الكنيسة و الفرصة السانحة

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
(القبطي يشعر بالإهانة إذا قلت له إنك عربي)
هذا قول الأنبا توماس أسقف مدينة القوصية في صعيد مصر في المحاضرة التي ألقاها بمعهد هدسون الأمريكي منذ عدة أيام تحت عنوان (المسيحيون الأقباط في مصر: تجربة أكبر جالية مسيحية في الشرق الأوسط في وقت تصاعد الأسلمة) و أضاف توماس موضحاً أن كلمة قبطي نتجت بسبب عدم قدرة العرب الذين وصفهم بأنهم احتلوا مصر علي نطق كلمة أجيبتوس التي كانت توصف بها مصر والمصريون.
و يبكي توماس على الفن القبطي الذي سرقه منهم العرب و يصفهم بالخيانة على سرقتهم تلك حيث يقول بالحرف الواحد نحن نشعر بالخيانة من إخواننا في هذا الوطن.. فجأة سرقت ثقافتنا والفن الخاص بنا وتم إطلاق اسم آخر عليه فأصبح الفن الخشبي الأرابيسك الذي طالما كان عملاً حرفياً يشتهر به المصريون فناً إسلامياً فقط لأن بعض المصريين اعتنقوا الإسلام ونحن نعلم أن الجزيرة العربية في هذا الوقت كانت صحراء مضيفاً: أنا أعتقد أن هذا تزوير في التاريخ ولا يزال يحدث.
و يمثل هذا الراهب أحدث أطوار التعصب القبطي الذي بدأ يأخذ صورا جديدا في مصر منذ بداية السبعينات من القرن الماضي .
هذا الطور تمثل في دخول رهبان الكنيسة معمعة الصراع بشكل مكشوف و جلي بل تصدر واجهة الأحداث و كانت أحدث دير أبو فانا في ملوي بصعيد مصر قمة تلك التجليات عندما دخل الرهبان بأسلحتهم في معركة مع بعض الأعراب بغرض الاستيلاء على أراضي مملوكة للدولة المصرية مما أدى إلى قتل أحد المسلمين بالرصاص الكنسي .
و في الشهور القليلة الماضية وقعت عدة حوادث على امتداد مصر و ربوعها من مصادمات بين مسلمين و أقباط في تطور غير مسبوق و بزيادة في معدل هذه التصادمات عن أخرى مشابهة وقعت في أوقات متفرقة .
هذه الأحداث تسلط الأضواء على المواقف السياسية للكنيسة القبطية المصرية في الآونة الأخيرة و التي تثير دهشة البعض و استغرابهم و لكن المتأمل في المساحة المتزايدة للعمل السياسي و النشاط المسلح للكنسية القبطية في مصر يلاحظ أنه مرتبط بعدة عوامل :
العامل الأول :ظهور أفكار بدأت في الانتشار داخل الكنيسة المصرية منذ الخمسينات من القرن الماضي تدعو إلى تعظيم دور الكنيسة في الحياة المصرية و استرداد حقوق الأقباط و قد بدأت هذه الأفكار مع ظهور ما يعرف بجماعة الأمة القبطية في بداية العشرينات و تدعو أفكار هذه الجماعة على وجوب تصنيف أعداء الكنيسة وترتيبهم تبعا لحجم خطورتهم على وجودها ومن ثم تحديدأفضل أساليب التعامل معهم لسحقهم .. لبناء كنيسة قبطية عظيمة واسعة النفوذ استعدادالاستقبال المسيح في الأيام الأخيرة .. كنيسة يرضى عنها الرب ويبارك جنودهاأي بمصطلح السياسة كنيسة تحاول فرض هيمنتها على واقعها وإيجاد دور لأقلية عددية هذا الدور يفوق حجم هذا العدد بمزاعم تاريخية ليس لها من أساس و بأدوات كثيرة :
منها المالية عن طريق السيطرة على التجارة و الاقتصاد حيث تشير الإحصائيات بسيطرة الأقباط على ما يوازي أربعين في المائة من حجم التجارة الداخلية المصرية مع أن نسبتهم في حدود ستة في المائة من سكان مصر في معظم الإحصائيات و في بعضها لا يتجاوز عشرة في المائة .و هناك الملياردير ساويرس الذي يعتبر أكبر ممول للكنيسة القبطية المصرية حتى أنه وفر طائرة خاصة للأنبا شنودة لنقله للعلاج في الخارج عندما سقط مريضا الشهر الماضي .
ومن بين أدوات الكنيسة لبسط نفوذها السياسي تفعيل دور قوي لهيكلية تنظيم تسيطر به الكنيسة على أكبر عدد من الأقباط المنتشرين في مدن و قرى مصر بل و خارجها بحيث لا خلو حي أو منطقة أو قرية يتواجد فيها أي عدد من الأقباط حتى و لو كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من رعاية من أحد الرهبان الذي يغشاهم ليلا و نهارا ليتفقد أحوالهم و يمدهم بالمال و المؤازرة في كل ضائقة أو مشكلة تواجه أي أسرة قبطية... هذه الشبكة التنظيمية يسيطر عليها الرهبان حتى تصل إلى زعيمهم الأنبا شنودة قائد التنظيم و بأدنى متابعة للأحوال في مصر يلاحظ إن أي مصلحة لقبطي أو حق له داخل أي دائرة من دوائر الحكومة ينجز بأسرع مما يمكن إذا كان القائم على هذه المصلحة قبطي حتى أن كثيرا من المسلمين يوسطون أقباطا جيرانا لهم أو أصدقاء عند المسئولين الأقباط في تلك المؤسسات الرسمية ليساعدوهم على إنجاز مصالحهم .
و لا أحد يغفل الأداة الكنسية المتمثلة في أقباط المهجر يقول الأنبا شنودة: "ولاهتمامي بشؤونالمهجرأنشأت مكتباً في المقرالبابوي بالقاهرة لشؤونالمهجريتلقى أخبار كنائسالمهجروالرسائل والفاكساتويعد ملفاً لكل كنيسة ولكل موضوع..." ويضيف قائلاً: "نحن لا نعمل لليوم ولكن نعملللمستقبل ونرى أن تمتد الرعاية لكل قبطي في الخارج مهما يكن في أماكن بعيدة".ويقول في حديث آخر عندما سئل عن الأسباب التي أدت إلى تمدد الكنيسة خارج الحدودفأجاب مباشرة: "ربطهم انتمائياً إلى الكنيسة" ويقول في موضع آخر: "الجنسيةشيء والولاء شيء آخر... والأطفال في الصلوات يذَكَّرون باستمرار بالكنيسة وآبائهاورئاستها وقوانين الكنيسة".
و توضح صحيفة صوت الأقباط التي تصدر في الولايات المتحدة حقيقة أهداف الأقباط من حملتهم التي يشنونها على الدولة المصرية و تقول :"إنه علينا أن نعمل بكل جهدنا وطاقتنا وأموالنا وذكائناوأن نطرد الشر ونقاوم كل سهامه الشريرة وأن نستأصل الاستعمار الإسلامي من جذوره فيمصر.. كل مصر فأمة الأقباط ليست لبني إسماعيل فيها جذور وإذا كان المستعمر المسلمقد فقد كرامته وحياءه فوجب عليه أن يرحل بإرادته عن مصر ويترك أصحاب الأرض الأقباطفي حالهم لذا وجب علينا نحن الأقباط الذين هاجرنا بعيداً عن عبودية الإسلام أننعمل جاهدين على طرد المستعمر المسلم قبل أن يبيد المسيحيين ويطردهم من ديارهم فإنكان طرد الاستعمار الإسلامي قد يأخذ أجيالاً ولكنه في الإمكان طرده فقد حدث فيأسبانيا بعد استعمار إسلامي لقرون طويلة وحدث في الفلبين وبعض جزر اليونان ولنيخرج الاستعمار الإسلامي من مصر إلا بالقوة: القوة العسكرية الأمريكية أوالإسرائيلية أو بتدخل دول العالم المحبة للسلام إننا نعلنها بصراحة أننا سنستخدمالقوة السياسية لتحريك مجاري الأمور في السياسة الأمريكية ونستخدم المخابراتالأمريكية لضمان خدمة مصالح الأقباط أصحاب أرض مصر وسنحررها من الاستعمار الإسلاميآجلاً أم عاجلاً نحن قوة لا يستهان بها لقد أصبحنا صوتاً قوياً سيزعزع عروشكمالإسلامية وتذكروا أن غرابكم هو الذي نكش على خراب عشه".
بكل هذه الكلمات التي تدل تقطر حقدا و شرا يحاول الأقباط فرض إرادتهم و مخططاتهم و ساعدهم على ذلك ضعف الدولة المصرية و هو العامل الثاني من تفاقم الظاهرة القبطية في مصر :فالدولة المصرية فقدت مشروعها منذ استقلالها عن بريطانيا فقبل زوال الاحتلال التقت القوى السياسية و قوى التغيير في المجتمع المصري على ضرورة إخراج المحتل الغاصب و لكنهم اختلفوا حول مبررات ذلك العمل فمنهم من يعمل على إخراج المحتل بدوافع وطنية بحتة علمانية و منهم بدوافع مصالح و منهم بدوافع عقيدية و بخروج المحتل انفجر سؤال الهوية المصرية و حسم على مستوى السلطة لصالح مزيج من العلمانية و المصالح لتنتهي بها الحال بعد عدة عقود إلى سلطة ضعيفة بالكاد ترسم سياستها بشكل يكاد يكون يومي و ضعف دور الدولة على الصعيد الإقليمي و الدولي و استغل كثير من المتربصين في الداخل و الخارج الفرصة لتحقيق مآرب لهم حتى زين البعض لقيادات الأقباط بانتهاز الفرصة السانحة وأخذ مكاسب للأقباط في ظل تلك الحالة الغير مسبوقة و التي تمر بها الدولة المصرية متجاهلين لحقائق أن هذه الحالة و الظروف هي وضع مؤقت مهما طال الوقت و أن الميزان سيستقيم و سيعتدل و أن المعادلات تتغير دائما .