مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الحل الشرقـي للقضيـة الفلسطينيـة

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عمــرو نبيــل

مفكرة الإسلام : تمر القضية الفلسطينية بمنعطف خطير إن لم يكن الأخطر في تاريخها؛ فكل الظروف مهيئة تمامًا لتصفيتها، التي يتم الإعداد لها، حاليًا، في المطبخ السياسي الغربي تحت إشراف "إسرائيلي" خاص.

فالانقسام الفلسطيني الداخلي على أشده، والخلافات العربية العربية بدأت تظهر للعلن عبر التحفظات السورية على التحركات العربية، والتدخل الإيراني لا يدخر جهدًا في المزايدة على القضية الفلسطينية وتعميق الخلافات بين الصف الفلسطيني والعربي، فيما الولايات المتحدة المتورطة في المستنقع الشرق الأوسطي من أفغانستان للعراق باتت مقتنعة تمامًا بأنها لن تسطيع الخروج من هذا المستنقع إلا من خلال حل القضية الفلسطينية؛ فقد ربط عسكريون أمريكيون في شهادتهم أمام الكونجرس بين أمن الجنود الأمريكيين وبين "عملية السلام" الفلسطينية "الإسرائيلية"، وهو الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي للإعلان عن أن حل الصراع العربي "الإسرائيلي" بات "مصلحة حيوية للأمن القومي الأمريكي"، كل هذه المعطيات تغري "إسرائيل" وتزيد من جرأة حكومتها اليمينية المتطرفة في التحرك باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، خاصةً وأن العرب مصرون على وضع قضايا التسوية النهائية في صلب أجندة أي مفاوضات مقبلة مع "الإسرائيليين".

وفي ظل هذه الأوضاع، كشفت دوائر دبلوماسية رفيعة المستوى أن أمريكا وعدت "إسرائيل" بأنها ستمارس نفوذها لتمرير الحل الأمريكي "الإسرائيلي" للمشكلة الفلسطينية دون المساس بالمطالب "الإسرائيلية"، وأكدت أن الحوارات تتم في ظل غياب كامل للسلطة الفلسطينية، التي تحول دورها إلى القبول بما قد تسوقه واشنطن والدول العربية الحليفة لها من حلول، كما كشفت الدوائر الدبلوماسية النقاب عن مخطط أمريكي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في عدد من دول العالم، وتزامنت هذه المخططات مع سياسة التهويد التي تجري على قدمٍ وساق في القدس، التي أعلنت الحكومة "الإسرائيلية" أنها "عاصمة إسرائيل الأبدية الموحدة"، كما تزامنت مع التحذيرات الفلسطينية من محاولات "تل أبيب" الحثيثة لهدم الأقصى.

هذا الحال الذي آلت إليه القضية الفلسطينية، التي بلغت الثانية والستين من عمرها، إنما هو انعكاس لغياب الرؤية الإستراتيجية لهذه القضية المحورية لدى الطرف العربي، على العكس من الطرف "الإسرائيلي"، الذي يعي تمامًا البعد الإستراتيجي لهذه القضية، ويعلم منذ البداية أنها قضية دولية لا يمكن إدارتها محليًا ولا حتى إقليميًا؛ فالتحرك "الإسرائيلي" باتجاه فلسطين جاء ومنذ البداية من خلال الأطراف الدولية الكبرى كالدولة العثمانية ثم بريطانيا (وعد بلفور) إلى أن تنبأت الرؤية الإستراتيجية "الإسرائيلية" بقدوم الولايات المتحدة كقوى عظمى فراهنت عليها وقرأت الواقع السياسي الأمريكي قراءة صحيحة مكّنتها من الاستغلال الأمثل لواشنطن في تحقيق مصالحها، غير أن الولايات المتحدة باتت مهددة بفقد مكانتها كقطب أوحد يقود العالم، حيث أنها تمر بأكبر أزمة في تاريخها على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، فيما الصين تستعد للانتقال من الحلبة الاقتصادية، التي أثبتت جدارتها فيها إلى الحلبة السياسية.

فقد كشف ليو مينجفو، الكولونيل في جيش التحرير الشعبي الصيني، الذي يعمل أستاذًا في جامعة الدفاع الوطني في كتابه "الحلم الصيني" عن الطموحات القومية الصينية المتصاعدة، حيث قال إن "هدف الصين الكبير في القرن الحادي والعشرين أن تصبح الرقم واحد في العالم"، وأوضح أن المنافسة بين أمريكا والصين "هي منافسة على الزعامة صراع حول من يسقط ومن يصعد للهيمنة على العالم، حتى تنقذ نفسها وتنقذ العالم على الصين أن تعد نفسها لأن تصبح قبطان السفينة"، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الصعود الكبير للصين يطرح فكرة القطبية الثنائية مرة أخرى، بل وتتوقع بعض التقارير تبوأ الصين المكانة الأولى عام 2015، ووفقًا لبعض التقديرات؛ فإنه في حالة استمرار معدل النمو الاقتصادي للصين على مستواه الحالي (9%)، فإن ذلك يمكن أن يجعل ناتجها المحلي الإجمالي يصل إلى 80% من الناتج الداخلي الخام للولايات المتحدة بحلول عام 2020.

وإن كان صعود الصين لن يكون بهذه السهولة لأن أمريكا ما زالت تشكل القوة الرئيسية على مستوى العالم من حيث مؤشرات القوة المعروفة: السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلا أنه على مستوى التقديرات الإستراتيجية تمثل الصين ورقة رابحة يمكن التعويل عليها، حيث يرى العديد من المراقبين أن ميزان قوة العالم آخذ في التحول باتجاه آسيا.

الحــل الشــرقــي:

هذا التحول العالمي باتجاه الشرق والصعود الصيني، الذي قد يبدو للبعض أنه لا علاقة له بالقضية الفلسطينية، إنما يمثل مخرجًا للقضية الفلسطينية، التي ظلت لسنوات أسيرة للغرب المنحاز لـ "إسرائيل"؛ حيث أن التحول العالمي من القطبية الواحدة إلى الثنائية القطبية أو التعددية القطبية يفتح آفاقًا إستراتيجية جديدة أمام القضية الفلسطينية.

هذا الأمر تنبهت له "إسرائيل" قبل العرب، وبدأت بالفعل في التوجه شرقًا؛ فقد كشفت مصادر صحافية أن السلطة الفلسطينية طالبت جامعة الدول العربية بالتحرك لدى الصين لتمنع "إسرائيل" من الادعاء بأن القدس عاصمتها ومن عرض صور في جناحها بمعرض "اكسبو شنجهاي" الدولي تزعم أن المقدسات العربية الفلسطينية صهيونية، وأوضحت أن "وزير الخارجية في الحكومة الفلسطينية المؤقتة رياض المالكي أرسل للجامعة مذكرةً تتضمن صورًا ستكون ضمن الجناح "الإسرائيلي" في معرض لمقدسات إسلامية مثل قبة الصخرة عليها شعارات مكتوبة باللغة العبرية تقول "المجد لنا للأبد".

ولما تنبه الطرف العربي لمكانة الصين وتأثيرها في السياسة الدولية، وبدأ في التحرك باتجاهها للفوز بدعمها للقضية الفلسطينية، حيث طالب عمرو موسى خلال الدورة الرابعة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني بانضمام الصين للجنة الرباعية الدولية؛ فوجئ برفض الصينيين التوقيع وثيقة مشتركة تعتبر القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، غير أن المفاجأة لم تدم طويلًا، بعدما أعلنت وزارة المالية الصينية أن "إسرائيل" ستمنح بكين قرضًا بمزايا تفضيلية قدره 400 مليون دولار، ولم يقتصر الأمر على هذا القدر؛ فلقد بلغ التعاون العسكري الصيني "الإسرائيلي" مدى كبيرًا، حيث صارت بكين إحدى أهم الدول المشترية سلاحًا من "إسرائيل"، بدءًا بالطائرات القتالية "فالكون"، وصولًا إلى محاولة شراء طائرات تجسس هجومية متطورة من دون طيار، وهي الصفقة التي تدخلت أمريكا مباشرة لوقفها لأنها تهدد مصالحها في المنطقة، وفي مقابل هذه الإغراءات "الإسرائيلية" قامت الحكومة الصينية بإطلاق موقعًا إلكترونيًا على شبكة الانترنت باللغة العبرية.

وعلى الرغم من أن مصالح الصين مع العرب لا تقارن بمصالحها مع "إسرائيل"، حيث تقول الإحصائيات إن التبادل التجاري بين الدول العربية والصين انتقل من 36 مليار دولار عام 2004 إلى حوالى 108 مليارات دولار في العام الماضي وأن هذا التبادل تضاعف في خلال 30 عامًا أكثر من 100 مرة، إلا أن بكين غلبت الجانب "الإسرائيلي" على الجانب العربي، الذي يشبع حاجاتها الماسة للنفط، في علاقاتها الخارجية، وذلك لسبب جوهري وهو أن "إسرائيل" تربط مصالحها وعلاقاتها مع الدول الأخرى بمواقف هذه الدول من القضية الفلسطينية، فيما الأنظمة العربية لها حساباتٍ أخرى جعلتها تتجاهل دعوة الرئيس الصيني هو جينتاو، الذي قال من داخل مقر جامعة الدول العربية "إننا الصينيين والعرب فاتتنا فرص كثيرة كان بإمكاننا اغتنامها.. يشهد عالم اليوم تحولات وتطورات وتعديلات كبيرة وتمر المعادلة السياسية والاقتصادية الدولية بتغيرات عميقة حيث ترتفع باستمرار المكانة والقوة للدول العربية.. فإن تعزيز الثقة السياسية والتعاون الإستراتيجي بين الصين والدول العربية يصب في المصلحة الأساسية للجانبين في ظل الظروف الجديدة".

وإذا كانت الأنظمة العربية لم تتحرك باتجاه هذا الحل الشرقي للقضية الفلسطينية، فهناك العديد من المسارات غير الرسمية، التي يمكن التحرك من خلالها باتجاه هذا الحل؛ فالقضية الفلسطينية قضية إسلامية وقد أثبتت أحداث غزة الأخيرة قدرتها على تحريك الشعوب الإسلامية في شتى بقاع الأرض، وبالأخص في آسيا التي تحظى فيها دولًا إسلامية بأهمية كبرى كإندونيسيا وماليزيا، وإذا كانت "إسرائيل" نجحت في الضغط على أمريكا داخليًا من خلال اللوبي اليهودي؛ فلنضغط نحن على واشنطن خارجيًا من خلال آسيا الآخذة في النمو، وإذا كان المواطن الأمريكي والغربي لا يهتم بالقضية الفلسطينية؛ فالملايين من مواطني آسيا مسلمين متفاعلين معها وسيمثلون آداة ضغط قوية على حكوماتهم، ذلك فضلًا عن أن المصالح الاقتصادية لها بالغ الأثر على السياسات الصينية الخارجية، حيث يمكن للمؤسسات الإسلامية المدنية تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية، الذي أثبت كفاءته خلال الأزمة الدنماركية.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 23 مايو 2010
  1. أفكارك تصبغ حياتكمصطفى كريم [email protected] هل تعرف من هو "إدمون هيلري"؟ إنه ذلك الرجل الذي قرر في شهر مايو من عام 1953م أن يقدم على شيء أحجم عنه الكثيرون، لقد حاول أن يتسلق أعلى جبل في العالم، والذي يبلغ ارتفاعه 29000 قدم وهو جبل إفريست، وكان أول رجل علىإدارة الذات · 6 د قراءة
  2. سوريــا وإيــران مــن يحتمــي بالآخــر؟عمــرو نبيــل مفكرة الإسلام : تعالت خلال الآونة الأخيرة الأصوات المطالبة بفك الارتباط بين سوريا وإيران، واصفةً العلاقات السورية الإيرانية بأنها باتت تهدد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتنذر باشتعال حرب إقليمية. وجاءت هذه المطالب على خلفيمقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  3. الكنز ذو الأحرف الثلاثةمصطفى كريم mostafakorayem@hotmail.com في يوم من الأيام، فقد الشبل الرضيع أهله من الأسود، وظل هائمًا على وجهه، إلى أن مر به قطيع من الغنم، فسار الشبل معها وصاحبها، وأكل الأعشاب كما تأكل، وكان يرعى الكلأ كما ترعى، إلى أن شب وكبر، ونما وترعرع،إدارة الذات · 4 د قراءة
  4. أبو مازن فى خدمة نتنياهو !د/ سامـح عبـاس مفكرة الإسلام : كثيراً ما يقدم العرب خدمات جليله لإسرائيل تحقق بها أغراضها ومآربها بدايه من إلغاء قرار المقاطعة العربيه لها ، مروراً بالرضوخ لمفاوضات واهيه للسلام المزعوم وأخيراً بالتخلى عن دعم المقاومة الأسلامية فى الأراضى امقالات وتحليلات · 3 د قراءة
  5. وفاة السلطان العثماني أحمد الثاني9 جمادى الآخرة 1106 هـ ـ 1694م مفكرة الإسلام : هو السلطان العثماني التاسع عشر في ترتيب سلاطين الدولة العثمانية، ولد سنة 1052هـ، وقد تولى السلطنة بعد وفاة أخيه السلطان سليمان الثاني سنة 1102هـ، وكان أصغر من أخيه سليمان بشهرين، وكان عهد أخيه حدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  6. جولة في صحافة الأحد 21 مايونقرأ في جولة اليوم عن التحريض الأمريكي لإسرائيل على العدوان بمنحها معونات للقبة الحديدية..وموقف الإيرانيين من أمريكا, وهل بامكانهم تحدى الغرب؟.. وملامح السياسة الخارجية البريطانية. كما نقرا عن الصرع على العراق إقليميا ودوليا..والمؤامرة التيجولة الصحافة · 9 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الحل الشرقـي للقضيـة الفلسطينيـة