كيف يمكن إعادة فتح لقطاع غزة... رؤية صهيونية ( 1)

أحمد الغريب
مفكرة الإسلام : ما لم تنجح الآلة العسكرية الصهيونية في القيام به خلال الحرب الأخيرة على غزة من القضاء على حركة حماس، يجب أن يتم بأي طريقة كانت وليس هناك خيار آخر أمام الكيان الصهيوني سوى العودة لتبني خيار دعم فتح والسلطة الفلسطينية من أجل إنهاء سيطرة حماس على قطاع غزة، وهو الأمر الذي كان مسار بحث دقيق ومفصل لتقديم خارطة طريق صهيونية تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل قيام حماس بالسيطرة عسكريًا على القطاع، وكشف هذا الاتجاه التصريح الأخير الذي أدلى به رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، خلال اللقاء الذي أجراه مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جورج ميتشل، وشدد خلاله على أهمية عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة الذي طردتها منه حركة حماس عام 2007م، وكذلك تأكيد مسئول صهيوني بارز على أنه بات من الضروري بعد العملية التي قام بها الكيان الصهيوني في قطاع غزة أن تتقلص سلطة حركة حماس وأن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على ترسيخ قدميها من جديد" في قطاع غزة"، على حد قوله.
وفي سياق الدراسات الصهيونية التي تناولت تلك القضية؛ الدراسة الخاصة التي أعدها كل من دان ديكر وخالد أبو طعمة، وأصدرها المركز القدسي للعلاقات العامة حول إمكانية عودة حركة فتح الفلسطينية للسيطرة مرة أخرى على قطاع غزة في أعقاب الحرب الصهيونية الأخيرة على القطاع، والتي أضعفت من قوة حركة حماس المسيطرة على الأوضاع هناك منذ شهر يوليو 2007، وتطرقت لبحث السبل الكفيلة لإعادة حركة فتح والعقبات التي تواجه تلك الإمكانية وكذلك بحث فرص نجاحها من عدمه.
مقدمة
في البداية استعرض كاتبا الدراسة السبب الذي دعاهما إلى كتابتها وهو تأثر الأوضاع داخل قطاع غزة بالحرب التي خاضها الجيش الصهيوني ضد حركة حماس، الأمر الذي انعكس كثيرًا على فرص احتمالات عودة حركة فتح إلى قطاع غزة من جديد، ونوها إلى أن كافة المحاولات التي قامت بها الولايات المتحدة خلال الفترة التي سبقت الحرب الصهيونية على غزة لإعادة فتح للسيطرة على غزة عبر تقديم الاستعدادات اللازمة من أموال وعتاد عسكري للأجهزة الأمنية الفلسطينية، كانت قد فشلت فشلاً ذريعًا، وكذلك الجهود التي قامت بها حركة فتح ذاتها في هذا الصدد قد باءت هي الأخرى بالفشل، وذلك بالإشارة إلى ما تقوم به فتح الآن التي اتضح أنها وبعد كل ما تقدم، تقوم بحماية عناصر الفصائل الفلسطينية المسلحة ومنحهم الملاذ الآمن، والأكثر من هذا قيام وزارة الداخلية في السلطة الفلسطينية بدفع رواتب شهرية لعناصر حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وكذلك أفراد كتائب شهداء الأقصى، وذلك خلافًا لما تعهدت به فتح.
ثم تطرقت الدراسة للحديث عن إمكانية العودة لحل دعم أجهزة فتح الأمنية من أجل استعادة السيطرة على قطاع غزة، لكنها نوهت إلى أن تلك الأجهزة الفتحاوية تبقى قليلة الخبرة والكفاءة، حتى بعد أن تلقت ما تلقته من تدريبات وتجهيزات بهدف رفع قدراتها من قبل مسئولي أجهزة الأمن الأمريكية والأردنية، وذكرت أن تلك القوات لازالت حتى الآن في مهدها وأمامها نحو عام ونصف العام من أجل أن يكون لديها القدرة على التحرك لتنفيذ خطة تعيد بها السيطرة من جديد على القطاع، مشيرة إلى أن العنصرين الرئيسين في مسألة الخلل الموجود في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، هما قلة عناصرها حيث لا يتعدى عدد أفرادها نحو 1500 عنصر، وكذلك عدم وجود هيكل تنظيمي واضح يحدد شكل القيادة المركزية لتلك الأجهزة.
وتحدث كاتبا الدراسة عن أن هناك اعتقادًا يسود الآن بشأن دور السلطة الفلسطينية برام الله في تكدير صفو الحياة في قطاع غزة، وذلك عبر تشجيع موظفي الخدمة المدنية في القطاع على البقاء في منازلهم ومنعهم من العمل مع سلطة حركة حماس، لكن وعلى الجهة الأخرى المقابلة تقوم السلطة الفلسطينية ورئيس حكومة رام الله الدكتور سلام فياض بدفع رواتب شهرية تتراوح بين 6000 و12000 شيكل صهيوني لأفراد القوة التنفيذية التابعة لحماس في قطاع غزة، وذلك وفقًا لما نص عليه اتفاق الوحدة الوطنية الموقع بين حركتي حماس وفتح في عام 2007.
وأشارت الدراسة إلى أن الحرب الأخيرة على غزة منحت الفرصة مرة أخرى لإعادة الاعتبار لبعض الأشخاص وعلى رأسهم محمد دحلان والذي شغل في السابق منصب وزير الشئون المدنية في السلطة الفلسطينية، لكن وبعد تمكن قوات حركة حماس من بسط سيطرتها ونفوذها على القطاع في يونيو 2007، تم إقصاؤه وإبعاده خارج غزة، إلا أن تلك الحرب جعلت من دحلان الشخص الأوفر حظًا لتولي مسئولية قوات الأمن التابعة لحركة فتح، خاصة فيما يتعلق بتأمين المعابر الواصلة بين قطاع غزة ومصر والكيان الصهيوني.
ونوهت الدراسة إلى أن الوثائق الرسمية الفلسطينية كشفت النقاب عن أن دحلان تورط في عمليات كسب غير مشروع، خاصة في عمليات بيع السجائر والأسمنت وتحصيل رسوم العبور غير المشروع، وتقدر ثروته الشخصية التي جمعها عبر تلك الطرق بما يزيد عن 120 مليون دولار.
ويصل كاتبا الدراسة إلى أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تمتنع عن الإغراءات التي أمامها المتمثلة في العودة إلى الاعتماد على حركة فتح من جديد ومساعدتها في السيطرة على قطاع غزة، واعتبارها الملاذ الوحيد لاستعادة الأمن والإعمار من الباطن داخل القطاع، وقدما توصية إلى الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما بأنه ومن أجل تحقيق إنجاز مهم في إعادة ضبط الأمور داخل القطاع فإن الأمر يلزمه القيام بعدة أمور من أجل تنظيف البيت الفلسطيني الداخلي وعلى رأس تلك الأمور، منع المليشيات المسلحة وحظر نشاطها وإيجاد نظام حكم رشيد ووجود أجهزة رقابية فعالة، وعدم التواني في مسألة كبار المسئولين ونشر الشفافية الكاملة وعدم التسامح مطلقًا مع الفساد وإحكام القبضة على العصابات التي تستغل الظروف من أجل تحقيق مصالحها الشخصية، ومكافحة الإرهاب المستشري داخل السلطة الوطنية الفلسطينية.
أولاً: مستقبل الأوضاع في غزة بعد الحرب
تحدث كاتبا الدراسة بالتفصيل عن رؤيتهما المشتركة لمستقبل الأوضاع في قطاع غزة بعد الحرب الصهيونية على القطاع، في إشارة إلى أن الحرب وبعد ثلاثة أسابيع من القتال، أتاحت الفرصة من جديد أمام العودة المحتملة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركة فتح إلى قطاع غزة لتحل محل نظام حركة حماس، ونوهت إلى أن الصهاينة والأمريكيين وسائر القوى الأوروبية الكبرى وكذلك المصريين يؤيدون عودة قوات عباس لاستعادة السيطرة ليس فقط على الحدود بين قطاع غزة والمعابر ولكن أيضًا على كامل قطاع غزة، إلا أن إمكانية عودة فتح أمر يبقى مستعصيًا ويواجهه الكثير من العقبات.
وعاد كاتبا الدراسة للتأكيد على أن ما قامت به الولايات المتحدة في الماضي وتقديمها التمويل اللازم من أجل تسليح قوات الأمن التابعة لفتح في غزة قد فشلت فشلاً تامًا، وذلك كنتيجة مباشرة لاستشراء الفساد داخل السلطة الفلسطينية وهو الأمر الذي أفضى عنه في النهاية تمكن حماس من إحكام قبضتها على القطاع عبر دعم إيراني تمثل في تقديم المساعدات المالية والعسكرية والتدريب والتوجيه من أجل الإعلان عن إقامة إمارة إسلامية داخل القطاع.
ونبها إلى أن الفرضيات القائلة بإمكانية إعادة فتح إلى غزة، تبدو غير واقعية في الوقت الراهن، في إشارة إلي عدم تهيؤ قوات فتح لإمكانية السيطرة من جديد، نظرًا لتواضع القوات وعدم تدريبها جيدًا على مكافحة الإرهاب واستئصاله، وانحصار دورها وقدراتها على مكافحة الجريمة وفرض النظام العام، وزد على هذا ما كشف النقاب عنه مؤخرًا بشأن منح السلطة الفلسطينية ملاذًا آمنًا لعناصر من الفصائل الفلسطينية المسلحة، وهو ما كشفه العميد راضي السيد أحد مسئولي قوات الأمن الوطني في منطقة جنين من معلومات، وأكد فيها أن السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء سلام فياض وافقا على توفير الحماية لأربعة من كبار القادة الفلسطينيين، من تنظيم الجهاد الإسلامي، وتلقي عناصرها رواتب شهرية من وزارة الداخلية في السلطة الفلسطينية مثلهم مثل زملائهم في كتائب شهداء الأقصى، علاوة على ذلك، فإن الآلاف من قوات الأمن التابعة لفتح في غزة والضفة الغربية لا تدين بالولاء الكامل لعباس وفياض، وكذلك فإن أجهزة الأمن الفلسطينية تعاني الآن من التراخي والكسل، لكنها ما زالت سليمة ولكنها أقل نشاطًا، فيما يظل بعض قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية مسئولين عن تشغيل وعمل المليشيات المحلية المنتشرة في سائر أرجاء الأراضي الفلسطينية، والتي تمتهن الإجرام حرفة لها، وهو الأمر الذي يزيد من تقويض ثقة أبناء الشعب الفلسطيني فيها.
ثم أشار كاتبا الدراسة إلى أنه وفي أعقاب الحرب على قطاع غزة لازالت قوات الأمن التابعة لفتح تواجه معارضة شديدة من قبل حماس وغيرها من الجماعات الجهادية، ونوها إلى أن الذراع العسكري لحركة حماس لازال يتمتع بالحضور الشعبي من قبل غالبية الشعب الفلسطيني، خاصة أولئك الذين يعيشون داخل القطاع، وذلك على الرغم من حالة الغضب الشعبي العارمة بسبب الحرب، ولهذا فإن فتح ستتعرض لضغوط شديدة إذا ما أقدمت على تنفيذ محاولة تسعى من خلالها لاستعادة القطاع، وذلك على ضوء افتقادها للمصداقية في صفوف الشعب الفلسطيني، لعدم قدرتها على إصلاح الفساد المستشري داخلها والتخلص من رموز الفساد الذين يتولون زمام الأمور في السلطة.
ثانيًا: من يؤيد عودة عباس للسيطرة على غزة؟
وتطرقت الدراسة للحديث بعد ذلك عن أن الحرب التي خاضتها القوات الصهيونية وسعت خلالها لتدمير القوة العسكرية التابعة لحركة حماس في قطاع غزة، والتي انتهت بقرار وقف إطلاق النار تسعى كذلك لإعادة قوات السلطة الفلسطينية إلى القطاع، خاصة وأن لدى المجتمع الدولي النية على وقف عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة، وإعادة السيطرة على المعابر لحركة فتح وتمكينها بعد ذلك من بسط سيطرتها على سائر أرجاء الضفة والقطاع.
ونوهت كذلك إلى أن الرئيس المصري حسني مبارك يدعم هو الآخر وبدوره عودة قوات عباس للسيطرة على المعابر، حيث تسعى مصر جاهدة من أجل إعادة الاتفاق الذي تم إبرامه عام 2005 ورعته حينذاك الولايات المتحدة الأمريكية وعرف باتفاق المعابر، كما أشارت إلى قيام مصر باستضافة القوى الأوروبية الكبرى في شرم الشيخ يوم 18 يناير 2009 مباشرة بعد وقف إطلاق غزة النار، وذلك لمناقشة تدابير أمنية جديدة لوقف تهريب الأسلحة لحماس عبر الحدود بين مصر وقطاع غزة وضمان تدفق المساعدات الإنسانية عبر المعابر.
كما أشارت الدراسة إلى أن مجلس الأمن الدولي أصدر بدوره القرار رقم 1860 والذي دعا صراحة لاستعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على غزة وتنفيذ اتفاق المعابر 2005، وفق الاتفاق المبرم بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وبالفعل قام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن بالتوجه إلى الأمم المتحدة لبحث السبل الكفيلة بدعم السلطة في الضفة الغربية، وتلقى هناك وعودًا من قبل مسئولي الأمم المتحدة بإمكانية إرسال قوات إلى غزة، لكنهم أبقوا ذلك مرهونًا بمدى خلاص الكيان من حماس.
وبحسب الدراسة فإن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس أكدت في خطاب لها أمام مجلس الأمن الدولي على أن تحقيق الاستقرار في قطاع غزة، يتطلب تنفيذ جملة من التحديات السياسية في قطاع غزة، وفي نهاية المطاف يجب أن يعيد الشرعية للسلطة الفلسطينية ويمكنها من السيطرة على كافة المعابر، وهو ما أكدته كذلك التصريحات الصادرة على لسان كل من الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي أكد على هذا خلال الاتصال الهاتفي الأول له مع أبو مازن.
ثالثًا: من يمكن الاعتماد عليه؟
ثم طرح كاتبا الدراسة سؤالاً هامًا وهو: أي من قوات حركة فتح يمكن أن تعتمد عليها واشنطن والقاهرة والكيان من أجل استعادة السيطرة على قطاع غزة؟
وأجابا على ذلك بقولهما: إن حركة حماس تواجه معارضة شديدة من قبل أمريكا ومصر والسعودية والكيان والسلطة الفلسطينية في رام الله، وهو الأمر الذي يعد بمثابة ذريعة قوية من قبلهم لتغيير النظام في القطاع، لكن المجتمع الدولي يعلم جيدًا أنه من السابق لأوانه الحديث عن هذا الموضوع لأن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لا تشكل وحدة متكاملة، وكذلك ينقصها الخبرة والمهنية والانضباط العسكري في إطار منظم له قيادة مركزية، بل حقيقة الأمر تتمثل في أن الأجهزة الأمنية لفتح منقسمة على نفسها إلى عدة جماعات عسكرية مقسمة ما بين الضفة الغربية والقطاع وإصلاحها يتطلب جهودًا فعالة ومضنية.
كما تحدثا على أنه ومنذ التوقيع على اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والكيان فإن حركة فتح عملت على إنشاء العديد من الأجهزة الأمنية والمليشيات العسكرية؛ حيث عمل رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات على جمع الفلسطينيين الذين قرر الكيان إطلاق سراحهم من السجون وذلك لحفظ الأمن، خاصة وأن الأراضي الفلسطينية كانت تفتقر لأي نوع من أجهزة الأمن، إلا أن واقع الأمر يؤكد أن كثيرًا من تلك الأجهزة بعيد عن المهنية، فبعدما تلقت تدريبات وتجهيزات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وقع الانقسام بينها، حيث أصبح قسم منها مواليًا لرئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، ممثلة في قوات الأمن الوطني، فيما بقت قوات حرس الرئاسة واقعة تحت سيطرة رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن.
وأشارت الدراسة إلى أنه ليس بالإمكان الآن الاعتماد على مثل هذه القوات في استعادة القطاع، نظرًا لقلة خبرتها وقلة عددها وعدم وجود رئيس أركان أو قيادة هرمية، خاصة وأن أيًا من القوات التابعة للسلطة لم تثبت قدرتها من ذي قبل أو حتى أبدت أن لديها القدرة على اجتثاث المجموعات المعادية أو تلك التي توصف بأنها خلايا نائمة.
كما أشارت إلى نقطة هامة أخرى تواجهها السلطة الفلسطينية ألا وهي عدم وجود ولاء من قبل ضباط وجنود أجهزة الأمن الفلسطينية لقادتهم، وينبع ذلك من تأثرهم بالثقافة العربية التي تفضل نظام العشيرة والأسرة والمدينة والحي والمجموعة السياسية على الولاء للقيادة العسكرية، كما أن هناك سمة مميزة تميز عمل أجهزة الأمن الفلسطينية وهي قيام الضباط بالاستعانة بأفراد أسراهم وأقاربهم، الأمر الذي يجعل من تلك الأجهزة أقرب للشللية، وهو الأمر الذي يفسر أسباب انهيار حركة فتح من الداخل وعدم وجود القدرة لديها على مواجهة منافسيهم في حركة حماس.
ثم تحدثت الدراسة بشيء من التفصيل عن القوات المنضوية تحت لواء حركة فتح، وأشارت إلى أن تلك القوات يبلغ قوامها نحو عشرة آلاف شخص من عناصر الحركة السابقين والناشطين والذين يدينون بالولاء للأجهزة الأمنية وقادتها، وعلى رأسهم العقيد محمد دحلان الذي شغل في السابق منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، وكذلك عناصر كتائب شهداء الأقصى وأولئك الذين تربطهم علاقات وطيدة مع حركة الجهاد الإسلامي وحماس، وكذلك عصابات الجريمة المنظمة والعشائر الكبرى مثل عشيرة دغموش وسمهدانة، وكذلك بعض الخلايا التابعة لتنظيم القاعدة، وكذلك التنظيمات السلفية مثل جيش أمة الإسلام وفتح الإسلام والكتائب والمليشيات الصغيرة مثل كتائب أبو الريش والتي انفصلت عن حركة فتح بعد أن كان أفرادها يعملون ضمن جهاز الأمن الوقائي.
ونوهت الدراسة إلى أنه وفي أعقاب التوقيع على اتفاق أوسلو، تم إصدار توجيهات من قبل منسق الشئون الأمنية الأمريكي كيث دايتون بحل أربعة عشر جهازًا أمنيًا فلسطينيًا، وتجميد نشاط المليشيات الغير رسمية ومنح أفرادها تعويضات من السلطة الفلسطينية والعفو من الكيان، ودمج بعض أفراد المليشيات في قوات الأمن وذلك تحت إشراف أمريكي، إلا أنه ومع ذلك بقيت بعض المجموعات التي تمتهن الابتزاز، ويكفي القول إنه ومع بداية عام 2009 وصل عدد العاطلين عن العمل من مليشيات حركة فتح إلى عدد تجاوز الآلاف بكثير، خاصة من بين عناصر كتائب شهداء الأقصى والتي يسود اعتقاد بأن لديهم أسلحة يخفونها في منازلهم في الوقت الذي يتقاضون فيه رواتب شهرية من السلطة الفلسطينية بناء على تعليمات مباشرة من عباس وفياض، ونوهت الدراسة إلى أن عباس وفياض يتجنبان الوقوع في صدام مع أفرادها أو القتل على يد أحد عناصرها أو عناصر حركة حماس.
رابعًا: مرحلة غير مسبوقة من العداء بين حماس وفتح:
ثم تطرقت الدراسة للحديث عن حالة الاحتقان والعداء بين حركتي حماس وفتح، وأشارت إلى أن العداء بينهما وصل إلى مرحلة غير مسبوقة، وذلك إلى حد قيام ناصر جمعة عضو المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة نابلس بوصف أتباع حماس بالحشرات، وذلك خلال الأسبوع الأخير من الحرب الصهيونية على قطاع غزة، فيما وصف عضو حركة حماس في المجلس التشريعي صلاح البردويل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بأنه لعب دورًا رئيسًا في عملية اغتيال وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام، عبر تعاون رجاله في القطاع مع الكيان الصهيوني، حيث قاموا بنقل معلومات عن مكان وجوده.
ونوه كاتبا الدراسة إلى أن الأمر الذي يثير الاستغراب ويدعو للدهشة هو قيام حكومة سلام فياض بدفع رواتب شهرية تتراوح بين 6 آلاف و12 ألف شيكل صهيوني لأعضاء القوة التنفيذية التابعة لحركة حماس؛ تنفيذًا لتوصيات اتفاق مكة، وهو الأمر الذي حظي بتجاهل الأوساط الدبلوماسية الغربية، وأشارت كذلك إلى أنه وفى أعقاب طرد حركة فتح من القطاع واصلت دفع رواتب الموظفين في قطاع غزة عبر ما تحصل عليه من مساعدات مالية من قبل الولايات المتحدة والدول المانحة. ويشار في هذا الصدد إلى أن السلطة خصصت لهؤلاء الموظفين نحو 120 مليون دولار، لكن المفارقة هي حصول عناصر حماس على رواتبهم خلال الحرب على غزة من السلطة.
وفيما يتعلق بالحديث عن العقبات والتعقيدات التي تواجه عودة قوات الأمن التابعة لفتح لقطاع غزة، أشار كاتبا الدراسة إلى أنه من بين الأمور التي يجب أن توضع في الاعتبار هي حالة التنافس الداخلي، وكذلك الآثار المترتبة عليها في إطار الثقافة السياسية الفلسطينية، مشيرة إلى أنه وطوال نحو16 عامًا مضت عملت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والكيان على دعم قيادة قوية مثل قيادة ياسر عرفات عبر دعمه بمليارات الدولارات، ثم جاء من بعده محمود عباس أبو مازن، لكن وعلى أرض الواقع لم يحدث أي وفاق سياسي داخلي في السلطة الفلسطينية.
وأشارت الدراسة في هذا الصدد إلى تلقي السلطة الفلسطينية أكثر من 3 مليارات دولار خلال عام 2008 وفقًا لتقديرات فرنسية، في حين أن مؤتمر باريس للدول المانحة للسلطة الفلسطينية قرر تقديم نحو 7 مليارات دولار تصل تباعًا، لكن وعلى الرغم من ذلك لازالت الجماهير الفلسطينية تعتبر السلطة فاسدة وأن ما تقدمه الولايات المتحدة لقوات الأمن الفلسطينية ليس سوى مقابل على ما تحصل عليه من تعاون وعمالة.
خامسًا: فشل السلطة الفلسطينية في الماضي عقبة كبيرة أمام استعادة غزة:
ونبهت الدراسة إلى أن طوال تلك الفترة منيت السلطة الفلسطينية بالفشل، وعلى الرغم من حصولها على الدعم الكافي إلا أنها لم تحقق شيئًا ولم تقدم للجمهور الفلسطيني أي شيء، وهو الأمر الذي انعكس بقوة على نتائج انتخابات 2006 البرلمانية والتي فازت فيها حماس، ثم قيام الحركة بالاستيلاء على قطاع غزة في عام 2007، وهو الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في سياسات التعامل مع السلطة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بدعم قدراتها الأمنية، مشيرة إلى أن قرار دعم فتح من جديد لاستعادة السلطة في غزة يجب أن يأخذ في الاعتبار ما حدث من فشل في الماضي.
سادسًا: هل يمكن الاستعانة بمحمد دحلان؟
وعاد كاتبا الدراسة للحديث عن احتمالات الاستعانة بمحمد دحلان لاستعادة سيطرة فتح على قطاع غزة، وأشار إلى دحلان الذي ترأس في الماضي جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في قطاع غزة، أخفق فيما مضى في منع سيطرة حماس على القطاع، لكنه يعود من جديد لكي يكون المرشح الأوفر حظًا لقيادة قوات الأمن التابعة لحركة فتح في غزة، ولعب دورًا مهمًا في عملية تأمين المعابر الواصلة بين القطاع ومصر والكيان الصهيوني.
ونبهت الدراسة إلى أنه وعلى الرغم من أن حركة حماس قامت بسحق قوات دحلان بدموية، إلا أن مسألة عودة دحلان للعب دور تشغل بال القيادتين الفلسطينية والمصرية، لكن الكيان يمانع في عودته وهو الأمر الذي أكده وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك لرئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، مشيرًا إلى إخفاق دحلان في منع حماس من السيطرة على غزة.
وأشار كاتبا الدراسة إلى أن دحلان رحل من الأراضي الفلسطينية متوجهًا إلى القاهرة لكي يتوارى عن الأنظار بعيدًا فور سيطرة حماس، وقالت إن وسائل الإعلام المصرية والسعودية منحته منبرًا لكي يهاجم حماس ويتحدث عن الدور الإيراني في دعمها ودفعها للدخول في مواجهة مع الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي يعيد الحديث مرة أخرى عن إمكانية أن يلعب دحلان دورًا مهمًا في عملية استعادة غزة وتسليمها لفتح، وعاد كاتبا الدراسة للتأكيد على أن القاهرة والرياض دعمتا بهدوء العمليات الصهيونية ضد حماس والمدعومة من قبل قوات دحلان؛ حيث قدما له نحو 20 مليون دولار قبل عام 2007.
ثم تحدثت الدراسة عما تتمتع به قوات دحلان من قوة في الوقت الراهن، وأشارت إلى أنه وعلى الرغم من فقد قواته الكثير من رجالها، ووصل الأمر إلى حد فقدان دحلان لمنزله في غزة واستيلاء حماس عليه، إلا أنه لازال يتمتع بدعم الآلاف من المسلحين الفتحاويين الذين بقوا في قطاع غزة، وتؤكد الدراسة أن العامل الرئيسي المحرك لإمكانية عودة دحلان هو إمكانية تقديم المليارات من الدولارات في إطار المساعدات الدولية التي وعدت بها السلطة الفلسطينية لإعادة إعمار قطاع غزة، ونوهت الدراسة إلى أن دحلان جمع ثروته الشخصية من خلال وجوده داخل حركة فتح بقطاع غزة في الفترة بين عامي 96 و2007، لكنها عادت وأكدت أن دحلان يكاد أن يكون الزعيم الفلسطيني الوحيد الذي يتعرض للتهديد بالثأر والانتقام من قبل عناصر التنظيمات الفلسطينية الأخرى.
ثم أشارت الدراسة إلى أن كافة التقارير السابقة تفيد بأن دحلان يحظى بقبول أمريكي واهتمام بإعادته لغزة، خاصة وأن بينهم أكثر من 12 عامًا من التعاون الوثيق، كما أن إدارتي كلينتون وبوش قامتا بدعمه واعتبرتاه شخصًا إصلاحيًا خاصة بعد أن قام بتوجيه انتقادات لياسر عرفات بأنه شخص ديكتاتوري، كما دعا للقيام بإصلاحات داخلية في أجهزة الأمن الفلسطينية وعلى هذا الأساس كانت إدارة الرئيس كلينتون قد وافقت ابتداء من عام 96 على تقديم دعم مكثف من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وكذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي لدحلان ولجهاز الأمن الوقائي التابع له وغيرها من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.
كما سبق وأن قام كلينتون بوصف دحلان بأنه صديق!!! الأمر الذي دلل على قوة ومتانة علاقته مع واشنطن، وهو الأمر الذي بدا واضحًا كذلك من علاقاته الواسعة مع كبار المسئولين الأمريكيين خاصة المسئولين الأمنيين، ويشار في هذا الصدد إلى تصريحات أحد أعضاء لجنة الاستخبارات في الكونجرس الأمريكي بأن دحلان شخص ساحر، ونوهت الدراسة كذلك إلى أن دحلان ذاته يتفهم أهمية علاقته بأمريكا، وتحدثت الدراسة عن واقعة جرت في أوائل عام 2008، حينما قام دحلان بإبلاغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جورج تينت بأنه رجل عظيم وعادل، كما أشارت إلى أن دحلان التقى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عدة مرات، وذات مرة وبعد لقاء جرى في البيت الأبيض أشاد بوش علنًا بدحلان، واصفًا إياه بأنه شخص قوي ويصلح لتولي منصب قيادي، بل الأكثر من هذا يقال إن بوش وصف دحلان خلال لقاءات جرت خلف أبواب مغلقة بأنه أحد رجال أمريكا.