الاحتلال يُنصّب "كرزاي" !

مفكرة الإسلام :
علي صلاح
جاء حفل تنصيب الرئيس الأفغاني حامد كرزاي الذي تم في العاصمة كابول ليؤكد أن شرعيته في الحكم يستمدها من الاحتلال حيث حضر تنصيبه عدد من كبار الشخصيات والمسؤولون الغربيون على رأسهم وزيرة الخارجية الأريكية هيلاري كلينتون وفي غياب تام للشعب الذي يفترض أنه يمثله, وأتى حفل التنصيب ليكمل المسلسل الهزلي الذي بدأ مع الانتخابات الرئاسية والتي أسفرت نتيجة الجولة الأولى منها عن فوز كرزاي بعد تزوير الانتخابات بصورة واضحة شاركت فيها الأمم المتحدة, التي أوضحت مدى انسياقها وراء الأهداف الأمريكية, ودفع كرزاي ملايين الدولارات التي حصل عليها طوال سنوات حكمه, التي حامت حولها الكثير من اتهامات الفساد, كرشاوى لزعماء القبائل, وعندما تصاعدت روائح التزوير وأزكمت الأنوف استقال أحد كبار المسؤولين الأمميين احتجاجا على تستر المنظمة الدولية على فضائح التزوير واضطرت في النهاية لإجراء تحقيق توصل إلى وجود عمليات تزوير واسعة فقررت إجراء جولة ثانية الانتخابات, وفي الجولة الثانية أصرت الأمم المتحدة المشرفة على العملية على عدم إعطاء ضمانات للمنافس مما جعله ينسحب تاركا الميدان لكرازاي طفل الاحتلال المدلل.
من هو كرزاي:
ينتمي حامد كرزاي إلى قومية البشتون كبرى العرقيات الموجودة في أفغانستان، وكان جده عبد الأحد كرزاي رئيسا للمجلس الوطني (البرلمان) في عهد الملك الأفغاني السابق محمد ظاهر، وظلت قبيلته "بوبلزي" على ولائها للملك حتى بعد خروجه من السلطة إثر الانقلاب الذي قاده صهره محمد داوود عام 1973 ولم تنقطع صلتها به طوال فترة بقائه في المنفى . وقد تولى كرزاي زعامة القبيلة بعد اغتيال أبيه عام 1999. ويميل كرزاي الذي يحمل درجة الماجستير في العلوم السياسية من إحدى جامعات الهند إلى العادات والتقاليد الغربية وينتمي فكريا إلى الغرب بتياراته الليبرالية أو العلمانية المعروفة. ولم يكن كرزاي من الشخصيات السياسية الأفغانية المعروفة على الساحة, وانضم إلى جبهة التحرير الوطني الأفغاني, وتم نفيه خارج أفغانستان إلى بيشاور شمالي غربي باكستان ثم عاد عام 1992 بعد دخول المجاهدين كابول وسقوط النظام الشيوعي السابق برئاسة نجيب الله، وشغل منصب وكيل وزارة الخارجية في حكومة برهان الدين رباني، لكنه لم يستمر في منصبه سوى عامين فقط. ويعتبر كرزاي واحدا من أشد الكارهين للمجاهدين العرب الذين ساعدوا في إخراج الاحتلال الروسي من البلاد، حيث كان يدعو دائما إلى طردهم من أفغانستان, وعندما جاء الاحتلال الأمريكي إلى البلاد وجد في كرزاي ضالته، فهو من جهة زعيم قبلي بشتوني, ومن جهة أخرى له مع حركة طالبان عداء شخصي شديد وعنده رغبة جامحة في الانتقام والثأر لوالده حيث يتهمها باغتياله، يضاف إلى ذلك تلبية طموحاته السياسية التي لا تتعارض مع الرؤية الأمريكية لشكل الحياة السياسية في أفغانستان بعد طالبان.
فساد ومخدرات:
شهدت الفترة الأولى من حكم كرزاي فسادا لم تشهده البلاد من قبل وتم وضعها مؤخرا في المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث انتشار الفساد, كما شهدت تورط عدد من كبار المسؤولين في تجارة الأفيون والذي كانت حركة طالبان أوشكت في القضاء عليها أثناء حكمها للبلاد.. وشملت قائمة الفساد شقيق الرئيس حامد كرزاي المدعو أحمد والي كرزاي وعددا من الوزراء, وقد تلاشى كبار الضيوف الأجانب الالتقاء مع أحمد والي كرزاي خلال حفل التنصيب لاعتباره رمزا من رموز الفساد في البلاد. وأعلن الجنرال الأمريكي المسئول عن تدريب الشرطة والجيش الأفغانيين في وقت سابق أن الفساد المستشري يمثل أكبر عقبة تمنع وصول القوات الحكومية الأفغانية للمستوى المطلوب. وقال الجنرال الأمريكي روبرت كون قائد القوة التي تدرب الجيش والشرطة الافغانيين في مقابلة مع رويترز: "مربط الفرس هو الفساد الفساد الفساد لأنه متأصل، وقد أدهشني في الوقت الذي أمضيته هنا كيف أن أفغانًا يلحقون الأذى بأفغان آخرين عندما مُنحوا فرصة كبيرة لإدارة برنامج سيساعد الكثيرين جدًا وبدلاً من ذلك يهتمون بأنفسهم أساسا في المقام الأول". من جهة ثانية, أكد تقرير للمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات أن هناك فسادًا متفشيًا تعاني منه الشرطة الأفغانية, ما يشيع إحساسًا بغياب القانون واستياءً شعبيًا عارمًا.وقال التقرير: إن الفساد المستشري في وزارة الداخلية التي تدير الشرطة يعني أن الترقيات غالبًا ما تشترى ولا تذهب لمن يستحقها, ما يعرقل محاولات جعل القوة تتمتع بالحرفية. إزاء هذا الوضع المزري في البلاد المحتلة شكّلت قوات الاحتلال التابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" بأفغانستان، لجنةً للتحقيق مع شخصيات رفيعة المستوى بالحكومة بتهمة التورط فيما وصفه مسئول أمريكي بـ"دولة المافيا الإجرامية"، وقالت صحيفة ذي جارديان البريطانية: إنّ لجنة "قوة المهمات" التي يعمل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على تأسيسها في كابل ستتألف من فريق صغير يشمل ضباط مكافحة الفساد ومحققًا جنائيًا ومدعيًا عامًا، في خطوة يؤمل منها المضي في التحقيق في قضايا أوقفتها المعارضة الحكومية. ونسبت ذي جارديان إلى مسئول أمريكي قوله: إن هيكل حكومة أفغانستان يقوم على شكل "نقابة إجرامية" تبتز الأموال من الناس على شكل رشا وعائدات جمارك مسلوبة وتسجنهم من أجل الفدى.
من جانبه قال إرشاد أحمدي نائب هيئة المراقبة- التي أسَّسها كرزاي قبل فترة لمكافحة الفساد كخطوة منه لإرضاء الغرب ولكنها فشلت في مهمتها-: إن أكثر من مائة مسؤول كبير في الحكومة ينبغي عزلهم من مناصبهم بهدف الاختصار في عملية بناء الثقة بالحكومة". كما انتقدت صحيفة الإندبندنت البريطانية عودة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي إلى الحكم لفترة رئاسية جديدة ووصفت استمرار حكم كرازي بأنه انتصار للفساد والاحتيال والكذب.
دعاوى زائفة:
بعد كل هذه الاتهامات والاعترافات تأتي الولايات المتحدة لتزور الانتخابات بواسطة الأمم المتحدة لإعادة تنصيب كرزاي على رأس البلاد ليواصل نهب ثرواتها هو وحاشيته المقربة منه وعلى رأسهم أخيه وتخفي واشنطن تبجحها بمطالبات زائفة لكرازاي بمكافحة الفساد قائلة على لسان وزيرة خارجيتها: "الآن وبعد أن انتهت الانتخابات، نتطلع إلى أن نرى أدلة دامغة على أن الحكومة بقيادة كرزاي ستكون أكثر تجاوبًا مع احتياجات الشعب"..إن الولايات المتحدة تدوس على جميع المعايير الأخلاقية المتعارف عليها من أجل مصالحها ولا يهم مصالح الشعوب المستضعفة التي تقتلها كل يوم بطائراتها ومدافعها, وفي الأخير تضع الصوص والسراق لينهبوا ما تبقى من خيرات الشعوب.