باحث سياسي يكشف لـ "مفكرة الإسلام" مستقبل الدولة العلوية

حوار: صلاح حسنين
كشف الباحث بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات بقطر حمزة مصطفي عن تداعيات التدخل الروسي فى سوريا والدول التي تدعم تدخله.
وأكد فى حوار مع مفكرة الإسلام أن إقامة دولة علوية في سوريا يكاد يكون ضربا من الخيال، وأنه إذا ما أعلن عن دولة علوية لن تصمد إلا بضعة أيام.
ورأي أن أن روسيا اختارت توقيت تدخلها في مرحلة حساسة بالنسبة لتركيا إذ تنشغل الأخيرة بحربها مع حزب العمال الكردستاني، ويتجهز الحزب الحاكم بداية نوفمبر 2015 لانتخابات مصيرية لن تنحصر تداعياتها في الداخل التركي بل ستمتد إلى الإقليم.
وإلى نص الحوار:
مفكرة الإسلام: كيف تري القمة التي جمعت حكام الإمارات والأردن ومصر في موسكو وهل كان لها دور فيما تبعها من تدخل عسكري روسي مباشر في سوريا؟
لاشك أن الدول المذكورة أعلاه تتبنى مقاربة تجاه الأزمة السورية تتشابه تتقاطع إن لم تكن تقترب مع وجهة النظر الروسية، كما أنها تحتفظ حتى الآن بعلاقات دبلوماسية أو تواصل أمني وعسكري في بعض القنوات، وترى في الأزمة السورية تهديدا مباشرًا لها كونها تضع مواجهة الإسلام السياسي في قائمة أولوياتها، وكما هو معروف تضج الساحة السوريّة بفصائل إسلامية. لكن لا اعتقد أن لها تأثير كبير فيما يتعلق بالتدخل الروسي الأخير، لكن موسكو حاولت حشد الدعم لضرباتها بالاقتراب من العواصم العربية التي تشاطرها المخاوف من سقوط الرئيس بشار الأسد، كما تنظر بالعين ذاتها للفصائل الإسلامية. من هنا، امتنعت الدول الثلاث المذكورة أعلاه عن المشاركة في بيان الإدانة الجماعي الذي صدر عن دول عربية، وغربية، وتركيا أيضا، وطالب موسكو بوقف قصفها للمدنيين ولفصائل المعارضة.
مفكرة الإسلام : يري البعض أن التدخل العسكري الروسي في سوريا من بين أهدافه تطويق تركيا فكيف تقيم ذلك؟
صحيح، للتدخل الروسي أبعاد ورسائل مختلفة منها موجه إلى تركيا بشكل كبير. لابد من الإشارة بداية إلى أن روسيا اختارت توقيت تدخلها في مرحلة حساسة بالنسبة لتركيا إذ تنشغل الأخيرة بحربها مع حزب العمال الكردستاني، ويتجهز الحزب الحاكم بداية نوفمبر 2015 لانتخابات مصيرية لن تنحصر تداعياتها في الداخل التركي بل ستمتد إلى الإقليم. وبناء عليه، موسكو متأكدة أن تركيا غير قادرة على التصعيد حاليا بشكل مباشر، أي بتنفيذ التفاهم الأميركي التركي على إقامة منطقة خالية من داعش في الشمال، أو بشكل غير مباشر عبر دعم فصائل جيش الفتح لإكمال خططهم الرامية للسيطرة على ما تبقي من سهل الغاب، وريف حماه وتطويق جبال الساحل. وبناء عليه كان التدخل الروسي خطوة استباقية قبل أن تتوفر ظروف قد تجعل تركيا اللاعب الأكثر تأثيرا في الملف السوري، لاسيما إذا استطاع حزب العدالة والتنمية الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة منفردا.
مفكرة الإسلام : يطرح البعض تصورا يرمي إلي أن الاصرار علي إسقاط الأسد دون طرح خطة لليوم التالي يعد ضربا من المجازفة خاصة وأن مساحة كبيرة في البلاد تقع تحت سيطرة قوي ليست مرضيا عنها غربيا. فكيف تري هذا الطرح؟
هذا صحيح بدون شك، لكن الأمر يتعلق بما هو اليوم التالي، ما يطرح حتى الآن حل سياسي على أساس جنيف 2، برعاية دولية وعربية يحفظ المؤسسات ويقوم بإعادة هيكلة الجيش والأمن وإخراج العناصر الإجرامية منها، وإعادة دمج الفصائل المعارضة فيها من أجل التصدي لتنظيم الدولة. من حيث المبدأ، هذا هو اليوم التالي المتوافق عليه، وقد يلزمه ترتيبات أخرى كتدخل أممي على شاكلة شرطة دولية للفصل بين مناطق تماس أو توتر طائفي، أو قوة عربية تساهم في ضبط الأمن وتسيير عمل المؤسسات على غرار ما يحصل في المناطق المحررة من الحوثيين في اليمن حاليا. أما بالنسبة لليوم التالي، فلقد اشتغلت المعارضة منذ مؤتمر القاهرة 2012، وبعدها مراكز بحثية بالتعاون مع المعارضة على صوغ تصورات مختلفة للمرحلة الانتقالية، وكان أخرها تصور طرحه خبراء وسياسيون سوريون بعد اجتماع جمعهم في الدوحة، وهي خطة شاملة تتضمن مقترحات في المدى المنظور، والمتوسط تراعي واقع سورية ومجتمعها وديمغرافيتها ومؤسساتها الراهنة وليست خطة انتقال مستوردة على غرار ما جرى في بلدان عديدة لعل أقربها دستور بريمر في العراق.
مفكرة الإسلام : كيف تقيم حجم خسائر حزب الله منذ اندلاع الربيع العربي وحتي اليوم؟
حزب الله أكبر الخاسرين من الربيع العربي، فبعد حرب تموز تمكن الحزب من الحصول على رصيد شعبي كبير منحه مكانة في الوجدان العربي مع معرفة غالبية الغرب بارتباطه بالنظام الإيراني، وولاءه للولي الفقيه. لكن دعمه ومشاركته في قتل السوريين أفقده الرصيد السابق، وجعله في الوجدان العربي حزب طائفي مرتهن لتصورات إيران، ومنفذ خدوم لسياساتها. وبمعنى أدق لم يعد يُنظر لحزب الله على أنه حزب مقاومة إلى ثلة من مناصيره هنا وهناك، بل كأداة لاحتلال إيراني يسعى لنشر الفوضى وتدمير مقدرات الشعوب العربية، وتعظيم مصالحه القومية عبر استغلال الشيعة العرب، ومظلوميتهم السابقة، لتدمير الدول العربية الراهنية وإحلال دول الميليشيات بدل عنها. ولعل ما يجري في العراق وسورية واليمن أبرز دليل على التوجه الإيراني الرامي لتدمير الكيانات القطرية العربية الراهنة، وإحلال نظام الميليشيات.
مفكرة الإسلام : هل تري التدخل الروسي هادفا لتثبيت دولة علوية علي الساحل يقيادة بشار أم للسعي لمساعدته علي ضرب المعارضة بهدف اعادة بسط نفوذه علي أكبر مساحة من الأرض؟
إن إقامة دولة علوية في سوريا يكاد يكون ضربا من الخيال، فلا الجغرافيا تسمح، ولا الديمغرافيا وإذا ما أعلن عن دولة علوية لن تصمد إلا بضعة أيام، وقد جربت أيام الاحتلال الفرنسي وجرى التراجع عنها. مع ذلك توظف روسيا في سياساتها الخارجية مسألة الأقليات الطائفية لتحقيق منافع، وحماية بعض مصالحها الحيوية كقاعدة الإمداد في طرطوس، أو امتيازات التنقيب في البحر المتوسط والتي منحها النظام حصرا ولمدة 25 عاما. لكن الهدف الرئيس للتدخل الروسي هو الحفاظ على النظام، ومنع تقدم المعارضة. فالانجازات الأخيرة التي حققتها المعارضة خلال النصف الأول من عام 2015 أظهرت النظام بموقف ضعف وعجز أمام مناصريه، لذلك خشيت روسيا من سقوطه عسكريا في ظل تنامي مؤشرات على ذلك كاستنزافه الدائم، وعدم قدرته على التجنيد، وافتقاده العنصر البشري واعتماده على الميليشيات. لذلك، اختارت ضرب المعارضة في البداية، من أجل حماية النظام، وضمان سيطرته على ما تسميه ويسميه سوريا المفيدة والتي تضم العاصمة، وحمص وحماه، مع منطقة الساحل.
مفكرة الإسلام : كيف تري الفشل التركي الخليجي في تنفيذ فكرة المناطق الامنة في سوريا رغم ما لديها من امكانات؟
لا يمكن إقامة منطقة أمنة بدون قرار دولي، أو بغطاء من دول عظمى كالولايات المتحدة، وإذا ما تحدثنا عن الفشل، فإنه مرتبط باستراتيجية إدارة أوباما أولاً. إن الدعم الخليجي والتركي يمثل عصب الحياة للثورة المسلحة الآن، لذلك فإن ضمان استمراره، وزيادته، ورفد فصائل المقاومة السورية بأسلحة نوعية قد يفرض خيار المنطقة الأمنة كأمر واقع.
مفكرة الإسلام : كيف تري مستقبل الصراع بين تركيا وإيران هل يمكن أن يتطور إلي حرب بعد اتهام انقرة لطهران بدعم المتمردين الأكراد؟
بالطبع لا، العلاقات البينية بين تركيا وإيران متشابكة جدا، وكلاهما دولة أمة تسعيان لنفوذ إقليمي قد يتفقان في بعض مناطق النفوذ وقد يتعارضان في بعضها من دون أن يؤثر ذلك على مسار علاقاتهما المتطور، والتبادل التجاري الذي قارب 40 مليار دولار في العام. لاشك أن طهران لها مصلحة بإثارة الاضطرابات في جنوب تركيا لثنيها عن الملف السوري، لكن لدى طهران مسألة كردية بحاجة إلى حل ولا يمكن أن تذهب إيران بعيدا في دعم الأكراد.
مفكرة الإسلام : كيف تري مستقبل التعاون بين فصائل المعارضة الرئيسية في سوريا خاصة المسلحة في مواجهة التدخل السوري؟
الفصائل السورية منقسمة ومشرذمة، لكن الملمات التي وقعت بها خلال عامي 2013، و2014 أجبرتها على التنسيق أو التوحد ضمن جبهات مناطقية لتفعيل العمل المسلح في مواجهة النظام والميليشيات، فتشكلت الجبهة الجنوبية في حوران، والقيادة الموحدة في الغوطة، وجيش الفتح في ادلب والذي حرر المحافظة بأكملها، وقد تضعضت بعض هذه التجارب بعد زوال وهج الانتصارات مؤخرا. لكن التدخل الروسي أجبرها من جديد على التشاور فيما بينها لمواجهة خطر محدق، وغزو خارجي تتطلب مواجهته أليات جديدة وغير مسبوقة. ولعل البيان المشترك الأخير بين الائتلاف وغالبية الفصائل السورية ( إسلامية وجيش حر) على رفض مقترحات ديمستورا والتعهد بمواجهة الغزو الروسي يعد دليلا على إمكانية لم شمل الفصائل في المستقبل المنظور بما يسمح بتجاوز تبياناتها الأيدلوجية وخلافاتها الفكرية للتركيز على الهدف الأسمى ألا وهو تحرير سوريا من الاحتلالين الداخلي والخارجي.
مفكرة الإسلام : هل تري التدخل الروسي ظرفي لحماية بشار أم سعي امبريالي؟ وما مدي امكانية تنافسه مع طهران في مساحات النفوذ؟
روسيا دولة إقليمية ناتجها القومي يساوي أو اصغر من الناتج القومي الاسباني، ولذلك لا يمكن بأي حال من الاحول أن تكون دول عظمى، لان القوة العسكرية، والمكانة الدولية لا تكفيان لتكون دولة ما قوى عظمى، بل تحتاج إلى مقدرات اقتصادية، وأخرى بشرية وهذا ما تفتقده روسيا. فالاقتصاد الروسي يعد اقتصاد ريعي انحدر بشدة بعد تخفيض أسعار النفط، وتأثر بشكل بالغ بالعقوبات الغربية المفروضة بعد تدخلها في أوكرانيا. كل ما في الأمر أن روسيا تستغل الانكفاء الأميركي عن لعب دور فاعل في الأزمات الدولية في محاولة للظهور بمظهر قوة عظمى قادرة على التأثير. وعلى الرغم من الزخم المعنوي الذي كسبته من تدخلها في سورية مؤخرا فإن من الصعب عليها تحقيق ما ترمي عليها بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وعادة ما يكون أول المتدخلين أكبر الخاسرين.