غزة القنبلة الموقوتة

بقلم روبرت ماليه. صحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون"
ترجمة أحمد أبو عطاء
مفكرة الإسلام : باتت الأوضاع في قطاع غزة بسبب التصعيد الصهيوني الأخير على وشك الانفجار ويراها العديد من المراقبين والمحللين بمثابة استعداد لاندلاع حرب عربية إسرائيلية قادمة، وذلك في ظل معاناة القطاع من ارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفقر ونقص المواد الطبية والوقود والكهرباء والغذاء والسلع الضرورية الأخرى.
وحول هذا الموضوع كتب روبرت ماليه محرر صحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون" مقاله ليشير إلى ما شهدته الأسابيع القليلة الماضية من استمرار المجموعات الفلسطينيّة المقاومة في مواصلة عمليات إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على الكيان الصهيوني نتيجة تواصل العدوان الذي يشنه جيش الاحتلال ضد كل ما هو فلسطيني لاسيما الضربات الجوية العنيفة التي أسقطت العديد من الشهداء من بينهم نجل محمود الزهار القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية.
أوضح مسئولو حماس في غزة أنّهم قد يوافقون على وقف متبادل لإطلاق النار وأن توقف الحركة إطلاق الصواريخ شريطة أن يوقف الكيان الصهيوني عدوانه وجرائمه المستمرة ويفتح معابر غزة.. |
وقال روبرت ماليه: إن الأوضاع بلغت حالة من الانفجار أدركها كلا الجانبين الفلسطيني والصهيوني، فمن ناحية تدعي حكومة الكيان الصهيوني أنها لا يمكنها الوقوف أمام ترسانة حركة حماس من الأسلحة والتي تنمو باستمرار والهجمات الصاروخية المتواصلة ضد المدن الصهيونية، في الوقت الذي ترى فيه حماس أن دماء أبنائها تسفك كل يوم بدون أن يرتدع جيش الاحتلال الصهيوني أو يوقف عدوانه.
وخلال الأسابيع الماضية، أوضح مسئولو حماس في غزة أنّهم قد يوافقون على وقف متبادل لإطلاق النار وأن توقف الحركة إطلاق الصواريخ شريطة أن يوقف الكيان الصهيوني عدوانه وجرائمه المستمرة ويفتح معابر غزة.
ولفت كاتب المقال إلى أنه ومنذ أن سيطرت حركة حماس على غزة في يونيو الماضي وازدادت حالة الانشقاق بين الإسلاميين الفلسطينيين من جهة ورئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض من جهة أخرى، معربًا عن قناعته بأن حماس كان هدفها تقوية قبضتها على غزة وإعادة ترتيب الوضع الأمني وضبط القانون وإثبات القدرة على الحكم وإدارة دفة شئون الفلسطينيين.
وقال روبرت ماليه: إنه على الجانب المقابل فقد بدا المسئولون الحكوميون الصهاينة منقسمين على بعضهم البعض، فهم لا يريدون أن يعيدوا اقتحام الأراضي التي كانوا قد انسحبوا منها مؤخرًا خاصة في ظل أن مخاطر القيام بعملية برية موسعة معروفة للجميع، ولا يمكن ضمان أن مثل هذا العمل العسكري الشامل سيوقف إطلاق السواريخ من غزة.
لكن المسئولين الصهاينة يخشون من أن يكون إبرام هدنة مع حركة حماس وتخفيف الحصار المفروض على غزة وسيلة تعزز بها حماس قوتها ونفوذها في غزة وإضعاف سلطة الرئيس أبو مازن الذي قد يجد نفسه تحت ضغط شديد للمصالحة مع حماس، مما يهدد ما تعتبره تل أبيب عملية السلام بالخطر لاسيما في أعقاب مؤتمر أنابوليس.
وألمح كاتب المقال كذلك إلى أن الحكومة الصهيونية تتخوف من أن يؤدي إيقاف العمليات العسكرية في غزة إلى إعطاء حماس الحريّة التامّة لتحسين قدراتها العسكرية.
الحكومة الصهيونية تتخوف من أن يؤدي إيقاف العمليات العسكرية في غزة إلى إعطاء حماس الحريّة التامّة لتحسين قدراتها العسكرية.. |
وقال ماليه: إن فكرة وقف إطلاق النار تبدو مضادة للنظيرة التي يتبناها الكيان الصهيوني في الوقت الحالي لكن هذه النظيرة في الأساس تتنافى مع قواعد المنطق نفسه، فأهالي غزة ذاتهم يمتنون لحركة حماس لأنها أعادت الأمن والنظام وحكم القانون في أرضهم وحسنت الوضع الذي كان متدهورًا بشدة.
ورغم المصاعب والمشاق الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها أهالي غزة بسبب الحصار الخانق إلا أن كل الجهود الرامية لإضعاف حماس لم تصب بالضرورة في صالح حركة فتح ورئاسة السلطة الفلسطينية، فرغم أن بعض أهالي غزة يلومون حماس على استمرار الحصار إلا أنهم يحملون في الأساس الكيان الصهيوني المسئولية لفرض الحصار والعرب لدعم هذه الجريمة وكذلك حركة فتح لقبول ما يجري والتسليم به.
وأضاف روبرت ماليه أنه لم يعد هناك أي مؤشر على الساحة يمكن أن يوحي بأن قبضة حركة حماس على غزة تخف، واتضح أن العقاب الاقتصادي إنما يضر بالمواطنين الفلسطينيين العاديين في غزة ولا يلحق ضررًا بحماس نفسها، فقد استطاعت الحركة تمويل نفسها وركزت على إدانة الحصار الذي ينهك الشعب الفلسطيني، خاصة وقد تمكنت العديد من الأنظمة والحكومات على مر السنين من الاستمرار في أوضاع أشد صعوبة من تلك.
أما بالنسبة إلى تأثير وقف إطلاق النار على سلطة الرئيس محمود عباس وما خلص إليه مؤتمر أنابوليس من نتائج فقد أصبح من الجلي أن استمرار الحصار وازدياد الضغط على حماس لن يدفع الإسلاميين الفلسطينيين إلا لمزيد من الرغبة في التصعيد ضد الكيان الصهيوني.
على تل أبيب أن تضمن وجود دور قوي للقاهرة في مراقبة الأوضاع والترتيبات داخل غزة على أمل أن يسهم ذلك في تقليل تدفق الأسلحة عبر الحدود المصرية.. |
واعتبر كاتب المقال أن حكومة الكيان الصهيوني لن تجد نفسها قادرة على موالاة التفاوض مع الرئيس أبو مازن في ظل تعرض مواطنيها للهجمات المستمرة من قطاع غزة، وفي نفس الوقت لن يجد عباس القدرة أو الدفعة التي تمكنه من مواصلة التفاوض بينما تستمر سلطات الاحتلال في تضييقها على قطاع غزة، والخلاصة أن التهديد الخطير المحدق بفرص إحراز تقدم على الصعيد الدبلوماسي لا ينبع فقط من أن تجد حماس نفسها في وضع لا تستطيع أن تحرز فيه أية مكاسب وإنما عندما تجد حماس نفسها في وضع لا يمكنها أن تجد شيئًا تخاف عليه أو تخشى من خسارته.
وأعرب كاتب المقال عن قناعته بأن الكيان الصهيوني يجب ألا ينساق إلى وقف عام لإطلاق النار مع حماس، على اعتبار أن حركة حماس قد تواصل تعزيز قواتها وتسلحها، ورأى روبرت ماليه أن أي اتفاق بهذا الخصوص يجب أن يكون مصحوبًا بخطوط حمراء من جانب تل أبيب تضمن وجود دور قوي للقاهرة في مراقبة الأوضاع والترتيبات داخل غزة على أمل أن يسهم ذلك في تقليل تدفق الأسلحة عبر الحدود المصرية.
وفي المحادثات بين الجانب الصهيوني وزعماء حماس، اتضح أن المجابهة العسكرية الشاملة ليست خيارًا يريده أي من الطرفين، لكن تداعيات الأحداث فيما بعد ذلك أشارت إلى احتمال أن تأتي هذه النهاية وبشكل أسرع من المتوقع، مع توقعات بأن تكون الخسائر في الأرواح فادحة لأن أهالي غزة مشحونون برصيد من المرارة والكبت والإحباط بسبب إفلاس عملية السلام.
أما مع مراعاة البعد الإنساني وحده فإن احتمالات إحراز اتفاق لوقف إطلاق النار قد يساهم في رفع المعاناة والعقاب الجماعي على سكان غزة، وفي هذه الحالة يتبين أن هذا هو التحرك الصحيح الذي من الممكن القيام به.