الاتحاد الأوروبي والصومال.. نظرة للماضي أم نظرة للمستقبل؟!

مقال للباحثة بمركز الدراسات الأوروبية الكوبي "ليلى كاريو راميريث"
نشرته صحيفة "كوبارتي" الكوبية في مارس 2007
ترجمة: مروة عامر
مفكرة الإسلام : يعد استحضار الماضي بمنزلة سرد لتجارب شخصية أو تاريخية. ويسرد التاريخ أحداث عصر بعينه قد يكون من الملائم المقارنة به، خاصةً في المرحلة الراهنة التي تتسم بأكبر عدوانية استعمارية شهدتها الكرة الأرضية.
ويمثل استحضار أحداث القرن العشرين، عندما غزت إيطاليا الفاشية الصومال بقيادة بينيتو موسوليني، استحضارًا لماضٍ ما كان ينبغي أن يتكرر. استغل البريطانيون آنذاك الهزيمة الإيطالية للاستيلاء على الجنوب الصومالي وتشكيل إدارة عسكرية، لتنقسم الدولة بذلك إلى صومال بريطاني وإيطالي وإثيوبي (صوماليلاند).
وفي عام 1949، صوتت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة لصالح إقامة جنوب صومالي، أكثر أمنًا ظاهريًا، تحت السيطرة الإيطالية التي استمرت زهاء 10 أعوام. وعقب بضعة عقود، لعب الصومال دورًا تخريبيًا في إثيوبيا المحررة، المدعومة من قِبل الحكومة الأمريكية والعديد من الحلفاء، ما أسفر عن خسائر إنسانية مدنية وعسكرية كبيرة.
ولا يأتي الموت منفردًا، فقد حولت الحروب العنصرية والدينية (المدفوعة في أغلب الأحوال من قِبل الخارج)، وتجريد الأراضي وندرة الموارد والمجاعات الطويلة جزءًا كبيرًا من إفريقيا، ومن بينه الصومال، إلى بؤرة من التوترات وبند مثير للجدل في الأجندة الزاخرة بالمشكلات المستعصية بالنسبة لمنظمة الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ويشاهد المستهلكون الكبار للهيدروكربونات والعطور الأنيقة والسيارات الحديثة والهواتف الخلوية عبر شاشات الوسائل المسموعة المرئية النزاعات من أجل المياه والصراعات العنصرية والدينية والحروب القبلية والأطفال الجوعى والحقول المقفرة والجفاف اللانهائي كما لو كانت صور خيال علمي، حيث يمنعهم وضعهم كدول متطورة من التوغل في جذور مشكلات العالم الثالث، بل يخلطون دورهم كغزاة بدور المخلّص والمحرر، سواء في الصومال أم الكونغو أم أوغاندا أم السودان، على سبيل المثال لأشد الدول احتياجًا لحل عاجل وليس على سبيل الحصر.
وفي نهاية الأمر، لا تتسع حافظة الحكومات المقتدرة في العالم سوى للإسهام الزهيد بـ7.0% من الناتج المحلي الإجمالي المُتعَهد به لدى منظمة الأمم المتحدة من أجل تخفيف جزء طفيف من مشكلات العالم الثالث "الذي بقدر ما هو بعيد بالنسبة لهم بقدر ما يصعب إدراكهم له". ولا تأتي البرامج الخاصة المتوالية والمعالجات المتعلقة بالدول التي يُطلق عليها اسم إيه سي بي ACP (دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي) بأية ثمار أو حتى تتمكن من تجنب الكارثة الوجودية الإفريقية - تلك البرامج التي تأتي في إطار علاقات الاتحاد الأوروبي بتلك الدول.
ولماذا نذكر تلك النظرة للماضي؟! الأمر في غاية البساطة: يتذكر الأوروبيون إفريقيا عادةً للحنين إلى الثروات التي انتزعوها من مستعمراتهم السابقة، أو "للمساعدة" في شئونها الداخلية لدى تفجر النزاعات أو للمنّ عليها بفرقهم العسكرية للسلام التي تنتشر - ليس بمحض الصدفة - في "دول تعاني من أوضاع سيئة" أو "ديمقراطيات عرضة للخطر"، غالبًا حيث توجد موارد معدنية أو مواقع مجاورة لطرق مؤدية لمناطق استراتيجية اقتصادية أو عسكرية، فهناك روابط أقوى بكثير من تصريحات المساعدة الرنانة. ويعد الاتحاد الأوروبي الشريك الرئيس لمنطقة القرن الإفريقي في مجال التنمية. ويتمتع الصومال بالخشب والفحم والملح ومستودعات الطلق (سيليكات المغنيسيوم المائية) والجبس - انهدريت (كبريتات كالسيوم لا مائي) والكوارتز واليورانيوم الذي يشكل الأساس في الصناعات النووية، كما يحظى بمستودعات من الغاز الطبيعي والذهب، وعليه، ألا يعد كل ذلك دوافع كافية؟!
ويقول مثل قديم: "من سبق لبق"، ولا يود الاتحاد الأوروبي التخلف عن الركب في المنطقة، وإنما يحرص على المشاركة في أية أزمة تظهر وأية توصية أو وساطة تتم المبادرة إليها من أجل "تهدئة إفريقيا أو السيطرة عليها" والعودة إليها والوجود الدائم بها، كما حدث في حالة حشد الجنود الألمان في الكونغو، والذين ظلوا بالدولة حتى عقب انتهاء الانتخابات.
وتجدر الإشارة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تضع القارة "المنسية" في مخططاتها، فقد باغت بوش الأب الصومال عام 1992 بتدخل عسكري في عملية أُطلق عليها اسم "إعادة الأمل". وفي عام 1993، خلال حكومة كلينتون، قامت الولايات المتحدة بتدخل جديد، ولكن "كمهمة إنسانية". وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي قرره الأفارقة عام 2006، خلّف القصف الأمريكي على جنوب الصومال - بدعوى مطاردة إحدى شبكات القاعدة - عددًا كبيرًا من القتلى المدنيين.
وحتى نكون أمناء في نظرتنا للماضي، فسواء كنا بصدد الحديث عن إفريقيا أم الصومال، فتبدو قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ذلك الصدد كما لو كانت تخرج من جعبة سحرية بمقدورها حل المشكلات، فقد كان قرار 341 لعام 1973 بمنزلة إشارة الانطلاق لتشكيل قوة طوارئ رسمية تكمن مهمتها في "حل" المشكلات التي يواجهها الفقراء. ومنذ ذلك التاريخ تتوالى القرارات بشأن الدولة الإفريقية السالف ذكرها، مثل: قرارات 174 عام 1992، و1356 عام 2001، و1630 عام 2005، و1676 عام 2006.
ولم تتمكن أي من "عملية الأمم المتحدة الأولى في الصومال"، عام 1992، أو "عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال" - التي انتهت عام 1995 - من تشكيل سلطة وطنية أو إرساء السلام أو حتى القضاء على الجوع. وفي ديسمبر 2006، قرر مجلس الأمن رفع حظر الأسلحة المفروض على الصومال، كما وافق على تشكيل بعثة حماية وتدريب تشمل ثمانية آلاف جندي. وفي فبراير 2007، شرع المجلس وجود تلك القوات من خلال قرار 1725 الذي شكل بداية إرسال بعثة "سلام" إلى الصومال.
ولم يتوانَ الاتحاد الأوروبي في تقديم "مساندته" للدول الإفريقية، فمن الجدير بالذكر أنه قام في مارس 1993 بإرسال بعثة موازية للصومال أُطلق عليها اسم "فولغور"، والتي لم تسفر سوى عن نتائج ضئيلة.
وقد يكون من الأهمية تقديم سرد موجز لنشاط الاتحاد الأوروبي في القارة: ففي عام 1997، أقر المجلس الذي تم انعقاده في أمستردام دعم نشاط صيد الأسماك والمساعدة التقنية، فضلاً عن إعانات مالية للصناعة التحويلية، كما قدم بندًا في اتفاقية "كوتونو" يهدف للحيلولة دون وقوع النزاعات، حيث يقضي بمنع تزويد مناطق النزاع بالأسلحة وتحقيق تعاون أوثق بين المنظمات غير الحكومية والسلطات العامة من أجل تبادل المعلومات، وفي ذلك الصدد بدا المفوض الأوروبي آنذاك "بينيرو" مؤيدًا لضم إجراءات منع النزاعات المسلحة لسياسة التعاون من أجل التنمية، الأمر الذي يعني توقف التعاون على السلوك الحكومي للدول.
وفي أكتوبر 2006، قدم البيان 1307 للمفوضية الأوروبية استراتيجية تتعلق بإفريقيا، حيث شدد على العلاقة المتبادلة بين الأمن والتنمية وبين السلام والقضاء على الفقر في المنطقة، حيث اقترح في هذا الإطار تشكيل اتحاد سياسي إقليمي... ويقودنا ذلك البيان المطول إلى النقطة الأهم: "يمثل استقرار القرن الإفريقي عاملاً رئيسًا بالنسبة للأمن الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، حيث تعد الحركات عبر الحدود (الهجرة غير القانونية وتجارة الأسلحة والمخدرات وتدفق اللاجئين) بمنزلة عوامل تسهم في زيادة عدم الاستقرار والتوترات التي قد تصل إلى الاتحاد الأوروبي"... كما يوضح البيان أن الاتحاد الأوروبي كان دومًا الشريك الدولي الرئيس للمنطقة, وبالتالي فقد تتزايد مصالحه الاقتصادية بزيادة إمدادات الطاقة ونمو المنطقة وإدارتها بشكل ملائم.
ولم يأتِ عبثًا ما توصلت إليه نتائج الاتصال: تعزيز الحوار والتنسيق بشأن القرن الإفريقي مع الولايات المتحدة والنرويج واليابان وروسيا والصين، فضلاً عن إقامة حوار بناء مع الأمم المتحدة والوكالات ذات الصلة. وسوف تتراوح الفترة المرتقب تطبيق استراتيجيات جديدة خلالها بين عامي 2008 و2013. وتتمتع الحكومة الصومالية الانتقالية، التي تتخذ من مقديشو مقرًا لها، منذ عام 2000 "بدعم" الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية.
وتعد إفريقيا أكثر قارة تعرضت للسلب خلال حقبة زمنية طويلة. ويحق للعديد من الدول المعرضة اليوم للتدخلات - تحت ذريعة تهدئة الوضع بها أو تنميتها - أن ترتاب في حقيقة الوجود الأجنبي بها. وهكذا تصل أوروبا إفريقيا من جديد دون سفن شراعية أو حربية ولكن في سرايا طائرات أنيقة، من أجل الحيلولة دون الهجرة اليائسة لدولها، أو من أجل الإسهام في مهام "السلام"، التي تمتد الآن للمناطق التي قد يتمركز بها "إرهابيو العصر الحالي".
وتعد النظرة للماضي الصومالي مظلمة، إلا أن النظرة لمستقبله ليست أفضل حالاً، فقد يعملون جميعًا - منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بدلاً من مساعدته - على زيادة الفوضى التي يشهدها منذ أن وطأت أقدام الأوروبيين أرضه لأول مرة، حيث ينصب الاهتمام الأكبر للاتحاد الأوروبي على الصومال. وقد تُخطئ المقارنات التاريخية، إلا أنه تجدر الإشارة إلى عبارة ترجع للعصر القديم: "وصل البرابرة!" فهل أولئك هم من يريدون حقًا إعادة الوحدة والسلام للصومال؟!