سوريا ..العقدة أم الحل؟!

عصام زيدان
Essam_zedan30@hotmail.com
مفكرة الإسلام: كانت العاصمة السورية دمشق في الأيام الأخيرة محط الأنظار وقبلة الوفود عربيًا وإقليميًا ودوليًا, وهو ما يعكس الأهمية البالغة للدور الذي تلعبه سوريا خلال الفترة الحالية, والذي يترك بصماته على أغلب الصعد, وفي كل الملفات المفتوحة والساخنة والتي تحدد مصير المنطقة والقوى الفاعلة فيها لسنوات قابلة.
فقد أدركت القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا, وكذلك بعض القوى العربية وعلى رأسها مصر والأردن, إضافة إلى القوى الإقليمية ومنها إيران و"إسرائيل" أن قضايا المنطقة تلتقي جميعها في العاصمة دمشق, وذلك انطلاقًا من رؤية روابط وثيقة تجمع ما بين الإشكاليات الراهنة ويقف على رأسها الاستحقاق الرئاسي في لبنان الذي تجاوز مجرد اختيار رئيس إلى قضية تضع نفوذ القوى المتصارعة على المحك, وهي الورقة التي تعض عليه سوريا بالنواجذ.
وسنتوقف هنا عند رؤية هذه القوى لسوريا ودورها في صناعة الأزمات وحلها, ثم نعكس المشهد لنرى الرؤية السورية ممثلة في أهدافها واستراتيجيتها في التحرك.
سوريا.. العقدة أم الحل؟!
منذ اشتعال أزمة الرئاسة اللبنانية توجهت الأنظار صوب دمشق على اعتبار إرثها السابق في لبنان, والذي ما زال ساري المفعول رغم تقلص هذا النفوذ برحيل القوات السورية منذ سنوات, على أمل أن تفك سوريا "العقدة" الرئاسية بـ"حل" توافقي" ينقذ البلد الأسير.
فالعرب مدفوعون بخوف من تفجر الموقف, وتوابعه الزلزالية التي قد تصيب بلدانهم, وفرنسا قد دست أنفها بقوة في لبنان بدعم أمريكي يرى في لبنان ركيزة في شرقه الأوسط المأمول, و"إسرائيل" تترقب الموقف وتبعث برسائل متناقضة عسى أن ينزلق النظام السوري لأي منها, وإيران من ناحيتها ترتكز على القضية اللبنانية لتدعيم شراكتها الاستراتيجية مع سوريا.
وعلى هذه المحاور العربية والغربية والإقليمية نستعرض رؤية القوى الفاعلة فيها لسوريا ودورها في صنع الأزمات وتفكيكها.
أولاً: على الصعيد العربي:
استقبلت سوريا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الأحد 18/11/2007 للمرة الأولى منذ أربع سنوات تقريبًا, وهو ما كسر إلى حد ما جبل الثلج العربي الذي فرض على الرئيس بشار الأسد من قبل الزعماء العرب في الآونة الأخيرة, والذي يبدو أنه جاء انعكاسًا لعدة أسباب؛ منها:
1ـ تقاربه مع الجمهورية الإيرانية, ورغبته في بقاء التحالف مهما كلفه الأمر من تضحيات على الصعيد العربي, ودخول بعض رموزه في مناوشات مع المملكة العربية السعودية التي شكلت مع مصر بالإضافة لسوريا مثلثًا حافظ على الحد الأدنى من التوافق العربي في حقبة ماضية.
2ـ تصلب الموقف السوري وعدم استجابته لأية مبادرات عربية خاصة على الصعيد اللبناني, ووقوفه كحجر عثرة أمام التوافق الذي يضع لبنان على هاوية الهاوية التي يوشك أن يتردى فيها من شاهق, وربما يكون ضربًا من التفاؤل القول بأن القدم اللبناني لم تنزلق إلى تلك الهاوية بالفعل, بعد فشلها في انتخاب رئيس على خلفية المشهد الطائفي وليس السياسي أو الدستوري.
3ـ توتر العلاقات السورية الأمريكية, وهو ما يعنى على الأقل أن تتحفظ بعض الدول العربية الحريصة على عدم إغضاب واشنطن على علاقاتها مع سوريا لحين رؤية الضوء الأخضر الأمريكي بعودة المياه إلى تلك العلاقات.
والأهمية السورية في المنظور العربي في الفترة الحالية والتي تعكسها زيارة العاهل الأردني الذي يمتلك رؤية لقضايا المنطقة تلتقي في كثير من محاورها مع المنظور الأمريكي وتتخوف مما وصفته من قبل بالهلال الشيعي تتركز بالأساس وعلى وجه التحديد, في ملفين:
الأول: الملف اللبناني, لأن الدول العربية على ضآلة ما قامت به في الشأن اللبناني, تعلم جيدًا أن أدوارها وكذلك الأدوار الغربية سيكون مآلها الفشل إن بقي العناد السوري على حاله في تعطيل الاستحقاق الرئاسي, واستغلال علاقاته الوطيدة مع حزب الله لتعطيل هذا الاستحقاق وقيادة المسار اللبناني ناحية الاحتراب والتطاحن الداخلي.
الثاني: الملف الفلسطيني, وبالأخص ما يتعلق بالمؤتمر المزمع عقدة في أنابوليس بالولايات المتحدة الأمريكية في 27 نوفمبر 2007, حيث ترفض سوريا الحضور إلا على طاولة تحظى فيها قضية احتلال الجولان بنصيب وافر وهو ما ترفضه "إسرائيل" والولايات المتحدة, التزامًا بخطة فصل المسارات التي تبنتها "إسرائيل" مع الدول العربية منذ معاهدة كامب ديفيد مع مصر.. وإزاء هذا الرفض تصر سوريا على التشويش إعلاميًا وسياسيًا على أنابوليس بعقد مؤتمر للقيادات الفلسطينية الرافضة للمؤتمر, وهو ما ينظر إليه عربيًا بعدم الرضا باعتباره يكرس للانقسام الفلسطيني الحادث بين حركتي فتح وحماس.
فلدى العرب مخاوف من تفجر الوضع اللبناني، جراء التعنت السوري, ومخاوف أخرى من استخدامها القضية الفلسطينية فيما يعمق الهوة بين حركتي فتح وحماس, وتماديها في التحالف مع نظام الملالي، وتحقق المخاوف الأردنية من الهلال الشيعي الذي تعلوه إيران على الرافعة السورية وتكون لبنان ركيزته الأساسية.
ثانيًا: على الصعيد الغربي:
ثنائية "أنابوليس" و"رئاسة لبنان" حكمت مسار العلاقات الغربية مع دمشق في الآونة الأخيرة, فالولايات المتحدة الأمريكية مهتمة بالمؤتمر الدولي في أنابوليس، والإدارة الفرنسية من جانبها ركزت اهتمامها على فتح الطريق أمام رئيس للبنان, يعيد لها دورها بعد عهد انكماش في فترة الرئيس السابق جاك شيراك, ومن ورائهما دخلت روسيا على الخط وعلى المحورين معًا كي لا تغيب عن المشهد المتوتر وتضمن ألا تذهب الأوضاع في مسارات لا تحقق مرادها وأهدافها.
فقد كانت دمشق كما بيروت قبلة الوفود الفرنسية والرحلات المكوكية التي قام بها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر وموفد الرئاسة الفرنسي كلود غيان من أجل حلحلة الموقف السوري بالنسبة للمبادرة الفرنسية المطروحة لحل الأزمة القائمة على اختيار أحد المرشحين من لائحة يضعها البطريك الماروني مارنصر الله صفير ليتولى الرئاسة خلفًا للرئيس الحالي إميل لحود الذي تنتهي مدة ولايته الدستورية الجمعة القادمة 23 نوفمبر 2007.
وتوجت تلك الزيارات باتصال مباشر وللمرة الأولى بين الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي والأسد دفعًا للمبادرة التي تعطلت وقاربت على الفشل لتعنت الفرقاء على الساحة الداخلية اللبنانية, وهو ما ترجعه فرنسا للعناد السوري.
وفيما يخص الجانب الأمريكي فمن الملاحظ أن لغة التهديد التي كست خطاب الإدارة الأمريكية خلال الفترة السابقة توارت إلى حد كبير, كما أن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تحاول جاهدة استغلال هذا الهدوء في "ترويض الأسد" بتصريحات عن إمكانية كسر العزلة المفروضة على سوريا بدعوتها إلى مؤتمر أنابوليس باعتبارها إحدى الدول الراعية لمبادرة السلام وليس بصفة أخرى لديها أجندة تفاوضية, واعدة بـ"انفراج" العلاقة بين البلدين شريطة تسهيل ورفع العقبات المعطلة للمسار اللبناني الذي تنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره نقطة انطلاق في مشروعها المسمى بالشرق الأوسط الكبير.
والملفان سالفا الذكر شكّلا أيضًا الأجندة الرسمية لزيارة يفجيني بريماكوف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق، وبعدها بدأت محادثات نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف, ومن رحم هذه المحادثات ظهرت المبادرة الروسية التي دعت لمؤتمر متابعة لأنابوليس بداية العام القادم، يتناول جميع المسارات بما فيها المسار السوري, وهضبة الجولان المحتلة.
هذه التحركات الغربية هي على ما يبدو إشارات ضمنية لسوريا بكسر العزلة المفروضة أمريكيًا أو تطمينية بأن المجتمع الدولي لم يعد يهدد النظام السوري ولا يعمل ضد بقائه, وسيراعى مصالحه, ولكن على النظام السوري أن يقدم الثمن المتمثل في تمرير ملف الرئاسة اللبناني, وفتح الطريق أمام مؤتمر أنابوليس ليحقق مراده, ليس لأهمية هذا أو ذاك الذاتية, ولكن لتأثيرهما في وضعية الصراع ومستقبله في المنطقة.
فالصراع في رؤية الغرب ليس فقط على من يحكم لبنان, ولا على من يحضر أنابوليس أو يتغيب, ولكنه صراع على النفوذ في المنطقة بين الحلف الفرنسي الأمريكي من ناحية والإيراني السوري من ناحية, والدب الروسي يسعى لاستثمار الصراع في دس أنفه في المنطقة بعد طول غياب.
ثالثًا: على الصعيد الإقليمي:
دخلت إيران و"إسرائيل" على خط اللعب المفتوح, على المسار السوري, فبينما تسعى "إسرائيل" لنقض هذا التحالف المزعج لها, وتحاول سحب سوريا خطوات عن الشراكة مع إيران, يجهد نظام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للاحتفاظ بهذه الشراكة إلى أبعد مدى لمقايضتها بثمن مناسب عند الضرورة, متخذًا من لبنان محور الالتقاء الاستراتيجي بما لها من أهمية بالغة لسوريا سياسيًا وعسكريًا, وأيديولوجيًا بالنسبة لطهران.
فقد تباينت الرسائل "الإسرائيلية" لسوريا وأخذت مسارين:
النوعية الأولى: رسائل مهددة بالحرب اتخذت لغة مباشرة بالغارة التي قام بها الطيران في 6 سبتمبر 2007 ضد منشآت في العمق السوري, ثم تسريب الأنباء عن تلغيم الحدود بين الجولان وسوريا بألغام نووية, ومن قبلها قيام القوات "الإسرائيلية" بمناورات عسكرية في الجولان المحتل.
النوعية الثانية: على النقيض من هذه الرسائل الملغمة كانت رسائل سياسية من قبل رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الحرب باراك بإمكانية استئناف المفاوضات على المسار السوري, وحاجة "إسرائيل" لعلاقة سلام مع جيرانها.
فـ"إسرائيل" برسائلها ثنائية المضمون تريد أن تدفع النظام السوري إلى مفاوضات بسقف لا يطول الجولان المحتل, ولكن مفاوضات على غرار المسار الفلسطيني طويلة الأمد تنتهي بتهذيب النظام السوري وتطويعه بعيدًا عن المسار الإيراني مقابل فقط "وعود سخية".
من الناحية الإيرانية, سنجد أن طهران تفطن لأهمية التحالف الاستراتيجي مع دمشق خاصة في هذه المرحلة المفصلية, وتحرص على بقاء هذا التحالف خاصة على المسار اللبناني إلى أطول مدى ممكن, فقد نقلت وكالة الجمهورية الإيرانية للأنباء عن الرئيس أحمدي نجاد عقب لقائه مع وليد لمعلم وزير الخارجية السوري أن "الوحدة والتضامن بين إيران وسوريا ولبنان هما السبيل الوحيد لتحقيق النصر في المنطقة.. وأن موقف سوريا سيحبط جميع المؤامرات الخارجية, وأن وجهات نظر البلدين متطابقة في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية".
فالصراع محتدم بين الطرفين الإيراني و"الإسرائيلي" على وضعية الموقف السوري في المنطقة, والذي يحكم إلى حد بعيد مسار العلاقات الإقليمية حربًا وسلمًا خلال الفترة المقبلة.
هذا العرض يظهر بوضوح أن القوى على مختلف وضعياتها الجغرافية والسياسية ترى في دمشق ونظامها عقدة الأزمات الراهنة في المنطقة ومفتاح الحل أيضًا.
أهداف النظام السوري واستراتيجيته في التحرك:
خلال ترؤسه اجتماعًا للقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية، المنضوية تحت لواء البعث الحاكم قدم الرئيس بشار الأسد عرضًا سياسيًا لأبرز التطورات السياسية الراهنة وانعكاساتها على مستقبل الشرق الأوسط والعالم, واختصر في كلمته الرد على كافة الرسائل الواردة والإشارات الملغزة بتحذيره من أن "المنطقة ستشهد خلال الفترة القريبة القادمة أزمات سياسية يمكنها أن تخلّف آثارًا شديدة الخطورة على مستقبل بلدانها وشعوبها", ودعا إلى "معالجة هذه الأحداث المحتملة من خلال منظور عقلاني يراعي مصالح كافة الأطراف، دون محاباة طرف على حساب طرف, ودون أي تدخل خارجي".
وبتحليل لمضمون الرسالة السورية نجد أنها تشير لنقاط محددة:
1ـ سوريا تدرك حقيقة موقفها الذي تلتقي عنده تعقيدات الموقف برمته وتشتبك فيه كافة الملفات العراقية واللبنانية والإيرانية والفلسطينية على السواء.
2ـ الأزمات شديدة الخطورة على وضعيات المنطقة, وستترك بصماتها على المستقبل حربًا وسلمًا.
3ـ لدى سوريا مصالح لابد من أخذها في الاعتبار عند تحديد ورسم مسارات الحل التي يجب أن تتسم بالعقلانية.
4ـ الرفض السوري لأي تدخل خارجي في تحديد الحلول المناسبة لحلحلة القضايا الجوهرية, وهي ذات الرسالة التي ختمت البيان المشترك مع العاهل الأردني, من أن "مستقبل العرب يحدده العرب".
وانطلاقًا من هذه الرؤية يتحفظ النظام في سوريا على اتخاذ مواقف استباقية في ملفي لبنان والمؤتمر الدولي "أنابوليس", وتتعامل مع هذا التوجه الجديد بحذر شديد عبر التجاوب الإعلامي والرسمي فقط, بينما لا يراوح الواقع مكانه.
وتنطلق هذه الاستراتيجية السورية من مجموعة من المحددات:
1ـ دمشق ومن يواليها ليسوا في وضع ضعيف لتقديم تنازلات استراتيجية في لبنان أو على صعيد الملف الفلسطيني.
2ـ التخوف من أن يكون الهدف الأخير للتسوية على المسار اللبناني الوصول إلى رئيس مُعادٍ لسوريا تقع خياراته على المضي قدمًا في تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالمحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري والقرارات الدولية المتعلقة بنزع سلاح حزب الله.
3ـ مخاوف من إضعاف النظام من خلال إطالة العزلة, وإجباره على فك الارتباط مع إيران, ثم استهدافه بعد ذلك.
4ـ التخوف من استمرار الجمود على مسار المفاوضات المتعلقة بالجولان بعد فصلها عن المسار الفلسطيني.
وفي الواقع العملي, وكانعكاس لهذه الاستراتيجية, سنجد أن دمشق لا ترغب حقيقة في حلحلة أي من المشاكل المطروحة على الطاولة الآن..
فهي غير راغبة في تبريد الملف اللبناني, ويحدوها الأمل مجددًا في عودة نفوذها السابق السياسي على الأقل وليس العسكري بالمباشرة في لبنان, وإن لم يمكن فليس أقل من الحفاظ على هيبة ووجود المفوض الرسمي (حزب الله) الذي يلعب باسمها على الساحة اللبنانية سياسيًا و"الإسرائيلية" عسكريًا.
ولا ترغب في فصل مسارها عن المسار الفلسطيني في المفاوضات؛ لأنه باعتقادها أن جزءًا حيويًا ومؤثرًا في الساحة الفلسطينية ما زال بحوزتها وهو المتمثل في الفصائل الفلسطينية التي تفتح لها أبوابها حتى الآن, وتأمل في موقف تقايض فيه هذا الوجود بتحريك ملف الجولان.
ورغم البرود السياسي الذي اتسم به الرد الإيراني على الغارة "الإسرائيلية" على سوريا فإن دمشق ما زالت ترى في انحيازها لطهران أمرًا استراتيجيًا مهمًا على الأقل لتحتفظ لنفسها بقسم وافر من لعبة "حزب الله" في الساحة اللبنانية والذي تقوى الأصابع الإيرانية على تحريكه بصورة أقوى من مثيلاتها السورية.
فسوريا تراهن على تجميد الأوراق التي بحوزتها لأطول فترة ممكنة وحتى رحيل الإدارة الحالية التي ترى أن خطوط الالتقاء معها باتت متعذرة, أو وجود ظروف توفر ضمانات أقوى وموقف تفاوضي أفضل من الموقف الحالي, ولكنها بلاشك لعبة خطرة غير مضمونة العواقب.