدولية في عقد الاتفاقيات العالمية التي تحافظ على بقاء اقتصاديات السوق حرة ومفتوحة مثل اتفاقية الجات ، ثم اتفاقية الكويز ، ثم اتفاقية الحد من الانبعاث الحراري ، وغيرها من الاتفاقيات التي قضت على الخصوصية الاقتصادية للبلاد ، وأنهت بصورة أو بأخرى نظرية السيادة والحماية للمنتجات الوطنية ، وفرضت أمريكا ضغوطا جمة على دول مثل مصر مثلا من أجل خصخصة قطاعاتها الحكومية ، مما أدى لانهيار الاقتصاد المصري وإغلاق أكثر من 2500 شركة ومصنع يعمل بها مئات الألوف من العمال ، وخسارة ما يقرب من 550 مليار جنيه خلال عشر سنوات فقط .
والسيسي يثق في قدراته الأمنية كثيرا ، ويعتقد أنه قادر على ضبط واحتواء أي حراك شعبي رافض لهذه السياسات التقشفية الشديدة ، وهذه الثقة عادة ما تخون صاحبها في مواطن كثيرة ، في فرنسا مرة ، وفي روسيا القيصيرية مرة ، وفي البرازيل مرة ، والحبل على الجرار ، فمن يعتقد أنه قادر على الدنيا ومتحكم في مصائر شعبه ، وأنه لا يريهم إلا ما يرى فلا يلومن إلا نفسه ، فالجياع إذا ما ثاروا فإنهم يقتلعون الأخضر واليابس ، فلا ملك يبقى ولا ممالك . وإذا لم يكن ثمة عقلاء في المشهد المصري ، وإذا لم تسارع الحكومة بإجراءات تنعش الشعب قليلا ، فالانفجار وشيك جدا .