نظرة إسبانية للأزمة الفلسطينية

إعداد: مروة عامر
مفكرة الإسلام : جاءت دعوة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية "محمود عباس" إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة بمنزلة ضربة قوية غيرت مسار الوضع الفلسطيني من مواجهة مع العدو الصهيوني والضغوط الغربية إلى مواجهة داخلية بين الفصائل الفلسطينية, في إنذار بإمكانية نشوب حرب أهلية، الأمر الذي تردى صداه في الصحافة العربية والغربية على حد سواء، حيث تباينت التحليلات السياسية لتلك الدعوة والتداعيات التي قد تنجم عنها، فعلى الصعيد الإسباني نشرت صحيفة "جارا" مقالاً انتقدت فيه موقف محمود عباس تحت عنوان "العودة للشعب أم إثارة الشعب" نذكر منه:
"أعلن محمود عباس عزمه على دعوة الفلسطينيين إلى الانتخابات، الأمر الذي لقي الاستحسان من قِبل "إسرائيل"، بينما كان رد الفعل في فلسطين على النقيض تمامًا.
وقد برر "أبو مازن" دعوته إلى الانتخابات، سواء الرئاسية أو التشريعية، برغبته في "العودة للشعب، من أجل أن يكون القرار للشعب"، إلا أن ذلك التصريح يتعارض مع ما أكده بشكل رئيس خلال خطابه في رام الله، حيث أعلن أنه يمكنه بصفته رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أن يوقف الحكومة "وقتما يشاء". وبالتالي، فإن تلك العودة للشعب ليست بممارسة للديمقراطية، فإن الرئيس عباس يحتفظ، في اتفاق مع مصالحه، بحق إبطال الحكومة التي تم انتخابها بناءً على إرادة الشعب.
وفي انتظار كيفية تطور الأحداث، يبدو أن قرار "أبو مازن" يتبع خطوات خطة موضوعة خارج فلسطين، فالجميع يعرف عرض رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "إيهود أولمرت" بفتح حوار مع "أبو مازن"، إلا أن ذلك العرض، تمامًا مثل العرض الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات الاقتصادية، يشترط: إبعاد إسلاميي الحكومة الفلسطينية. وتحت هذين الضغطين، لم يولِ "أبو مازن" في البداية اهتمامًا لفكرة حكومة وحدة وطنية مع حماس، وهاهو يسعى الآن لإحداث نقلة سوف تحظى بالتأكيد بمباركة وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس"، التي أعلنت زيارتها للمنطقة في شهر يناير المقبل".
ومن جهة أخرى، تناولت صحيفة "الباييس" الأمر في مقال نشرته تحت عنوان "حرب أهلية خفية":
"اعتبرت حركة حماس الإسلامية دعوة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية "محمود عباس" إلى انتخابات مبكرة "دعوة للحرب الأهلية"، إلا أن الأحداث التي جرت مؤخرًا في غزة والضفة الغربية تنم عن وضع حرب أهلية خفية. ويبدو أن المواجهة بين الرئيس عباس وحكومة حماس قد وصلت إلى نقطة اللارجعة... ولم تكن الخلافات المنهجية بين الطرفين هي المفجر الحقيقي للمواجهة الحاسمة، وإنما الفقر المدقع الذي غرق فيه الفلسطينيون إثر العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على حماس، التي يعتبرانها منظمة "إرهابية". وعليه فقد تحول الحماس الذي استقبل به الشعب الفوز الانتخابي للحركة الإسلامية إلى إحباط، فقد أدى مرور أشهر دون استلام الموظفين لرواتبهم وإغلاق الحدود "الإسرائيلية"، فضلاً عن الوضع الصحي والمدرسي في الأراضي المحتلة، إلى اتخاذ البعض والبعض الآخر مواقف أكثر تطرفًا.
وقد أسفر تبادل إطلاق النار على حدود غزة يوم الخميس الماضي، عقب رفض "إسرائيل" دخول رئيس الوزراء الفلسطيني "إسماعيل هنية" حاملاً 35 مليون دولار عقب جولة عبر بعض الدول الإسلامية، عن وضع خطير لا يمكن الصمت حياله... وقد تشكل الدعوة إلى انتخابات في مثل هذه الظروف أكثر حل منطقي في أية دولة، إلا أنها قد تشكل أيضًا، في حالة عدم وجود وساطة تعمل على التوصل إلى أدنى اتفاق، المفجر لتتحول حالة الحرب الأهلية الخفية إلى مواجهة مسلحة لا يمكن إيقافها".
وفي تناول آخر لتداعيات دعوة "أبو مازن"، كتبت صحيفة "البيريوديكو دي كتالونيا" مقالاً تحت عنوان "الانقسام الفلسطيني"، جاء فيه:
"أثار قرار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية "محمود عباس" بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، عقب مرور 11 شهرًا فقط على الفوز الانتخابي الهائل لحماس، المنافسة بين أكبر حزبين فلسطينيين، كما أرجأ إلى أمد غير مسمى نظرية حكومة ائتلاف للإسلاميين مع ورثة ياسر عرفات من أجل إقامة دولة فلسطينية والاعتراف "بإسرائيل" وعودة المساعدة الاقتصادية الدولية.
ويرى البعض أنه لا ينبغي النظر للنزاع الداخلي الفلسطيني كمجرد صدام بسيط بين جماعتين مسلحتين، فلا يمكن إنكار التلاعب في الأمر من قِبل "إسرائيل" وغالبية الدول العربية والإسلامية، إلا أنه لا يمكن الظن في إمكانية أن يأتي الحل من الخارج... وإذا أضفنا إلى ذلك عدم التزام البيت الأبيض بتخفيف حدة التوتر في العلاقات الفلسطينية - "الإسرائيلية"، فسوف تبدو اللوحة كاملة كأزمة غير مسبقة تهدد بتقسيم مجتمع يعيش في افتقار مأساوي للموارد، فالحرب الأهلية تنم دومًا عن خطر أكبر: انقسام الأراضي، قطاع غزة لحماس والضفة الغربية لفتح".
ومن جهتها، أبرزت صحيفة "الكوريو ديخيتال" صمود الشعب الفلسطيني خلف حماس على الرغم من كل الضغوط والوعود، في مقال نشرته تحت عنوان "مقاومة وسط المأساة"، نذكر منه:
"لقد بدأت رواية الانتخابات المبكرة التي تم إعلانها مؤخرًا منذ اليوم الذي أعلنت فيه "إسرائيل" قرارها بوقف تحويل 38 مليون يورو من العوائد الجمركية التي تجمعها "إسرائيل" نيابة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، والذي دعت فيه المجتمع الدولي إلى المقاطعة الاقتصادية لحماس الفائزة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية.
وكم كان فوزًا مريرًا، فقد فتح عدم اعتراف "إسرائيل" والولايات المتحدة بالصوت الانتخابي، الذي منح الفوز لجماعة تندرج في القوائم السوداء الأمريكية والأوروبية كمنظمة "إرهابية"، الباب لعزلة متصاعدة تنعكس على الشعب كفقر متزايد بدأ بالفعل في الوصول إلى ملامح كارثة إنسانية. ولم تتمكن أصوات العالم العربي، التي تنتقد السياسة مزدوجة المعايير التي ينتهجها مجتمع دولي كان ولا يزال يدعم شفهيًا إرساء الديمقراطية في الشرق "الأدنى", إلا أنه لا يلبث أن يرفض نتائج تلك الديمقراطية، من رفع الحصار الاقتصادي الذي يكاد يزهق أرواح الفلسطينيين.
وعلى الرغم من دوي عواء الفقر في كل زاوية في الأراضي الفلسطينية، إلا أن الضغط الذي يعانيه المواطنون لم يتمكن على ما يبدو من تبديد دعم الشعب لحماس، حيث يرى المحللون أن الزعماء الإسلاميين لا يخشون انتخابات جديدة... فعلى الرغم من جهود الرئيس محمود عباس من أجل إبداء منافع الاعتدال ومميزات قبول مطالبات "رباعي مدريد" – الاعتراف "بإسرائيل" ونبذ "العنف" والالتزام بالاتفاقيات المبرمة مع المجتمع الدولي في مقابل رفع الحصار - مازالت مقاومة حماس للحكومة العبرية تجتذب مئات الآلاف. إنها المقاومة، التي تعني كذلك رفض تدخل عملاء أجانب لصالح جماعات بعينها - حركة فتح - فهي تبدو أقوى من الجوع والوعود بحياة أفضل".