معركة الموصِل وتكتيكات القتال الأربعة

هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" "BBC"
25 أكتوبر 2016
بقلم: "ريتشارد جالبين" Richard Galpin""
ترجمة: أحمد سامي
عقب مرور أسبوع على اندلاع معركة الموصِل, وعقب وصول قوات الجيش العراقي والقوات الكردية لمشارف المدينة من الجهة الشرقية فإن المدينة التي تعتبر أخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق لا تزال تحت سيطرة مقاتلي التنظيم, وتسعى الحكومة العراقية عبر تِلك العملية إلى دفع مُقاتلي تنظيم الدولة إلى خارج مدينة الموصل مما يعني تآكل مساحة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم في العراق إلى أجزاء صغيرة متناثرة.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, فقد قام تنظيم الدولة بشن عِدة هجمات مُباغِتة على مدار الأسبوع الماضي شملت عِدة مدن وقرى على مستوى العراق, وقد كشفت تقارير أن تنظيم الدولة الإسلامية كان يُعِد العُدة لهجوم الموصل منذ استيلاء قوات التنظيم على المدينة في يونيو من العام 2014, وتقوم خطة التنظيم على أربعة محاور:
1 – تنويع الهجمات
ويعتبر تكتيك تنويع الهجمات من أخر التكتيكات التي لجأ إليها تنظيم الدولة خلال معركة الموصل الأخيرة, وتعتمِد تِلك الاستراتيجية على شن هجمات متزامنة على عِدة مُدُن وقُرى بطول البلاد وعرضها بالتركيز على مدينة "كركوك" التي يُسيطِر عليها الأكراد.
وقد أشارت تقارير إلى أن هناك مائة مقاتل من تنظيم الدولة بمدينة "كركوك" يعتبرون جميعاً من الخلايا النائمة التي تعيش داخل المدينة, تلك الخلية التي أخذت على عاتقها مهاجمة المؤسسات الحكومية والمباني التابعة للشرطة وكذا محطة الكهرباء الرئيسية بمدينة "كركوك", وأفادت التقارير كذلك بأن عناصر تنظيم الدولة أطلقوا نداءً لسكان المدينة من السُنّة للانخراط في صفوف التنظيم والقتال إلى جانبه وهي الدعوى التي لاقت قبولاً من بعض الشباب السُنّي من سكان مدينة "كركوك".
والحقيقة أن تكتيك تنظيم الدولة القائم على ضرب "كركوك" أتى ثماره سريعاً, فقد قامت قوات البشميركة الكردية بسحب ألفي عنصر من مقاتليها الذين اشتركوا في معركة الموصل من أجل الدفاع عن مدينة "كركوك" وإعادة الأمور إلى نصابها بالمدينة ذي الأغلبية الكردية.
وقال مصدر كردي أن استراتيجية تنظيم الدولة تقوم أيضاً على قطع الطريق بين "كركوك" وبغداد وكذا بين كركوك والموصِل بغرض قطع خطوط إمداد القوات العراقية والكردية التي تحاول استعادة مدينة الموصل من أيدي التنظيم, وقد لجأ تنظيم الدولة أيضاً إلى شن عدة هجمات على مدينة "الرطبة" غربي العراق وإقليم "سنجار" الذي يقع شرقي مدينة الموصل بغرض تشتيت انتباه القوات العراقية والكردية التي تقاتل من أجل استعادة مدينة الموصِل.
2 – قوافل السيارات المُفخخة
ويعتمِد تكتيك السيارات المُفخخة على قيام التنظيم باستخدام قوافل من تِلك السيارات لشن هجمات سريعة ومُباغِتة على تجمُعات القوات العراقية والكردية المُشارِكة في عملية استعادة الموصِل, وقد أثبت التكتيك فعالية هائلة في بث الرعب بقلوب القوات العراقية والكردية التي ترى تِلك السيارات وهي تعلم أنها مليئة بالمتفجرات ويقودها انتحاريون مما أثّر بالسلب على معنويات القوات المسئولة عن استعادة مدينة الموصِل, وقد أجبرت تلك الاستراتيجية قوات الحكومة العراقية على عدم التمركُز بأعداد كبيرة في مناطق محددة خشية تعرضها لهجمات باستخدام السيارات المفخخة, كما أن الوقوف بوجه السيارات المفخخة الخاصة بتنظيم الدولة يتطلّب استخدام دفعات سريعة من الصواريخ المضادة للدروع من أجل منع تِلك السيارات من الوصول لمواقع القوات العراقية والكردية المنوط بها استعادة مدينة الموصِل, والحل الأمثل للتعامُل مع قوافل السيارات المفخخة هو قصفها من الجو قبل أن تصِل إلى تجمعات القوات العراقية.
3 - الأنفاق
بينما كانت القوات العراقية تتقدم باتجاه مدينة الموصِل تعثّرت في طريقها بالعديد من القُرى التي تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة, واكتشفت تلك القوات أثناء تقدُمها العديد من الأنفاق التي يستخدمها مقاتلو التنظيم من أجل شن هجمات شبيهة بما يُسمّى "حرب العصابات", كما أن تِلك الأنفاق تم تصميمها بحيث تُستخدم كملاجئ لحماية مقاتلي التنظيم من الهجمات الجوية والقصف المدفعي, وقد تم تزويد تِلك الأنفاق بالطعام والمياة ووسائل النوم حتى أن بعضها كان يوجد به كهرباء.
وقد دأب تنظيم الدولة الإسلامية على بناء الأنفاق تحت البنايات خاصة المساجد, وعلى الرغم من صعوبة رصد تلك الأنفاق أثناء حفرها إلا أنها يمكن أن تُستخدم لتحقيق عنصر المفاجأة ضد القوات العراقية حال قررت اجتياح إحدى القرى التي يُسيطِر عليها تنظيم الدولة, وقد أظهر مقطع فيديو على شبكة الإنترنت خطورة تِلك الأنفاق حيث خرج من إحداها انتحاري تابع لتنظيم الدولة ليقوم بتفجير نفسه في مجموعة من مقاتلي الحشد الشعبي الذين كانوا يظنون أنهم في مأمن من أية هجمات.
وتشير تقديرات إلى أن هناك شبكة من الأنفاق تم حفرها أسفل مدينة الموصل لمساعدة قادة وعناصر تنظيم الدولة في الاختفاء أو الهرب حال نجاح القوات العراقية في اجتياح المدينة, والأهم هو أن مقاتلي التنظيم يقومون بتفخيخ تلك الأنفاق حال شعورهم باكتشاف أمرها من قِبل القوات العراقية, ويقوم تنظيم الدولة باستخدام الألغام وزرع المتفجرت ليس داخل الأنفاق فقط وإنما على الطرقات وداخل المباني التي يُجبر التنظيم على الانسحاب منها تحت ضغط نيران القوات العراقية والكردية.
4 – الدروع البشرية
أثيرت الكثير من المخاوف حول قيام تنظيم الدولة باستخدام سكان مدينة الموصِل كدروع بشرية حال نجاح القوات العراقية والكردية في اجتياح المدينة, وقد ذكر مصدر بالمخابرات التابعة للأكراد أن تنظيم الدولة بدأ بالفعل في انتهاج أسلوب الدروع البشرية وهو ما يدُل على شعور التنظيم بالضعف واليأس, ولم يذكُر المصدر الكردي متى أو أين قام تنظيم الدولة باستخدام المدنيين كدروع بشرية, لكن إذا صحّت تِلك الفرضية فإن معركة استعادة الموصِل ستُصبِح أكثر تعقيداً إذا ما أصر مقاتلو التنظيم على المُضي في المعركة إلى النهاية, والأدهى أن تعداد المدينة يقارب المليون نسمة مما سيُعرِض هؤلاء لخطر داهم حال اندلاع المعارك بين تنظيم الدولة والقوات العراقية داخل المدينة.
رابط المقال:
http://www.bbc.com/news/world-middle-east-37761254