تحالف الاحتلال بأفغانستان ينهار

بقلم كارين دي يونج محررة "واشنطن بوست"
ترجمة أحمد أبو عطاء
مفكرة الاسلام: أماط مسئولون أمريكيون اللثام عن الخلفيات والملابسات التي تقف وراء الخطوة المهمة التي تم الإعلان عنها قبل أيام من قبل وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون والمتعلقة بإرسال 3200 من جنود المارينز الإضافيين إلى جنوب أفغانستان المشتعل بمقاومة قوية من جانب حركة المقاومة الإسلامية الأفغانية طالبان.
وحول هذا الموضوع كتبت كارين دي يونج محررة صحيفة واشنطن بوست تقول: إن هذه الخطة الأمريكية الجديدة تعكس قناعة لدى وزارة الدفاع بأنها طالما عجزت حتى الآن في تحفيز الدول الحليفة لواشنطن في حلف شمال الأطلسي الناتو للدفع بمزيد من قواتها في المنطقة المتوترة جنوب أفغانستان، فبإمكانها إحراج هذه الدول على المسرح الدولي من خلال إرسال قوات أمريكية إضافية.
| بعد أكثر من ست سنوات من الحرب التي خاضها التحالف في أفغانستان، تجد منظمة حلف شمال الأطلسي قواتها في حالة من الإنهاك والإجهاد والتوتر على كافة الأصعدة.. |
لكن ردّ الفعل الفوري لهذه الدول الحليفة لأمريكا والتي تقاتل بجانب القوات الأمريكية في أفغانستان كان يتمثل في الارتياح والإعراب عن الترحيب بأن واشنطن أدركت أنها يجب عليها القيام بجهدها الخاص لإنقاذ الوضع المتدهور في أفغانستان.
واستعرضت كارين طبيعة الأجواء التي تعاني منها قوات الاحتلال العاملة تحت قيادة الناتو في أفغانستان فقالت: "بعد أكثر من ست سنوات من الحرب التي خاضها التحالف في أفغانستان، تجد منظمة حلف شمال الأطلسي قواتها في حالة من الإنهاك والإجهاد والتوتر على كافة الأصعدة، خاصة مع عدم القدرة على تحديد مستويات القوات وطبيعة المهام التي تناط بها ومهام إعادة البناء وجهود مكافحة المخدرات والاستراتيجيات المتبعة في التصدي لطالبان".
وأضافت: "بحسب ما يراه عدد كبير من مسئولي الولايات المتحدة ومسئولي منظمة الناتو فإن الإصابات والخسائر في صفوف قوات التحالف تتصاعد بشكل خطير وذلك في وقت تتكثف فيه الضغوط المحلية على الحكومات الداعمة لأمريكا في أفغانستان مع وجود قناعة بأن الحرب في هذا البلد لا تحرز تقدمًا".
وبينما كانت واشنطن تدعو وتلح على حلفائها في الناتو منذ مدة طويلة لإرسال قوات أكثر، كانت هناك بعض الدول تنخرط في معارك قتالية دامية في جنوب أفغانستان وتتكبد الخسائر تلو الخسائر خلال المواجهات مع مقاتلي طالبان.
ورغم أن أمريكا تشارك بأكثر من نصف القوات الأجنبية التي تحتل أفغانستان حاليًا وقوامها 54 ألف جندي إلا أن الواقع يشهد بأن البريطانيين والكنديين والهولنديين هم الذين يقع عليهم العبء الأكبر في التصدي لمقاومة طالبان في جنوب أفغانستان الملتهب.
وقال مسئول كندي تعليقًا على مشاركة بلاده بألفين وخمسمائة جندي في احتلال محافظة قندهار جنوب أفغانستان: "نحن نشارك بعشر القوات العاملة هنا والواقع أننا نخوض عمليات قتالية أكبر بكثير مما تخوض القوات الأمريكية، ومعدل الوفيات في صفوف قواتنا كبير جدًا بالنسبة إلى حجم المشاركة وهو معدل يزيد عن معدل قتل القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان".
| ورغم أن أمريكا تشارك بأكثر من نصف القوات الأجنبية التي تحتل أفغانستان حاليًا وقوامها 54 ألف جندي إلا أن الواقع يشهد بأن البريطانيين والكنديين والهولنديين هم الذين يقع عليهم العبء الأكبر في التصدي لمقاومة طالبان في جنوب أفغانستان الملتهب.. |
من ناحيتهم يشكو البريطانيون من أنّ المنطقة الشرقية بأفغانستان، التي تتمركز فيها غالبية القوات الأمريكية تتسم بأنها أكثر هدوءًا من المناطق الجنوبية وخاصة محافظة هيلمند التي تنتشر فيها قوات الاحتلال البريطانية وتشهد مقاومة متنامية لحركة طالبان، وكان الردّ الأمريكي على ذلك لا يعدو مجرد الإشارة إلى أن طبيعة القوات البريطانية وانخراطها في العراق وأفغانستان بالإضافة إلى طبيعة المهارات التي تمتلكها القوات الأمريكية هو الذي فرض هذا الوضع.
وأشارت محررة واشنطن بوست إلى أن منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو شهدت انقسامًا منذ فترة طويلة بين الدول التي تشارك في القتال الحقيقي في أفغانستان والدول التي لم ترسل قواتها إلا بعد أن وضعت ضوابط وحدود لنشاطاتها في هذا البلد بحيث أصبحت مهام قواتها غير قتالية بالمرة.
والآن، وبينما بدأت الولايات المتّحدة تقلل من تركيزها العسكري نسبيًا في العراق أعربت العديد من دول الناتو عن رغبتها في أن تكون واشنطن عازمة على تفعيل وتعزيز دورها القتالي في أفغانستان.
وعندما زار وزير الخارجية الكندي ماكسيم بيرنير واشنطن في وقت متأخّر من الشهر الماضي، أخبر وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بأن مهمة قوات بلاده في أفغانستان تنتهي في يناير عام 2009، وأشار إلى أن غالبية الشعب الكندي تعارض استمرار الدور القتالي، واعترف بأن بلاده قد لا تستطيع بالفعل تمديد أدائها لهذا الدور في أفغانستان.
وطبقًَا لمسئولين أمريكيين وكنديين رفيعي المستوى فقد كانت رسالة بيرنير لواشنطن محددة ومفادها أنه لو أقدمت واشنطن على تعزيز دورها القتالي في جنوب أفغانستان في الفترة القادمة فإن ذلك قد يكون عاملاً مساعدًا لحكومة المحافظين في أوتاوا على محاولة تمديد مهامها في هذه المنطقة المتوترة.
وقال المسئول الكندي: "نحن لا نتوقّع التزامًا سريعًا من جانب الأمريكيين بحيث يحولون نظرهم بين يوم وليلة من العراق إلى أفغانستان، لكن هذا الهدف ملح وضروري ويثير اهتمام كندا وبقية الحلفاء في الناتو".
وبحسب استطلاعات الرأي، فإن الكنديين يشعرون بأنّهم تركوا وحدهم في مواجهة الموت جنوب أفغانستان، الأمر الذي اضطر معه رئيس الوزراء ستيفن هاربر إلى تشكيل لجنة مستقلة في الخريف الماضي لدراسة الخيارات المتاحة أمام بلاده فيما يتعلق بمواصلة المهمة في أفغانستان ومن بينها إعادة نشر قوات الاحتلال الكندية في مناطق أكثر هدوءًا أو الانسحاب الكامل بحلول يناير 2009.
| الكنديين يشعرون بأنّهم تركوا وحدهم في مواجهة الموت جنوب أفغانستان.. |
وأشارت محررة واشنطن بوست إلى أنه ومع الهجوم الربيعي المنتظر لحركة طالبان ضد قوات الاحتلال الأجنبية فإن قوات المارينز الأمريكية الإضافية ستنتشر في منطقة هيلمند وكذلك في قندهار لمؤازرة كل من القوات البريطانية والقوات الكندية.
وكانت الفترة الأخيرة قد شهدت تقليلاً للضغط على الحلفاء من جانب الرّئيس جورج بوش ووزير الدفاع روبرت جيتس، فعندما زارت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركيل بوش في مزرعته في تكساس في نوفمبر، أخبرته بأن أي تغيير في مهمة ألمانيا بأفغانستان بحيث يتم نقل القوات الألمانية من المنطقة الشمالية الهادئة نسبيًا إلى أي مكان مضطرب آخر فذلك سوف يشكل كارثة سياسية لحكومتها.
وقال مسئول ألماني: "لم يكن هذا الموقف مجرد عذر بل كان يعبر عن الحقيقة والمشهد السياسي الداخلي في ألمانيا، ولقد عادت ميركيل من هذه الزيارة بامتداح بوش للجهود التي تبذلها برلين في أفغانستان وبوعد بتخفيف الضغوط الأمريكية بهذا الصدد".
ورغم أن جيتس خلال اجتماعه مع وزراء الدفاع لدول منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو في وقت متأخّر من السنة الماضية قال: إن واشنطن لا تنوي ترك حلفاءها وحدهم في مواجهة الخطر بأفغانستان، إلا أنه واصل مطالبته لدول الناتو بإرسال 7500 جندي إضافي في جنوب أفغانستان.
| الولايات المتّحدة ركزت في العراق أكثر من أفغانستان وخصصت مبالغ أكبر للعراق على حساب النفقات المطلوبة لدعم المهام في أفغانستان.. |
وقال جيف موريل الناطق باسم وزرة الدفاع الأمريكية: "في الوقت الذي نريد فيه بالفعل أن نسد ثغرات موجودة في أفغانستان، نتوقّع من حلفائنا أن يتخذوا خطوات مشابهة لمواصلة المعركة".
ويعتقد العديد من الأوربيين أن الولايات المتّحدة ركزت في العراق أكثر من أفغانستان وخصصت مبالغ أكبر للعراق على حساب النفقات المطلوبة لدعم المهام في أفغانستان، لكن المسئولين الأمريكيين يقولون: إن مشاكل بلدان منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان لها جذور أهمها أن تلك البلدان ترفض الاستثمار بالشكل الكافي لتقوية جيوشها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ويرى المسئولون الأمريكيون أن كندا في أمس الحاجة إلى الجسر الجوي الأمريكي من أجل نقل تجهيزاتها العسكرية وقواتها إلى أفغانستان خاصة في ظل الحديث عن نقل المروحيات الثقيلة، لكن الكنديين على الجانب المقابل يريدون من واشنطن ما هو أكثر من ذلك ويؤكدون أن الجهود العسكرية الأمريكية في جنوب أفغانستان لا يمكن الاستغناء عنها.
أما فيما يتعلق بالعلاقات بين أمريكا وبريطانيا بخصوص هذه المسألة فإن القوات الأمريكية والبريطانية دأبتا على تبادل الاتهامات بشأن الاستراتيجيات التي تتبعها كل جهة في العراق وأفغانستان، ففي العراق حاول البريطانيون مضاعفة جهودهم في جنوب العراق وانتقدوا فشل الاستراتيجيات الأمريكية في شمال العراق، لكن نظراءهم الأمريكيين أكدوا أن القوات البريطانية فشلت في قمع العنف الطائفي الذي استمر جنوب العراق.
وقد ظهرت نفس التوتّرات بين الجانبين في أفغانستان، حيث انتقد المسئولون الأمريكيون عدم قدرة البريطانيين على الاحتفاظ بالسيطرة على المناطق التي كانت قد استعيدت من حركة طالبان.
وتفجر هذا الخلاف بشكل كبير السنة الماضية عندما انسحبت القوّات البريطانية من موسى قلعة بعد اتفاق مع الزعماء العشائريين المحليين الذين سرعان ما أعادوا السيطرة في هذه البلدة إلى طالبان ذات النفوذ الشعبي الجارف.
| وقال قائد عسكري أمريكي: "لقد أصبحنا نعتقد أن الجيش البريطاني بكامله أضعف من سلاح مشاة البحرية الأمريكية وحده". |
وترى الولايات المتحدة أن بريطانيا ـ صاحبة أعلى انتشار عسكري في جميع أنحاء العالم بعد أمريكا ـ غير قادرة على الإمساك بالمناطق التي يتم انتزاعها من طالبان، كما أنها تفشل في جهود التطوير وإعادة البناء الذي يأمل المحتل في أن يساهم بإعادة المكاسب العسكرية التي تتحقق.
وقال قائد عسكري أمريكي: "لقد أصبحنا نعتقد أن الجيش البريطاني بكامله أضعف من سلاح مشاة البحرية الأمريكية وحده".
وبعد 10 شهور من سيطرة طالبان على موسى قلعة استعادة قوات الاحتلال الأجنبية بما فيها القوات الأمريكية والبريطانية هذه البلدة في معارك جرت في ديسمبر الماضي.
ويأمل الطرفان في أن يكون الدفع بقوات المارينز الأمريكية الإضافية في جنوب أفغانستان وسيلة لاستعادة الثقة بين لندن وواشنطن في أفغانستان، حيث قال مسئول بريطاني: "بغض النظر عن كل الاتهامات المتبادلة بين البلدين في الماضي نحن نعتقد أن الوقت قد حان لنكون معًا في نفس الخندق فعلاً".
وأضاف المسئول البريطاني: "الآن يثار السؤال الأكثر أهمية هل بإمكاننا أن نبدأ تعاونًا مثمرًا بالفعل وهل يمكن أن يتحقق التنسيق المأمول في كموسى قلعة والمناطق الأخرى بأفغانستان".
ويتمنّى المسئولون البريطانيون أن يكون الانتشار الجديد لقوات المارينز الإضافية عنصرًا مساعدًا على تسهيل جهود تطوير قوات الأمن الأفغانية، باعتبار أن هذه القضية تمثل واحدة من أكثر المشكلات التي تواجه الاحتلال البريطاني في هيلمند.