شخصية ساركوزي وإرهاصات سياسية لمستقبل فرنسا

شخصية ساركوزي وإرهاصات سياسية لمستقبل فرنسا
"القوى الخطرة في شخصية ساركوزي"
جيم هوجلاند ـ واشنطن بوست
ترجمة: شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : مع انتهاء السباق الرئاسي إلى قصر الإليزية ووصول اليميني المحافظ "نيكولا ساركوزي" إلى مقعد الرئيس الفرنسي، تعددت الآراء السياسية الدولية بين الترحيب والقلق، غير أن ما لم يتم الاختلاف بشأنه هو أن نتائج الانتخابات جاءت لتعلن أن فرنسا ستشهد في الفترة المقبلة حقبة جديدة من المنتظر أن تغير صفحتها السياسية.
ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" في مقال للصحافي الأمريكي "جيم هوجلاند" أن ساركوزي اعتمد للفوز برئاسة فرنسا على مخزون وافر من الطموح وقوة الإرادة والذكاء، إلا أنه ككثير من السياسيين الناجحين بنى فوزه على عوامل قوة يمكن أن تتحول إلى مواطن ضعف بنظام الحكم ما لم يتمكن من ترويضها.
وأضاف هوجلاند أن ذلك لا ينتقص شيئًا من النجاح الذي مثلته تلك الانتخابات بالنسبة لساركوزي - وزير الداخلية السابق - وبالنسبة لفرنسا نفسها. وقد أقبل الناخبون بكثافة على الاقتراع في الجولة الثانية والأخيرة من السباق الانتخابي, وذلك لنبذ صورة السلبية وفقدان الثقة بالنفس والاستسلامية التي أصابت السياسة والفكر الفرنسي خلال السنوات الأخيرة الماضية, وكذلك لدعم دعوة ساركوزي لما أسماه التحرك والمسئولية.
وقد وجهت النتائج كذلك ضربات انتكاسية موجعة للعناصر المتطرفة اليمينية واليسارية والتي بدت تمثل تهديدًا لسير الديمقراطية الفرنسية أثناء الانتخابات الرئاسية السابقة منذ خمس سنوات. وعلى المدى القصير، على الأقل، فإن فرنسا قد عادت بجميع المزايا والعيوب التي تمثلها.
لكن فوز ساركوزي الذي تقدم فيه بهامش نحو ست نقاط لا يثبت بشكل نهائي أن الفرنسيين سوف يميلون إلى اتباعه بدلاً من التصدي له بينما يسعى لإجراء إصلاحات واسعة في مجال العمل والضرائب. ولذا بات عليه في الوقت الراهن أن يؤسس بنفسه المحصلة المرجوة عن طريق كسب غالبية برلمانية لحزبه حزب الديجوليين الجدد - الحزب اليميني الحاكم - خلال انتخابات الشهر المقبل، والعمل من أجل اجتياز الخوف والمرارة التي أفرزتهما الحملة الانتخابية.
وقد استفاد الفوز الذي حققه الرئيس الفرنسي الجديد بصورة كبيرة من أخطاء "سيجولين رويال"، المنافسة الاشتراكية التي تغلب عليها ساركوزي في الجولة الأخيرة من الانتخابات، والتي نظر إليها قطاع معتبر من جمهور الناخبين على أنها غير كفء ومتسلطة. وكان ساركوزي قد تبنى بذكاء خلال المناظرة التليفزيونية التي جمعته برويال الأربعاء 2 مايو استراتيجية الملاكم العالمي "محمد علي كلاي" - التي يُطلق عليها rope-a-dope أو "خنق المخدَر" - حيث نجح ساركوزي في الاحتفاظ بهدوئه, بينما كانت منافسته الاشتراكية تنبري في توجيه الضربات العنيفة ضده.
ومن المحتمل حاليًا أن تفقد رويال زعامتها للحزب الاشتراكي، الذي أخفق في استغلال الحملة الانتخابية في التطرق للتعامل مع التغييرات الهيكلية التي شهدها المجتمع الفرنسي والتي أفرزتها عمليات الهجرة والعولمة وكذلك ربع قرن من عجز الميزانية والنمو الاقتصادي المنخفض.
وأوضح الصحافي الأمريكي هوجلاند أن "فرانسوا فيلون" - وهو أقرب مساعدي ساركوزي - قد أخبره في باريس أثناء المرحلة النهائية من الحملة الانتخابية التي أدارها ونظمها بفعالية لصالح ساركوزي أن الاشتراكيين باعتمادهم على حداثة تقديم مرشحة نسائية وتبني ذلك كأهم قضية لحملتهم "فقدوا فرصة معتبرة للقيام بما فعلناه نحن، لتحديث حزبنا وبرامجنا وإيضاحها لجمهور الناخبين في بنود ذات معنى".
وتشير التوقعات إلى احتمال أن يصبح الوزير السابق للشئون الاجتماعية فيلون رئيسًا للحكومة الفرنسية بعد تسليم الرئيس "جاك شيراك" السلطة لساركوزي في السادس عشر من مايو الجاري. وخلال 12 عامًا قضاها الرئيس شيراك في منصبه قام بالتناوب بتقريب وإسقاط كل من فيلون وساركوزي وغيرهم من الإصلاحيين الأصغر سنًا بعد أن دفعوه للتغيير بوتيرة أسرع مما كان يرغب فيه.
ويقول فيلون: "إننا ندين بجزء كبير من الفرصة التي حصلنا عليها لإصلاح الحزب وبرنامجه السياسي للرئيس شيراك"، مضيفًا: "لقد عزلنا، وقام باستبعادنا, وبفعل ذلك منحنا الحرية لانتقاد ما لم تقدمه حكومته. لقد أقالني من مجلس الوزراء منذ عامين لأنني لم أكن مؤيدًا" لإصلاح النظام الوطني للمعاشات.
ويرى الصحافي الأمريكي هوجلاند أن ساركوزي لن يبدأ فترة ولايته بتعديل السياسة الخارجية للبلاد، وهي إحدى الإرهاصات التي تزامنت مع إعلان فوز ساركوزي، حيث جاء في مقاله:
"لا تتوقع أن يُوجّه ساركوزي نشاطه بصورة فورية لتفكيك سياسة شيراك الخارجية، التي سعت لجعل أوروبا ثقلاً موازنًا للتأثير الأمريكي في الخارج، وذلك نظرًا لأن ساركوزي متأثر بشكل أكبر بما تفعله الولايات المتحدة داخليًا أكثر من تأثره بشكل وجودها وأهدافها الدولية. وهو ما سيجعله يفضل أن تحاكي فرنسا الديناميكية الأمريكية الداخلية، وليس التطلعات الطموحة لإدارة الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" خارجيًا".
من جهة أخرى، أعرب جنرال فرنسي عن عدم شعوره بأمل كبير في إمكانية تبني ساركوزي لمبادرات أو إنفاقات دفاعية جديدة قائلاً: إن ساركوزي "خبرته الأساسية مع مسألة الأمن هي كوزير للداخلية يحارب الجريمة والعنف داخل الوطن، وذلك هو الشكل الذي من المحتمل أن يحدد تحركاته".
الشرق الأوسط:
ويرى فيلون أن "الأمريكيين يجب أن يرحبوا بفوز ساركوزي؛ لأن ذلك الفوز سيقدم فرنسا التي ستُطور اقتصادًا صحيًا وتعمل من أجل أوروبا أكثر قوة يمكنها أن تكون شريكًا جديرًا بالثقة للولايات المتحدة". غير أن تعاطف ساركوزي الصريح مع "إسرائيل" من شأنه أن يؤدي إلى بعض التغييرات في الموقف الفرنسي حيال الشرق الأوسط.
وفاجأ ساركوزي المفعم بالطاقة والبالغ من العمر 52 عامًا - نجل أحد المهاجرين المجريين - في البداية العديد من الفرنسيين كرئيس غير متوقع للبلاد. لكن القوة التي تتسم بها شخصيته تبرز حتى خلال اللقاءات غير الرسمية، كما في استطاعته أن يكون متحدثًا حماسيًا في المناسبات السياسية.
ويعتبر الرئيس الفرنسي الجديد أن أحد أهم إنجازات الحملة الانتخابية كان استعداده للتعامل سياسيًا مع قضايا مبهمة مثل قضية الجريمة والعنف المستوطن بالجيتوات التي يقطنها المهاجرون في فرنسا.
ويختتم الصحافي الأمريكي "جيم هوجلاند" مقاله بسرد مزيد من مواطن القوة في شخصية ساركوزي، إلا أنه يؤكد أن مثل تلك السمات على الرغم من ذلك لا تضمن دائمًا قيادة ناجحة، حيث يقول: "تفاعل الناخبون بصورة إيجابية مع الثقة بالنفس الواضحة التي يتمتع بها ساركوزي، وقدرته على الثبات بقوة على الفكرة التي يعتنقها، وأسلوبه الصريح المباشر في التحدث. غير أن التاريخ الأمريكي الحديث يشير إلى أن تلك القوى الانتخابية، على الرغم من ذلك، لا تضمن نجاحًا في الحكم".
المصدر: صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية
http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/05/06/AR2007050600917.html
التاريخ: 7 مايو 2007
الكاتب: جيم هوجلاند