مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

بين بابا الفاتيكان .. ومرشد الثورة في إيران !

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

شريف عبد العزيز

مفكرة الاسلام: عندما ظهرت دعوة الإسلام ، وأشرقت شمسها النيرة علي وجه الأرض الكالح ، كانت أكبر المشاكل التي واجهها الرسول صلي الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم ، هي مشكلة المغالاة في الأشخاص ، وتقديس آثار الآباء وتقليدهم ، في ظل انتشار فكرة عبادة الأشخاص وتقديسهم واعتقاد العصمة فيهم ، وإضفاء بعض الصفات الإلهية عليهم ، وكانت الدولة الفارسية المجوسية ، هي لب هذه الفكرة ومصدرها الأساسي في المنطقة ، إذ كان يعتقد الفرس أن ملوكهم الأكاسرة تجري في عروقهم دماء سماوية ، وأنهم ينتسبون إلي الله عز و جل مباشرة بأسباب النسب ، تعالي الله عما يقولون علواً كبيراً ، وكان الفارسي العادي ، أو رجل الشارع المجوسي البسيط وغيره ، لا يتخيل أبداً أن يري كسري بعينه ، أو يدخل إيوانه المهول الذي فتحه الصحابة رضوان الله عليهم سنة 16 من الهجرة ، وصلي فيه سعد بن أبي وقاص صلاة الفتح ، وكان الفرس المجوس يعتقدون أن ملوكهم الأكاسرة أبناء الله المعصومين من أي خطأ أو خلل ، حتى وهم أطفال صغار ، لا يتصور فيهم غير العصمة الربانية ، وظلت هذه الأوهام تحكم عقول الفرس المجوس ، حتى جاء الإسلام ، و دخل الفرس في دين الله أفواجاً ، وخرجت هذه الأفكار من رؤوسهم ، ولكن ليس بصورة كاملة ، إذ بقيت بعض آثار هذا التقديس في زوايا القلوب وحنايا النفوس ، ومع أول دخل وقع في الأمة عادت هذه الأفكار للظهور مرة أخري ، وأخذت في التنامي والازدياد يوماً بعد يوم ، وقد أخذت نكهة إسلامية ، وصبغة مذهبية ، وأصبحت الأفكار الفارسية الكسروية عن تقديس الشخوص والذوات واقعاً ملموساً داخل كيان الملة الإسلامية التي جاءت في الأساس لمحاربة مثل هذه الأفكار الشركية ، وأصبحت فرقاً وجماعات ودولاً ، بل أصبحت هذه الأفكار المجوسية الفارسية ، بنداً من بنود العقيدة عند فرق الشيعة قاطبة ، وقد أخذت عقيدة الولاية وتعظيم الأئمة الحيز الأكبر في دين الشيعة بشتى فرقهم ، وأحد أهم أركان الدين والعقيدة الشيعية ، ومع وفاة الإمام الحادي عشر للشيعة الحسن العسكري سنة 260 هجرية وقع الشيعة في أزمة ولاية حقيقية ، كان المخرج منها بضلالة أشد، هي فكرة الإمام المهدي الذي سيخرج آخر الزمان ، والذي سيستتر عن العيون حتى يحين الوقت المعلوم ،

الولاية والكهنوت.

ومع اتساع زاوية الانحراف في العقائد الشيعية مع مرور الزمان ، امتزجت فكرة الكهنوت النصرانية والتي تقوم أيضا علي تقديس الأشخاص ، واعتقاد العصمة فيهم ، بعقيدة الولاية والإمام المهدي الغائب عند الشيعة ، لتخرج للعلن لأول مرة فكرة ولاية الفقيه عن الإمام الغائب ، وذلك علي يد الخوميني ، والتي كانت أهم أدوات سيطرته علي الشعب الإيراني الوثاب ، واستطاع بها أن يخضع ليس شيعة إيران فحسب ولكن الشيعة الجعفرية في العالم كله لنفوذه وتأثيره الديني ، حتى أصبح يلقب بظل الله في الأرض ، ولا يجرؤ أي أحد علي معارضة أوامره مهما جانبها الصواب ، وكل من تسول له نفسه ذلك ، كان يتم التنكيل به و بأشد الصور ، مهما كانت درجته العلمية أو الوظيفية ، مثلما حدث مع بني صدر ومنتظري وغيرهم ، مع العلم أن الكثير من علماء الشيعة في قم وغيرها قد عارضوا فكرة ولاية الفقيه هذه وأنكروها عليه ، وعلي رأس هؤلاء المعارضين الإمام الشريعتمداري الذي أرسل إليه الخوميني عشرة ألاف من جلاوزته مسلحين بالعصي والهروات وحاصروا بيته ، وهم يهتفون : [ اهدموا وكر التجسس واحرقوه ] وقتلوا عدداً من حراس الإمام ، وألزموه الاعتزال في بيته حتى الوفاة ، ومثل ذلك فعل مع الطباطبائي القمي ، وغيرهم مما جعل الأصوات المعارضة لفكرة ولاية الفقيه والمرشد الأعلى ، يعتبرون بما جرى لرفقائهم ، فآثروا الصمت الأليم .

مرشد الثورة وبابا الفاتيكان

وفي ظل ولاية الفقيه نائب الإمام الغائب مهدي آخر الزمان ، أصبح مرشد الثورة يمتلك صلاحيات مطلقة ، وسلطة كاملة ، تمكنه التدخل في كل شيء ، وأي شيء ، وبالتالي أصبح مرشد الثورة أشبه ما يكون بالباباوات والأساقفة عند النصارى ، من صفات التقديس والمغالاة ، وفوق مستوى البشر، بل يفوق سلطة بابا الفاتيكان وغيره ، إذ أن سلطة المرشد دينية ودنيوية ،وتشمل صلاحياته وفقاً للمادة 110 من الدستور الإيراني أمور منها :

1ـ تعيين الفقهاء المراقبين علي صيانة الدستور و القوانين التي يسنها مجلس الشعب .

2ـ نصب وعزل رئيس أركان الحرب وقائد الحرس الثوري وأعضاء الدفاع الوطني ، وقادة أفرع الجيش الثلاثة.

3ـ تعيين أعلي سلطة قضائية في البلاد .

4ـ إعلان الحرب وقبول الصلح .

5ـ عزل رئيس الجمهورية وإلغاء نتائج الانتخابات .

6ـ العفو عن المدانين في قضايا في حدود قوانين الإسلام .

في حين أن سلطة بابا الفاتيكان وغيره من أساقفة المذاهب النصرانية الأخرى دينية فقط .

واليوم تتعرض ولاية الفقيه لأخطر اختبار تمر به بعد ثلاثين سنة من حكم الثورة القصير لإيران ، وقد خرجت مئات الآلاف من الإيرانيين الغاضبين ، ليس من تزوير الانتخابات فحسب ، ولكن من تحيز المرشد الأعلى خامنئي لصالح ربيبه نجاد ، وإصراره على عدم الإستماع لأصوات المعارضين العالية ، وتنكيله بالمتظاهرين بمنتهي الشدة ، وفي مشاهد ذكرت الإيرانيين بأيام الشاه الفاسد ، ولما لم تفد القوة الغاشمة والقهر الأمني للمعارضين وأنصارهم ، وأخذ الأمر يخرج عن نطاق السيطرة ، لجأ المرشد إلي آخر أوراقه ، وهي استخدام كارت الحرمان من الجنة واتهام معارضيه بالشرك بالله ، لمخالفتهم أوامره ونواهيه ، كما جاء ذلك علي لسان خطيب الجمعة في طهران بالأمس ، وعضو مجلس الرئاسة في خبراء القيادة ، وأحد سدنة النظام الإيراني ، أحمد خاتمي الذي اتهم المعارضين والمتظاهرين بالإشراك بالله ، لأنهم قد خالفوا أوامر البابا ، عفوا أقصد المرشد الأعلى .

هذا الكلام كان يعترض عليه المفتونون بإيران وثورتها ، من جوقة التبشير والتطبيع الإيراني في المنطقة ، ويتهموننا بالتهويل والمبالغة ، ويرموننا بالإسقاط ، والهروب من نقد الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية ، ويلمزوننا من طرف ليس بخفي بخدمة المشروع الأمريكي و الصهيوني في المنطقة ، إلي آخر تهريجات الطابور الإيراني الذي يردد مثل الببغاء شعارات الاستكبار العالمي والتصدي للطغيان ودعم المقاومة هوائياً ، والتي يحرص المسئولون الإيرانيون علي ترديدها في كل مناسبة .

فما رأي السادة المفتونين بما قاله أحد أعمدة النظام الإيراني ، وأحد حراس ولاية الفقيه وسدنته الأن ؟

أصبح من يعترض علي المرشد كالمعترض علي الله عز و جل نفسه ، ومن اعترض علي المرشد فقد أشرك بالله عز و جل ، ويستحق الخلود في النار ، فهل نسمع صوتاً من كتيبة التبشير الإيراني في بلادنا ، ينكر هذا الكلام الجافي الطافح بالغلو ، وهل يجرؤ الأستاذ هويدي أو هيكل أو الغنوشي أو غيرهم من رواد التطبيع الإيراني علي الاعتراض علي هذا الكلام ؟ الإجابة السهلة الواضحة هي لا وألف لا ، لم ولن يجرؤ أحد رواد التطبيع الإيراني علي إنكار هذا الكلام أو رده أو الاعتراض عليه ، لأن الأمر قد انكشف ، والمسألة لم تعد أبداً قناعة فكرية ، ومحصلة عقلية بأفضلية النموذج الإيراني ، بل إن الأمر علي ما يبدو له حسابات آخري ، وهي بالطبع ليست حسابات فكرية بقدر ما هي حسابات بنكية .

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 28 يونيو 2009
  1. وفاة الخديوي توفيق6 رجب 1309هـ ـ 8 يناير 1892م مفكرة الإسلام : هو الخديوي توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا، حاكم مصر والسودان وحفيد محمد علي باشا، استلم الحكم سنة 1296هـ ـ 1879م، بعد أن أجبر الإنجليز والفرنسيون أباه الخديوي إسماعيل على ترك منصبه،حدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  2. وزارة الأوقاف المصرية تبدأ حملة لمحاربة التحرش الجنسيبدأت وزارة الأوقاف المصرية، يوم السبت، حملة لمحاربة التحرش الجنسي عبر توعية أئمة المساجد لنقل هذا الوعي للمواطنين بحرمة مثل هذا الممارسات. وقامت الوزارة بتوزيع كتاب «التحرش الجنسي.. أسبابه وعلاجه» على أئمة المساجد على مستوى الجمهورية بهدف مالمرأة و الطفل · 1 د قراءة
  3. السمنة لدى الطفولة تزيد من فرص الإصابة بها بعد البلوغأظهرت دراسة جديدة قامت بها كلية الطب في جامعة هارفارد أن الأطفال الذين تزداد أوزانهم بسرعة، معرضون بشكل كبير للسمنة مستقبلاً بنسبة تفوق الـ 40 في المائة عن غيرهم. ولكن هل يمكن اعتبار زيادة وزن الطفل في كل المراحل أمراً خطيراً؟ يقول الباحثونالمرأة و الطفل · 2 د قراءة
  4. تقرير: أعداد كبيرة من شباب إيران تسعى للهجرة هربًا من القمعكشف تقرير صحافي فرنسي أن العديد من الشباب في إيران باتوا يشعرون بأن الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 يونيو كانت تمثل فرصتهم الأخيرة في الحرية والخروج من البلاد إلى حياة جديدة في مجتمعات جديدة، لأنهم في حالة فوز المرشح مير حسين موسوى كانواآسيا واستراليا · 2 د قراءة
  5. حبيب: اعتقالات الإخوان تأتي للضغط على "حماس" لقبول شروط "فتح"قال د. محمد حبيب، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، إن حملة الاعتقالات الأخيرة في صفوف قيادات الجماعة، يهدف للضغط على "حماس" لتقبل شروط "فتح". وكانت السلطات المصرية، قد اعتقلت، فجر اليوم الأحد، د. عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب الالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  6. فرنسا تحظر استخدام عقار مسكن شهير بعد ثبوت أضرارهأعلنت السلطات الصحية الفرنسية أنها سوف تمنع استخدام المادة المسكنة للألم (ديكستروبروبوفين) المستخدمة على نطاق واسع لعلاج الآلام الشديدة والمتوسطة. وتستخدم هذه المادة في تصنيع المسكن الشهير (دي-انتالفيك) الذي غالبا ما يوصف للمرضى بعد الجراحةعلوم و صحة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: بين بابا الفاتيكان .. ومرشد الثورة في إيران !