سايكس– بيكو, تاريخ الشرق الأوسط يُعيد نفسه

وكالة: رويترز Reuters
السادس من مارس 2016
بقلم: بيتر فان بورين Peter Van Buren
ترجمة: أحمد سامي
من المعلوم أن اتفاقية سايكس – بيكو تم توقيعها فى العام 1916 وقضت بتقسيم منطقة الشرق الأوسط التي كان معظمها حتى ذلك الحين يتبع الخلافة العثمانية, وحتى الآن فإن المنطقة التي خضعت لاتفاقية سايكس – بيكو لم تنعم بالاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود بل إن الأمور مُرشّحة لمزيد من التدهور, فنحن نرى دولاً بالمنطقة مثل العراق وسوريا توجد بها عدة طوائف متناحرة من سُنّة إلى شيعة إلى تركمان مما أشعل النزاعات المُسلحة بتلك الدول وتطورت الأمور إلى الأسوأ.
ولقد حذّرت خلال شهر نوفمبر من العام 2014 من مغبة ترك تنظيم الدولة الإسلامية بلا رادع, وقلت وقتها أن الحل الوحيد لمواجهة التنظيم خاصة فى العراق هو لم شمل الطوائف الثلاث السُنّة والشيعة والأكراد عبر عملية سياسية برعاية أمريكية, لكن بعد 15 شهراً من ذلك التاريخ تورطت كل من روسيا وتركيا فى الصراع المُسلّح وربما تتبعهما الرياض عبر إرسال جنود للمشاركة فى الحرب الدائرة على الأراضي السورية.
والحقيقة أن ما جعل الوضع فى سوريا والعراق بهذا السوء هو تعدُد الأطراف الخارجية المتورطة فى الصراع وتعارُض المصالِح فيما بينها, فهناك الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية وطهران وتنظيم الدولة الإسلامية كل تلك القوى متورطة فى الصراع بشكل مباشر.
وإذا عدنا إلى اتفاقية سايكس – بيكو سنجد أنها فُرِضت بالقوة من قِبل القوتين العظميين في ذلك الزمان وهما بريطانيا وفرنسا وبمشاركة روسيا, وقد أسّست تلك الاتفاقية لحقبة جديدة استعمارية كانت نتاجاً طبيعياً للحرب العالمية الأولى حيث انهارت الدولة العثمانية وبات الطريق مفتوحاً لسيطرة الأوربيين على الشرق الأوسط.
وقد فشلت اتفاقية سايكس – بيكو فى تحقيق أحد أهم أهدافها ألا وهو إقامة دولة مستقلة للأكراد, وقد جاءت المحاولة خلال العام 1920 وغداة توقيع اتفاقية "سيفر" Sevres"" حيث قضت تلك الاتفاقية بالسماح للشعب الكردي بإجراء استفتاء لتحديد مصير إقامة دولة كردية مستقلة من عدمه, لكن الخطة واجهت عدة صعوبات منها أنها كانت تنطبق على الأكراد من خارج سوريا والعراق, وكذا جنوح الشعب التركي إلى نفض يديه من الإمبراطورية العثمانية ومحاولة بناء دولة حديثة لا مكان فيها لحركات كردية مستقلة وكانت نتيجة فشل خطة "سيفر" هو تشريد 20 مليون كردي بين أربع دول هى إيران والعراق وسوريا وتركيا.
والحقيقة أن الغزو الأمريكي للعراق فى العام 2003 نقل المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار وفتح الطريق أمام النزاعات الطائفية بين العراقيين, كما أن الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومات الشيعية المتعاقبة بحق أهل طائفة السُنّة فتحت الباب لحاضنة شعبية تستوعب تنظيم الدولة الإسلامية الذي ظهر بمظهر حامي الطائفة السُنّية فى العراق.
ومع تطور الأمور دخل الأكراد على الخط, فهؤلاء لا يمِلّون من توسعة الأراضي التي يحصلون عليها كل يوم مستفيدين من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها سوريا كما أنهم يعملون على الجبهتين العراقية والتركية بنفس الطريقة, وما زاد الأمر تعقيداً هو التدخُل العسكري الروسي فى المنطقة ومن المحتمل أن يتبعه تدخُل سعودي وهناك أيضاً إيران المتورطة سياسياً وعسكرياً فى الصراع السوري حتى أذنيها, أما الولايات المتحدة فتقوم بتدريب وتسليح فصائل المعارضة السورية التى غالباً ما تتقاتل فيما بينها بدلاً من الاصطفاف في مواجهة بشار الأسد.
والواقع أن النزاع المُسلّح بكل من سوريا والعراق كان له آثاراً كارثية مثل تدفق ملايين اللاجئين على الدول المجاورة هرباً من القتال فضلاً عن آلاف القتلى من المدنيين جراء القصف العشوائي وأخيراً مدن بأكملها تعرضت للدمار مثل الرمادي وحمص وعين العرب "كوباني" وربما تواجه مدينة الموصِل نفس المصير قريباً.
ويقول مراقبون أن الحل يكمن فى الشروع فى مفاوضات موسعة يكون تنظيم الدولة الإسلامية طرفاً فيها وتكون برعاية أمريكية, وحجة هؤلاء أن بريطانيا فعلتها سلفاً حين وافقت على التفاوض مع قادة "الجيش الجمهوري الأيرلندي" فى تسعينات القرن الماضي بغرض وقف الصراع المُسلّح بشمال أيرلندا الذي كان على أشده حينذاك, وهناك حجة أخرى لهؤلاء أن أية اتفاق لوقف إطلاق النار بسوريا لا يشمل تنظيم الدولة الإسلامية سيكون على المحك ومعرض للانهيار في أى لحظة.
لذلك فنحن نرى أن عملية سياسية موسعة يتم فرضها بالقوة العسكرية من الممكن أن تؤتي ثمارها لحل المشكلات فى كل من سوريا والعراق, والبديل معروف وهو شبح التقسيم الذي يُخيِم على الدولتين خاصة بالنظر لطموحات الأكراد ليس فى سوريا والعراق فقط بل فى إيران وتركيا أيضاً.
رابط المقال:
http://blogs.reuters.com/great-debate/2016/03/06/redividing-the-middle-east-offers-the-best-chance-for-peace/